من «الوساطة بين المتنبي وخصومه» للقاضي الجرجاني (ت ٣٩٢هـ)
شعر المتنبي
ثم أعود الى نسق الكتاب وأكتفي بما قدّمته من هفوات أبي تمام وإن كان ما أغفلته أضعاف ما أثبتّه؛ إذ البغْية فيه الاعتذار لأبي الطيب، لا النّعي على أبي تمام. وإنما خصَصْتُ أبا نُواس وأبا تمام لأجمع لك بين سيّدي المطبوعين، وإمامَي أهل الصنعة، وأريك أن فضلَهما لم يحمِهما من زلل، وإحسانهما لم يصفُ من كدَر؛ فإن أنصفتَ فلك فيهما عبرة ومَقنع، وإن لججت فما تُغْني الآياتُ والنّذر عن قومٍ لا يؤمنون.
وقد رأيتك - وفقك الله - لما احتفلت وتعمّلت، وجمعت أعوانك واحتشدت، وتصفّحت هذا الديوان حرفاً حرفاً، واستعرضته بيتاً بيتاً، وقلّبته ظَهراً وبطْناً، لم تزد على أحرف تلقّطَتها، وألفاظ تمحّلَتها، ادّعيت في بعضها الغلط واللحن، وفي أخرى الاختلال والإحالة، ووصفت بعضاً بالتّعسّف والغثاثة، وبعضاً بالضّعف والركاكة، وبعضاً بالتعدي في الاستعارة؛ ثم تعدّيت بهذه السمة الى جملة شعره، فأسقطت القصيدة من أجل البيت، ونفيت الديوان لأجل القصيدة، وعجّلت بالحُكم قبل استيفاء الحجة، وأبرمت القضاء قبل امتحان الشهادة، فعبت قوله:
فتًى ألفُ جُزء رأيُه في زمانهوما قَلّ جُزء بعضُه الرأي أجمَعُ
وقوله:
ومن جاهل بي وهْو يجهَل جهلَهويجهلُ عِلمي أنه بيَ جاهِلُ
وقوله:
فقلْقَلت بالهمّ الذي قلقل الحشاقلاقِلَ عيسٍ كلهنّ قلاقِلُ
غثاثةُ عيشي أن تغثّ كرامتيوليس بغثٍّ أن تغثّ المآكلُ
وقوله:
لك الخيرُ غيري رامَ من غيرك الغِنىوغيري بغيرِ اللاذقيّة لاحِقُ
وقوله:
عظُمتَ فلمّا لم تكلّم مهابَةًتواضعْتَ وهْو العُظمُ عُظماً عنِ العُظم
وقوله:
ولستَ بدونٍ يُرتجى الغيثُ دونهولا مُنتهى الجود الذي خلْفَه خلْفُ
ولا واحداً في ذا الوَرى من جماعةٍولا البعضُ من كلٍّ ولكنّك الضِّعفُ
ولا الضِّعفُ حتى يتبَع الضِّعفَ ضِعفُهولا ضِعفَ ضِعفِ الضّعفِ بل مثلَه ألفُ
وقوله:
قَبيلٌ أنت أنتَ وأنت منهُمْوجدُّك بِشرٌ الملكُ الهُمامُ
وقوله:
كيف ترْثي التي ترى كلّ جفْنرَءَاها غير جفنِها غيرَ راقي
وقلت: مازلنا نتعجب من قول مسلم بن الوليد:
سُلّت وسَلّت ثم سَلّ سليلُهافأتى سَليلُ سَليلها مسلولا
حتى جاء المتنبي، فملأ ديوانه من هذا الجنس، فأنسانا بيت مسلم.
وقوله:
أبا شُجاعٍ بفارِسٍ عضُدَ الدولة فنّاً خُسْرو شَهَنْشاها
وقوله:
رِواقُ العِزّ فوقَك مسبطِرٌومُلكُ عليّ ابنِك في كَمالِ
يعلِّلُها نَطاسيّ الشّكاياوواحدُها نِطاسي المَعالي
وليست كالإناثِ ولا اللواتيتُعدّ لها القُبور من الحِجال
ولا مَن في جِنازتِها تِجاريكون وَداعُها نفْضَ النِّعال
وقوله:
أوْهِ من انْ لا أرى محاسنهاوأصْلُ واهاً وأوْهِ مرْآها
وقوله:
كيف يقْوى بكفِّك الزّندُ والآفاقُ فيها كالكفّ في الآفاقِ
أنت فيه وكان كلّ زمانٍيشتهي بعْضَ ذا على الخلاّقِ
وقوله:
مَبيتي من دِمِشْقَ على فِراشحشاهُ لي بحرِّ حشاي حاشِ
وقوله:
وربّما يشهدُ الطّعام معيمن لا يُساوي الخبزَ الذي أكلَهْ
وقوله:
إني على شغَفي بما في خُمْرِهالأعِفُّ عما في سراويلاتِها
وقوله:
لا خلْقَ أسمَحُ منك إلا عارِفٌبك رَاءَ نفسَك لم يقُل لك هاتِها
وقوله:
لساني وعيني والفؤاد وهمّتيأودّ اللواتي ذا اسمُها منك والشّطر
وما أنا وحدي قلتُ ذا الشِّعر كلّهولكن لشِعري فيك من نفسِه شعرُ
وقوله:
وشيخٌ في الشباب وليس شيخاًيسمّى كلّ مَن بلغَ المشيبا
وقوله:
قَسا فالأُسْدُ تفزَع من يدَيْهِورقّ فنحنُ نفزَعُ أنْ يَذوبا
وقوله:
وسيفي لأنْتَ السّيفُ لا ما تسُلّهلضرْبٍ ومما السّيفُ منه لكَ الغِمدُ
وقوله:
أيفطِمه التّوْرابُ قبل فِطامهويأكله قبلَ البلوغ الى الأكلِ
وقوله:
إذا ما لبِستَ الدّهرَ مستمتعاً بهتخرّقْت والملبوسُ لم يتخرّق
وقوله:
أغرّكُمُ طولُ الجيوشِ وعرضُهاعليٌّ شَروب للجيوشِ أكولُ
إذا لم تكنْ للّيث إلا فريسةًغذاهُ فلم ينفَعْك أنّك فيلُ
إذا الطّعنُ لم تُدخِلك فيه شجاعةهي الطّعن لم يُدخِلك فيه عذولُ
إذا كان بعضُ الناس سيفاً لدولةٍففي الناس بوقاتٌ لها وطُبولُ
وقوله:
فكلّكم أتى مأتَى أبيهفكلّ فِعالِ كلِّكُمُ عُجابُ
وقوله:
مُلِثَّ القَطر أعطِشها رُبوعاوإلا فاسْقِها السمَّ النّقيعا
أسائلُها عنِ المتديّريهافلا تدري ولا تُذري دُموعا
إذا ماستْ رأيتَ لها ارتِجاجاًله لولا سواعدُها نُزوعا
تألّم درْزَه والدّرزُ ليْنٌكما تتألمُ العضْب الصّنيعا
ذراعاها عدُوّا دُمْلُجَيهايظنّ ضجيعُها الزّنْدَ الضّجيعا
أحبّكِ أو يقولوا جرَّ نمْلٌثَبيراً أو ابنُ إبراهيمَ ريعا
أمُنسيّ الكناسَ وحضْرَ موتاًووالدتي وكِندةَ والسّبيعا
وقوله:
جوادٌ سمَت في الخير والشّر كفُّهسُموّاً أودّ الدهرَ أنّ اسمَه كفّ
وُقوفَين في وقْفَين: شُكْرٍ ونائلٍفناثِلُه وقْفٌ، وشُكرُهم وقْفُ
ولما فقدْنا مثلَه دامَ كشْفُناعليه فدامَ الفقدُ وانكشفَ الكشْفُ
وقوله:
ولا جلس البحرُ المحيطُ لقاصدٍومن تحتِه فرْشٌ ومن فوقِه سقْفُ
وقوله:
رجلٌ طينُه منَ العنبَر الوَرْدِ وطينُ الرّجالِ من صلْصالِ
وقوله:
إنّما الناسُ حيثُ أنت وما النّاسُ بناسٍ في موضعٍ منكَ خالي
وقوله:
لا يستَكنُّ الرّعبُ بين ضُلوعِهيوماً ولا الإحسانُ أن لا يُحسِنا
تتقاصَرُ الأوهامُ عن إدراكِهمثلُ الذي الأفلاكُ فيه والدُنا
وقوله:
ولذا اسمُ أغطيَة العُيون جفونُهامن أنّها عمَلَ السّيوفِ عوامِلُ
وإن كان قد تغلغل الى معنى لطيف أحسن استخراجه لو ساعده اللفظ.
وقوله:
جفَخَتْ وهُم لا يجْفَخون بهابِهمشيَمٌ على الحسَب الأغرِّ دلائلُ
وقوله:
الطّيبُ أنت إذا أصابَك طيبُهوالماءُ أنت إذا اغتسلْتَ الغاسِلُ
وقوله:
فتبيتُ تُسئِدُ مُسئِداً في نيِّهاإسآدَها في المَهمَه الإنضاءُ
وقوله:
كُفي أراني ويْكِ لومَك ألوَماهمٌ أقام على فؤادٍ أنجَما
وقوله:
رماني خِساسُ الناس من صائِبِ اسْتِهوآخرُ قُطنٌ من يديْه الجنادِلُ
وقوله:
فلولا تولّي نفسِه حمْلَ حِلمِهعنِ الأرضِ لانهدّت وناءَ بها الحِملُ
وقوله:
أنّى يكونُ أبا البريّة آدمٌوأبوك والثّقَلان أنت محمدُ
وقوله:
خفِ اللهَ واستُر ذا الجمالَ ببرقُعٍفإنْ لُحتَ حاضتْ في الخدور العواتقُ
وقلت: لما أنكر عليه حاضت غيّره فجعله ذابت.
وقوله:
مُذلُّ الأعزّاءِ المُعزّ وإنْ يئِنْبه يُتمُهُم فالموتِم الجابرُ اليُتمِ
وقوله:
تحرّج عن حقْن الدّماءِ كأنّهيرى قتْلَ نفْسٍ ترْك رأسٍ على جِسمِ
أطعناك طوْع الدّهر يا بْنَ ابن يوسُفٍلشهوَتِنا والحاسدُ لك بالرّغْمِ
إذا ما ضربْت القِرنَ ثمّ أجَزتَنيفكِلْ ذهَباً لي مرةً منه بالكَلْمِ
فكمْ قائِلٍ لو كان ذا الشخصُ نفسَهلكانَ قَراهُ مكْمَنَ العسكر الدّهْمِ
وقائلةٍ والأرضَ أعني تعجُّباًعليّ امرؤٌ يمشي بوقْري من الحِلم
وقوله:
وأنّك في ثوبٍ وصدرُك فيكُماعلَى أنه منْ ساحةِ الأرض أوسَعُ
وقلبُك في الدُنيا ولو دخلَت بناوبالجِنّ فيه ما درَتْ كيف ترْجع
وقوله:
أحادٌ أم سُداسٌ في أُحادِلُيَيلَتُنا المَنوطةُ بالتّنادِ
وقوله:
وأبعدَ بُعدَنا بعدَ التّدانيوقرّب قُربَنا قُربَ البِعادِ
قلت: قد جمع في هذه الأبيات وفي غيرها مما احتذى به حذوَها بين البرد والغثاثة، وبين الثُقل والوخامة، فأبعد الاستعارة، وعوّص اللفظ، وعقّد الكلام، وأساء الترتيب، وبالغ في التكلّف، وزاد على التعمّق؛ حتى خرج الى السّخف في بعض، والى الإحالة في بعض. وقلت: كيف يُعدّ في الفحول المُفلقين من يقول:
جمدَتْ نُفوسُهم فلما جئتَهاأجريْتها وسقيتها الفولاذا
فغَدا أسيراً قد بللْت ثيابَهبدمٍ وبلّ ببولِه الأفْخاذا
أعْجَلت أنفسَهُم بضرْبِ رِقابِهمعن قولِهم لا فارسٌ إلا ذا
طلبَ الإمارةَ في الثّغورِ وقد نشاما بين كرْخايا الى كلْواذا
فكأنّه حسِب الأسنّة حُلوةًأو ظنّها البرْنيّ والآزاذا
وقوله:
بشرٌ تصوّر غايةً في آيةٍينفي الظّنون ويُفسِد التّقييسا
يا مَن نلوذُ منَ الزمان بظِلّهأبداً ونطرُد باسمِه إبليسا
إني نثرْتُ عليك دُرّاً فانتقِدْكثُر المدلِّسُ فاحذَرِ التّدليسا
حجّبتُها عن أهل إنطاكيّةوجلوتُها لكَ فاجتليْت عَروسا
خيرُ الطّيورِ على القُصور وشرّهايأوي الخرابَ ويسكُن النّاووسا
وقوله:
ولعلّي مؤمِّلٌ بعض ما أبْلُغُ باللطفِ من عزيزٍ حميدِ
لسَريٍّ لباسُه خشِنُ القُطْن ومَرويُّ مرْوَ لبسُ القُرود
وقوله:
ألقى الكِرامُ الأولى بادوا مكارمَهمعلى الخصيبيّ عند الفرض والسُننِ
فهنّ في الحَجْر منه كلّما عرضَتْله اليَتامى بَدا بالمجدِ والمِنَنِ
وقوله:
جعلتُك بالقلبِ لي عدّةًلأنّك باليدِ لا تُجعَلُ
وقوله:
ونُصفي الذي يُكنى أبا الحسَن الهَوىونُرضي الذي يُسمَى الإله ولا يُكْنى
وقوله:
وكلامُ الوُشاةِ ليس على الأحْبابِ سُلطانُهُ على الأضدادِ
وقوله:
ليس كلّ السّراة بالرّوذَباريّولا كلّ ما يطيرُ ببازِ
فارسيٌ له من المجد تاجٌكان من جوهرٍ على أبْرَوازِ
فكأنّ الفَريدَ والدُرّ والياقوتَ من لفظِه وسامَ الرِّكازِ
تقضَمُ الجمْرَ والحديدَ الأعاديدونهُ قضْم سُكّر الأهْوازِ
وقوله:
ونهْبُ نُفوسِ أهل النّهبِ أولَىبأهل المجدِ من نهْبِ القُماش
ومن قبلِ النّطاح وقبل يأنيتبينُ لك النّعاجُ من الكِباشِ
تُطاعنُ كلّ خيلٍ سرْتَ فيهاولو كانوا النّبيطَ على الجِحاش
أتى خبَرُ الأمير فقيلَ كرّوافقلت نعم ولو لحِقوا بَشاشِ
ويقول:
مُستقلٌ لك الديارَ ولو كانَ نُجوماً آجُرُّ هذا البناء
ولو أنّ الذي يخِرّ من الأمْواهِ فيها من فِضّة بيضاءِ
أنت أعلى محلّةً أن تُهنَّىبمكانٍ في الأرض أو في السماءِ
ولك الناسُ والبلادُ وما يسْرَح بين الغبراءِ والخضراءِ
يفضحُ الشّمسَ كلما ذرت الشمْسُ بشمْس مُنيرةٍ سوداءِ
إنما الجِلدُ ملبسٌ وابيضاضُ النْنَفْسِ خيرٌ من ابيضاضِ القَباءِ
ويقول:
ما أنصفَ القومُ ضُبَّهْوأمّه الطُّرطُبّهْ
رموا برأسِ أبيهوناكوا الأمَّ غُلُبّهْ
فلا بمن مات فخرٌولا بمن نيك رغْبَه
وإنما قلتُ ما قلتُ رحمَةً لا محبَّهْ
ما كنت إلا ذُباباًنفتكَ عنّا مِذبّه
وكنت تنخَر تيهاًفصرتَ تضرِط رهْبَه
وإنْ بعُدنا قليلاًحملْت رُمحاً وحرْبَه
ويقول:
قد بلغتَ الذي أردت من البرّومن حقّ ذا الشّريف عليْكا
وإذا لم تسِرْ الى الدار في وقْتِك ذا خِفتُ أن تسير إليكا
وقلت: وهو أكثر الشعراء استعمالاً لذا التي هي للإشارة، وهي ضعيفة في صنعة الشعر، دالة على التكلّف، وربما وافقت موضعاً يليقُ بها، فاكتست قبولاً؛ فأما في مثل قوله في هذين البيتين: ومن حق ذا الشريف عليكا؛ وفي وقتك ذا، وقوله:
لو لم تكن من ذا الورى اللّذْ منك هوْعقمَتْ بمولِد نسلِها حوّاء
وقوله:
عن ذا الذي حُرم الليوثُ كمالَهيُنسي الفرسيةَ خوفَه بجمالِه
وقوله:
وإن بكيْنا له فلا عجبٌذا الجزْر في البحر غيرُ معهودِ
وقوله:
ذا الذي أنت جدّه وأبوهدِنيةً دون جدّه وأبيه
وقوله:
أفي كل يومٍ ذا الدُمُستُق مُقدمٌقفاه على الإقدام للوجه لائِمُ
وقوله:
أبا المِسك ذا الوجهُ الذي كنت تائِقاًإليه وذا الوقتُ الذي كنت راجيا
وقوله:
نحن في أرض فارسٍ في سُرورذا الصّباح الذي بُرَى ميلادُهْ
كلما قال نائلٌ: أنا منهسرَفٌ، قال آخر: ذا اقتصادُهْ
وقوله:
فإن يكنِ المهديّ من بان هديُهفهذا وإلا فالهُدى ذا فما المَهدي
وقوله:
يعلِّلنا هذا الزمان بذا الوعْدِويخدَع عما في يديه من النّقدِ
وقوله:
وهذا أوّل الناعين طُراًلأولِ ميتَةٍ في ذا الجلالِ
وقوله:
فإن أتى حظُّها بأزمِنَةٍأوسعَ من ذا الزّمانِ أبداها
وقوله:
حلفَتْ لذا ذركاتُ غُرة ذافي المهد أن لا فاتَهم أملُ
فهذا صالح، وقوله:
فبعْدَه وإلى ذا اليوم لو ركضتْبالخيلِ في لهَواتِ الطّفلِ ما سَعلا
فهو - كما تراه - سخافةً وضعفاً، ولو تصفّحت شعره لوجدت فيه أضعاف ما ذكره من هذه الإشارة؛ وأنت لا تجد منها في عدة دواوين جاهلية حرفاً، والمحدَثون أكثر استعانة بها، لكن في الفَرْط والنّدرة، أو على سبيل الغلط والفلتة.
وقلت: احتملنا له ما قدّمناه على ما فيه من فنون المعايب، وأصناف القبائح؛ كيف يُحتمل له اللفظُ المعقّد، والترتيب المتعسَّف لغير معنى بديع يفي شرفُه وغرابتُه بالتعب في استخراجه، وتقوم فائدة الانتفاع بإزاء التأذي باستماعه، كقوله:
وفاؤكُما كالرّبْعِ أشجاهُ طاسِمُهبأن تُسعِدا والدّمعُ أشفاه ساجِمُهْ
ومن يرى هذه الألفاظ الهائلة، والتعقيد المُفرط، فيشك أن وراءَها كنزاً من الحكمة، وأن في طيّها الغنيمة الباردة؛ حتى إذا فتّشها، وكشف عن سترها، وسهِر ليالي متوالية فيها حصل على أن وفاء كما يا عاذليّ بأن تُسعِداني إذا درس شجاي، وكلما ازداد تدارُساً ازددت له شجْوا؛ كما أن الربع أشجاه دارسُه.
فما هذا من المعاني التي يضيع لها حلاوة اللفظ، وبهاء الطبع، ورونق الاستهلال، ويشح عليها حتى يهلهِل لأجلها النَسْج، ويفسِد النظم، ويفصِل بين الباء ومتعلقها بخبر الابتداء قبل تمامه، ويقدّم ويؤخّر، ويعمّي ويعوّص! ولو احتمل الوزن ترتيب الكلام على صحته فقيل: وفاؤكما بأن تسعِدا أشجاه طاسِمُه كالربع، أو وفاؤكما بأن تسعدا كالربع أشجاه طاسمه، لظهر هذا المعنى المضْنون به، المتنافَس فيه؛ فأما قوله: والدمعُ أشفاه ساجمُه فخطاب مستأنَف، وفصلٌ منقطِع عن الأول، وكأنه قال: وفاؤكما والربع أشجاه ما طسم، والدمع أشفاه ما سجَم.
وكذلك قوله:
أحادٌ أم سُداسٌ في أُحادٍلُييلَتنا المنوطةُ بالتّنادِ
تعرّض فيه لوجوهٍ من الطعن: منها قوله: سُداس، وقد زعموا أنها غير مروية عن العرب، وإنما رُوي أُحاد وثُناء وثُلاث ورُباع وعُشار، وهذه معدولات لا يُتجاوز بها السماع، ولا يسوغ فيها القياس.
ومنها أنه أقام أُحاداً وسُداساً مقام واحد وستة؛ والعرب إنما عدلوا به عن واحد واحد، واثنين اثنين، ولذلك لا يقولون للاثنين والثلاثة، هذا ثُناء وهذا ثُلاث؛ وإنما يقولون: جاء القوم أُحاد ومَثنى وثُلاث: أي واحداً واحداً، واثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة؛ وبذلك نطق القرآن، قال الله تعالى: (قُل إنّما أعِظُكم بواحِدةٍ أن تقوموا للهِ مَثْنى وفُرادَى). أي اثنين اثنين، وقال تعالى: (فانْكِحوا ما طابَ لكُم من النّساءِ مثْنى وثُلاثَ ورُباع)، أي اثنتين اثنتين، وثلاثاً ثلاثاً، وأربعاً أربعاً.
ومنها أنه صغّر الليلة، ثم وصفها بالطّول، ووصلها بالتّنادِ، حتى احتاج الى إطالةِ الاعتذار الى التناول والاستشهاد. وأنت إذا امتحنْت الذي عزاه لم تجد أكثر من أواحِدة ليلتُنا هذه أم ستّ ليال في واحدة وهل يساوي ذلك - وإن عُرض سمْحاً مطاوعاً ووُجد سهلاً مُواتياً - أن يُفتَتح به قصيدة، أو تُعقَد عليه قافية! وما باله خصّ سُداساً، وعُشارٌ أكثر إن أراد التكثير! واجتماع عشر ليالٍ أطول من اجتماع ست. فإن ادعى مُدّع أنه أراد استيفاء ليالي الأسبوع، فجمعها في الست والواحدة، فكملت سبْعاً استدلّ النابهُ على ضعف بصره بالحساب؛ لأن الستّ في الواحدة ستّ، فأين السابعة؟ ولمَ اقتصر على الأسبوع وهو يريدُ المبالغة في الطول؟ وهلا بلغ أقصى ما يحتمله الوزن وأكثر ما يُمكنه النظم! فإن توسّعت في الدعاوى فضلَ توسّع، ومِلتَ مع الحيْف بعض الميل حتى تناولت طائفةً من المختار، فجعلتَه في المنفي، وأخذْت صدْراً من الجيد فجعلته مع الرديء - ولسنا نُنازِعك في هذا الباب - فهو باب يضيق مجالُ الحجةِ فيه، ويصعبُ
وصول البرهان إليه. وإنما مدارُه على استشهاد القرائح الصافية، والطبائع السليمة، التي طالت مُمارستُها للشعر، فحذقَت نقدَه، وأثبتت عياره، وقوِيت على تمييز، وعرفت خلاصه، وأنما نُقابل دعواك بإنكار خصْمك، ونُعارض حُجّتك بإلزام مخالفك إذا صِرنا الى ما جعلتَه من باب الغَلط واللّحْن، ونسبتَه الى الإحالة والمناقضة، فأما، وأنت تقول: هذا غثٌ مستبرَد، وهذا متكلّف متعسّف، فإنما تخبِر عن نُبوِّ النفس عنه، وقلّة ارتياح القلب إليه.
والشعر لا يحبَّبُ الى النفوس بالنظر والمحاجّة، ولا يحلّي الصدور بالجِدال والمُقايسة؛ وإنما يعطِفها عليه القبول والطّلاوة، ويقرّبه منها الرونق والحلاوة؛ وقد يكون الشيء متقَناً مُحكماً، ولا يكون حُلواً مقبولاً، ويكون جيداً وثيقاً، وإن لم يكن لطيفاً رشيقاً.
وقد يجدُ الصورة الحسنة والخِلقة التّامة مقلية ممقونة، وأخرى دون مُستحلاة موموقة؛ ولكل صناعة أهلٌ يُرجع إليهم في خصائصها، ويُستَظهر بمعرفتهم عند اشتباه أحوالها.
ومما أُنكر أن يكون كثير مما عددته من هذه الأبيات ساقطة عن الاختيار، غير لاحقة بالإحسان، وأن منها ما غلب عليه الضعف، ومنها ما أثر فيه التعسّف؛ ومنها ما خانه السّبك؛ فساء ترتيبه، وأخلّ نظمه. ومنها ما حمل عليه التعمّق؛ فخرج به الى الغَثاثة والبرْد، وإن كان أكثرُها لم يأتِ من قِبَل المعنى وشرفه، وكنا نجد لكل واحد منها مثالاً يحسّنه، وشبيهاً يعضده ويسدده: ولكن الذي أطالبك به وأُلزمك إياه ألا تستعجل بالسيئة قبل الحسنة، ولا تقدّم السُخْط على الرحمة، وإن فعلتَ فلا تُهمِل الإنصاف جملة، وتخرج عن العدْل صِفراً؛ فإن الأديب الفاضل لا يستحسن أن يعقد بالعثرة على الذنب اليسير من لا يحمد منه الإحسان الكثير؛ وليس من شرائط النَّصفة أن تنعى على أبي الطيب بيتاً شذّ، وكلمة ندَرت،
وقصيدةً لم يُسعِده فيها طبعُه؛ ولفظةً قصرت عنها عنايته، وتنسى محاسنَه، وقد ملأت الأسْماع، وروائعه وقد بهرت. ولا من العدل أن تؤخره الهفوةُ المنفردة، ولا تقدمه الفضائل المجتمعة، وأن تحطه الزلةُ العابرة، ولا تنفعه المناقبُ الباهرة.
وكيف أسقطته عن طبقات الفحول وأخرجتَه من ديوان المحسنين لهذه الأبيات التي أنكرتَها، ولم تسلّم له قصب السّبْق ونصال النضال، وتُعَنْون باسمه صحيفة الاختيار لقوله:
هو الجدّ حتى تفضُل العينُ أختَهاوحتى يكون اليومُ لليوم سيّدا
وما قتل الأحْرار كالعفْو عنهُمومن لك بالحُرّ الذي يحفَظُ اليَدا
إذا أنت أكرَمت الكريمَ ملكتَهوإن أنت أكرمْتَ اللئيم تمرّدا
أزِل حسَد الحُسّادِ عنّي بكبتِهمفأنت الذي صيّرتَهم ليَ حُسَّدا
وما أنا إلا سمهريٌّ حملتَهفزيّن معروضاً وراع مُسدَّدا
أجِزْني إذا أُنشِدْت شِعراً فإنّمابشِعري أتاكَ المادِحون مرَدَّدا
ودعْ كلَّ صوتٍ دون صوتي فإنّنيأنا الصائحُ المَحكيُّ والآخرُ الصّدَى
تركتُ السُرى خلفي لمَن قلّ مالُهوأنعلْتُ أفراسي بنُعماكَ عسْجَدا
وقيّدتُ نفسي في ذَراك محبّةًومن وجدَ الإحسانَ قيْداً تقيّدا
إذا سأل الإنسانُ أيامه الغِنىوكُنتَ على بُعدٍ جعلتك موعِدا
وقوله:
وأطمعَ عامرَ البُقيا عليهمْونزّقها احتمالُك والوقارُ
وكانت بالتّوقّف عن رَداهانُفوساً في رَداها تُستشارُ
وكنت السّيفَ قائمهُ إليهاوفي الأعْداء حدُّك والغِرار
وظلّ الطّعنُ في الخيْلَين خَلساًكأنّ الموتَ بينهمُ اختصارُ
مضوْا مُتسابقي الأعضاء فيهلأرؤسِهمْ بأرجُلِهم عِثار
إذا صرفَ النهارُ الضّوءَ عنهمدَجا ليلان: ليلٌ والغُبار
وإن جُنحُ الظلامِ انجابَ عنهمْأضاءَ المشرفيّة والنهارُ
إذا فاتوا الرِّماح تناولتْهمبأرماحٍ من العطشِ القِفارُ
يرون الموتَ قُدّاماً وخلْفاًفيختارون والموتُ اضطِرارُ
إذا سلك السّماوةَ غير هادٍفقتْلاهُمْ لعينيْهِ منارُ
فمن طلب الطِّعان فذا عليٌوخيلُ الله والأسَلُ الحِرارُ
يراه الناسُ حيثُ رأتْه كعْبٌبأرضٍ ما لنازِلها استِتارُ
بنو كعْبٍ وما أثّرْتَ فيهميدٌ لم يُدْمِها إلا السِّوارُ
بها من قطْعه ألمٌ ونقْصٌوفيها من جلالَتِه افتِخارُ
لهم حقٌ بشِركِك في نِزارٍوأدنى الشِّرْكِ في نسبٍ جِوارُ
لعلّ بنيهُمُ لبَنيكَ جُندٌفأوّل قُرَّحِ الخيلِ المِهارُ
وقوله:
نزَلوا في مصارِعٍ عرفوهايندُبون الأعمام والأخوالا
تحمِلُ الريح بينهم شعَرَ الهامِ وتُذري عليهمُ الأوصالا
تُنذِر الجسمَ أن يُقيم لديْهاوتُريه لكلّ عُضْو مِثالا
أبصَروا الطّعْن في القُلوب دِراكاقبل أن يُبصِروا الرّماح خَيالا
ينفُض الرّوْعُ أيدِياً ليس تدريأسُيوفاً حملْن أم أغْلالا
وإذا ما خلا الجبانُ بأرضٍطلب الطّعْنَ وحْدَه والنِّزالا
إنّ دون التي على الدّرْب والأحْدَبِ والنّهرِ مِخلَطاً مِزْيالا
غَصَبَ الدّهرَ والمُلوكَ عليهاوبَناها في وجْنةِ الدّهرِ خالا
إنما أنفُسُ الأنيس سِباعٌيتفارسْن جهْرةً واغتِيالا
من أطاقَ التِماس شيءٍ غِلاباًواغتِصاباً لم يلتمِسْهُ سؤالا
وقوله:
قادَ الجيادَ الى الطِّعان ولم يقُدْإلا الى العادات والأوطانِ
إن خُليَتْ رُبطَتْ بآدابِ الوغىفدعاؤها يُغني عن الأرْسانِ
في جحْفَل ستَر العيونَ غُبارُهفكأنّما يُبصِرْن بالآذانِ
يرْمي بها البلدَ البعيد مظفّرٌكلُّ العبيد له قريبٌ دانِ
حتى عبرْن بأرسَناسَ سَوابحاًينشُرنَ فيه عَمائِمَ الفُرسانِ
يقمُصنَ في مثل المُدى من باردٍيذَرُ الفُحولَ وهنّ كالخِصيان
بحرٌ تعوّد أو يُذمُّ لأهلِهمن دهْره وطوارِقِ الحِدثانِ
فتركتَه وإذا أذَمّ من الوَرىراعاكَ واستَثْنى بني حمْدانِ
نظروا الى زُبَرِ الحديد كأنمايصعدْن بين مناكِبِ العِقْبانِ
وفوارِسٍ يُحيي الحِمامُ نفوسَهافكأنها ليست من الحيوانِ
مازِلتَ تضربُهم دِراكاً في الذُرىضرْباً كأنّ السيف فيه اثنانِ
خصّ الجماجمَ والوجوهَ كأنّماجاءتْ إليك جسومُهم بأمانِ
وقوله:
لو كلّتِ الخيلُ حتى لا تحمّلُهتحمّلَتْه الى أعدائه الهِمَمُ
يحُبٌ تمرّ بحِصن الرّانِ مُمسكةًوما بها البُخلُ لولا أنها نِقمُ
وشُزّبٍ أحمت الشِّعرَى شكائمهاووسّمتْها على آنافِها الحكَمُ
ترمي على شفَراتِ الباتِراتِ بهممكامِنُ الأرض والغيطانُ والأكَمُ
وما يصدُّك عن بحرٍ لهم سَعةٌوما يردّك عن طوْدٍ لهم شمَمُ
ضربْتَه بصدورِ الخيلِ حاملةًقوماً إذا تلِفوا قُدْماً فقد سلِموا
وفيها:
هنديةٌ إن تصغِّرْ معشَراً صَغُروابحدِّها أو تعظِّمْ معْشَراً عظُموا
قاسَمتَها تلَّ بِطريقٍ فكان لهاأبطالُها ولك الأطفالُ والحُرَم
وقد تمنّوا غَداةَ الدّرْب في لجَبٍأن يُبصروك فلمّا أبصروك عَموا
فكان أثبتَ ما فيهم جُسومُهُميسقُطنَ حولكَ والأرواحُ تنهزِمُ
إذا توافقتِ الضّرْبات صاعدةًتوافقتْ قُلَلٌ في الجوّ تصطدِمُ
لا يأمَلُ النفَسَ الأقصى لمُهجتِهفيسرِق النّفَسَ الأدنى ويغتنِمُ
ألقَتْ إليك دِماءُ الرومِ طاعتَهافلو دعوْت بلا ضرْبٍ أجابَ دمُ
يُسابقُ القتلُ فيهم كلّ حادثةفما يُصيبهُم موتٌ ولا هرَمُ
ألهى الممالكَ عن فخرٍ قفلْتَ بهشُرْبُ المُدامةِ والأوتارُ والنّغمُ
مقلَّداً فوقَ شُكَّرِ الله ذا شُطَبلا تُستَدامُ بأمضى منهما النِّعمُ
وقوله:
يا أعدلَ الناس إلا في معاملتيفيك الخصام وأنت الخصمُ والحكمُ
إذا رأيت نيوبَ الليثِ بارزةًفلا تظنّنّ أن الليثَ يبتسمُ
ومهجةٍ مُهجتي من همِّ صاحبِهاأدركتُها بجوادٍ ظهرُه حرمُ
رجلاه في الركضِ رِجْلٌ واليَدان يدٌوفعلُه ما تُريدُ الكفُّ والقدَمُ
يا من يعزّ علينا أن نفارقهمْوِجدانُنا كل شيء بعدَكم عدمُ
ما كان أخلقَنا منك بتكرِمةٍلو أنّ أمرَكمُ من أمرِنا أمَمُ
إن كان سرّكمُ ما قال حاسِدُنافما لجُرحٍ إذا أرضاكمُ ألمُ
وبيننا لو رعيتُم ذاك معرفةٌإنّ المعارِف في أهل النُهى ذمَمُ
ما أبعدَ العيبَ والنُقصانَ من شيَميأنا الثُريّا وذانِ الشّيبُ والهرمُ
ليتَ الغَمامَ الذي عندي صواعقُهيُزيلهنّ الى مَنْ عندَه الدِّيَمُ
شرّ البلادِ مكانٌ لا صديقَ بهوشرّ ما يكسِبُ الإنسان ما يصِمُ
وشرّ ما قنصَتْه راحتي قنَصٌشُهْبُ البُزاةِ سواءٌ فيه والرّحَمُ
ويقول:
الناسُ ما لم يروك أشباهوالدهرُ لفظٌ وأنت معناهُ
والجودُ عينٌ وأنت ناظرهاوالبأس باعٌ وأنت يُمناهُ
تُنشدُ أثوابُنا مدائِحَهبألسُنٍ ما لهنّ أفواهُ
إذا مررنا على الأصمِّ بهاأغنَتْه عن مِسمَعَيْه عيناهُ
يا راحِلاً كلّ من يودِّعُهمودِّعٌ دينَه ودُنياهُ
إن كان فيما نراه من كرَمٍفيكَ مزيدٌ، فزادَك اللهُ
وقوله:
وفارسُ الخيل من خفّت فوقّرهافي الدّرب والدمُ في أعطافِها دُفَعُ
فأوحَدَته وما في قلبِه قلقٌوأغضبتْه وما في لفظِه قذَعُ
قاد المقانِبَ أقصى شُربِها نهَلٌعلى الشّكيم وأدنى سيرِها سرَعُ
لا يعتَقي بلدٌ مسراهُ عن بلدٍكاموتِ ليس له ريٌّ ولا شِبعُ
يطمِّع الطيرَ فيهم طول أكلِهمحتى تكادَ على أحيائِهم تقعُ
ذمّ الدُمُستُق عينيه وقد طلعتسودُ الغَمام فظنّوا أنها قزَعُ
فيها الكُماة التي مفطومُها رجلٌعلى الجياد التي حوليُّها جذَعُ
كأنها تتلقهم لتسلُكهمفالطّعن يفتح في الأجواف ما تسُع
إذا دعا العِلْجُ عِلجاً حال بينهُماأظْمى تُفارِق منه أختَها الضِّلَعُ
لا تحسبوا من أسرْتُم كان ذا رمَقٍفليس يأكلُ إلا الميتةَ الضَّبُعُ
وإنما عرّض الله الجنودَ بكملكي يكونوا بلا فسْل إذا رجعوا
وهل يشينُك وقتٌ أنت فارسُهوكان غيرُك فيه العاجزُ الضّرعُ
من كان فوق محلِّ الشمسِ موضعُهفليس يرفعُه شيءٌ ولا يضعُ
لا يُسلمُ الكرّ في الأعقابِ مهجتَهإن كان أسلمَها الأصحابُ والشِّيَعُ
وما حمِدتُك في هوْلٍ ثبتّ لهحتى بلوتُك والأبطالُ تمتَصِعُ
فقد يُظنّ شُجاعاً من به خرَقٌوقد يُظنّ جباناً من به زمَعُ
وقوله:
خليليّ إني لا أرى غير شاعرٍفلِمْ منهمُ الدّعوى ومنّي القصائدُ
فلا تعجَبا إن السيوفَ كثيرةٌولكنّ سيفَ الدولة اليوم واحدُ
له من كريم الطبع في الحرب منتضٍومن عادةِ الإحسانِ والصّفحِ غامدُ
ولما رأيتُ الناس دون محلّهتيقنت أن الدهر للناس ناقدُ
ومن شرفِ الإقدامِ أنّك فيهمعلى القتل موموقٌ كأنّك شاكِدُ
وأنّ دماً أجريتَه بك فاخِرٌوأنّ فؤاداً رُعْتَه لكَ حامِدُ
وكلٌ يرى طُرْقَ الشجاعة والنّدىولكنّ طبعَ النفس للنّفس قائِدُ
نهبْتَ من الأعمار ما لو حويْتَهلهُنِّئتِ الدُنيا بأنّك خالدُ
وقوله - يرثي عبداً لسيف الدولة:
ومن سرّ أهل الأرض ثم بكى أسًىبكى بعيونٍ سرّها وقُلوبِ
سُبِقنا الى الدنيا فلو عاش أهلُهامنِعْنا بها من جيئَةٍ وذهوبِ
وأوفى حياةِ الغابرين لصاحِبٍحياةُ امرئٍ خانتْه بعد مَشيبِ
وفيها:
فإن يكنِ العِلقَ النفيسَ فقدتَهفمن كفِّ مِتلافٍ أغرّ وَهوبِ
كأنّ الرّدى عادٍ على كلّ ماجدٍإذا لم يعوِّذْ مجدَه بعُيوبِ
ولولا أيادي الدهر في الجمع بينناغفَلْنا فلم نشعُر له بذُنوبِ
تسَلّ بفِكرٍ في أبيك فإنمابكيتَ وكان الضّحكُ بعدَ قريبِ
وقوله:
نزلنا عنِ الأكوارِ نمشي كرامةًلمن بان عنهُ أن نُلمّ به ركْبا
نذمّ السّحابَ الغرَّ في فعلِها بهونُعرِضُ عنها كلّما طلعتْ عتْبا
ومن صحِبَ الدُنيا طويلاً تقلّبتْعلى عينِه حتى يرى صدقَها كِذبا
ذكرتُ به وصْلاً كأنْ لم أفُز بهوعيشاً كأني كنتُ أقطعُه نهْبا
وقوله فيها:
مضى بعد ما التفّ الرِّماحان ساعةًكما يتلقّى الهُدْب في الرّقْدةِ الهُدْبا
ولكنه ولّى وللطّعْن سَورةٌإذا ذكرتْها نفسُه لمسَ الجَنْبا
أرى كلَّنا يبغي الحياةَ بسعيهِحريصاً عليها مُستَهاماً بها صبّا
فحبّ الجبانِ النّفسَ أوردَهُ التُقىوحبّ الشُجاعِ النفسَ أوردهُ الحرْبا
ويختلف الرّزقانِ والفعلُ واحدٌالى أن يُرى إحسانُ هذا لِذا ذنْبا
وفيها:
ولم نفترِقْ عنه الإسنّة رحمةًولم يترُكِ الشامَ الأعادي له حُبّا
ولكنْ نَفاها عنهُ غيرَ كريمةٍكريمُ الثنا ما سُبّ قطّ ولا سَبّا
وجيشٌ يُثنّي كل طوْد كأنّهخريقُ رياحٍ واجهتْ غُصُناً رطْبا
كأنّ نجومَ الليلِ خافتْ مُغارَهفمدّتْ عليه من عجاجتهِ حُجْبا
ويقول - يذكر رسول صاحب الروم:
رأى ملكُ الروم ارتياحَك للنّدىفقامَ مقام المُجتَدي المتملّقِ
وخلّى الرماحَ السّمهريّة صاغراًلأدْربَ منه بالطّعانِ وأحذَقِ
وكاتبَ من أرض بعيدٍ مرامُهاقريبٍ على خيلٍ حوالَيك سُبَّقِ
وقد سار في مسْراك منها رسولُهفما سار إلا فوقَ هامٍ مفلَّقِ
وكنتَ إذا كاتبتَه قبل هذهكتبتَ إليه في قَذال الدُمُستُقِ
وهل ترك البيضُ الصّوارم منهمُحبيساً لفادٍ أو رفيقاً لمُعتِقِ
وقوله:
فلوْ خُلِق الناس من دهرِهملكانوا الظّلامَ وكنتَ النّهارا
أشدّهُم في النّدى هِزّةوأبعدُهُم في عُدوٍّ مُغارا
سما بك همّي فوق الهُمومِفلستُ أعدّ يَساراً يسارا
ومن كنتَ بحْراً له يا عليّ فلم يقبَلِ الدُرَّ إلا كِبارا
وعندي لك الشُرَّدُ السّائراتُ لا يختصِصْنَ من الأرضِ دارا
وكنّ إذا سِرْن من مِقوَليوثبْنَ الجِبالَ وخُضْنَ البِحارا
وقوله:
ورُعْن بنا قلبَ الفراتِ كأنّماتخِرّ عليهِ بالرّجالِ سُيولُ
يطارِدُ فيه موجَهُ كلّ سابحٍسَواءٌ عليه غمرةٌ ومسيلُ
تراه كأنّ الماءَ مرّ بجسمِهوأقبلَ رأسٌ وحدَه وتَليلُ
تمَلُّ الحصونُ الشُمّ طولَ نِزالِنافتُلقي إلينا أهلَها وتَزولُ
ولما رأوه وحدَه قبلَ جيشِهدرَوا أنّ كلّ العالمينَ فُضولُ
فودّع قتْلاهُم وشيّع فلّهمْبضرْبٍ حُزونُ الأرضِ فيه سُهولُ
وإنا لنَلْقى الحادِثاتِ بأنفُسٍكثيرُ الرّزايا عندَهنّ قليلُ
وفيها:
شريكُ المنايا والنّفوسُ غنيمةٌفكلّ مماتٍ لم يُمِتْهُ غُلولُ
فإنْ تكنِ الدّوْلاتُ قِسماً فإنهالمَنْ باشَر الموتَ الزّؤامَ تَدولُ
لمَنْ هوّن الدُنيا على النّفسِ ساعةًوللبيضِ في هام الكُماةِ صَليلُ
وقوله:
أيدْري ما أرابكَ من يُريبوهل ترْقى الى الفلكِ الخطوبُ
يجشِّمُك الزمانُ هوًى وحُباًوقد يؤذَى من المِقَة الحبيبُ
وكيف تعِلّك الدُنيا بشيءوأنت لعلّةِ الدنيا طَبيبُ
وكيف تنوبُك الشّكوى بداءٍوأنت المُستَغاثُ لِما ينوبُ
ملِلْتَ مُقامَ يومٍ ليس فيهطِعانٌ صادِقٌ ودمٌ صَبيبُ
وما بك غير حُبِّك أن تراهاوعِثْيَرُها لأرجُلها جَنيبُ
مجلّحَةً لها أرضُ الأعاديوللسُمْر المناحِرُ والجُنوبُ
وقوله:
المجدُ عوفيَ إذ عوفيتَ والكرَمُوزال عنك الى أعدائك الألمُ
صحّتْ بصحّتِك الغاراتُ وابتهجتْبها المكارِمُ وانهلّتْ بها الديَمُ
ولاح برقُك لي من عارضَي ملِكٍما يسقُطُ الغيثُ إلا حيث يبتسِمُ
وما أخصّك في بُرء بتهنئَةٍإذا سلِمْت فكل الناسِ قد سلِموا
وقوله:
ما الدّهر عندكَ إلا روضةٌ أُنُفٌيا مَن شمائلُه في دهرِه زهَرُ
ما ينتهي لك في أيامِه كرَمٌفلا انتهى لك في أعوامِه عُمرُ
فإنّ حظّك من تكرارِها شرَفٌوحظَّ غيرِك منهُ الشّيبُ والكبَرُ
وقوله يذكر رسول صاحب الروم:
وأنّى اهتدى هذا الرسولُ بأرضِهوما سكنَتْ مذْ سِرْتَ فيها القساطِلُ
ومن أيِّ ماءٍ كان يسقي جيادَهُولم تصْفُ من مزْجِ الدماءِ المناهِلُ
أتاك يكادُ الرأسُ يجحَدُ عُنقَهوتنقدُّ تحت الدِّرْعِ منه المفاصِلُ
فما بلّغَتْه ما أراد كَرامةٌعليكَ ولكن لم يخِبْ لك سائل
وأكبَرَ منه همّةً بعثَتْ بهإليك العِدى واستنظَرتْهُ الجحافلُ
فأقبلَ من أصحابه وهْو مُرسَلٌوعاد الى أصحابه وهو عاذِلُ
إذا عاينتْك الرُسْلُ هانت نفوسُهاعليها وما جاءت به والمُراسِلُ
وقد زعموا أنّ النجومَ خوالِدٌولو حاربَتْه ناحَ فيها الثّواكِلُ
وما كان أدناه له لو أرادَهاوألطَفَها لو أنّه المُتناوِلُ
وقوله:
طلبتَهم على الأمواه حتىتخوّفَ أن تُفتّشهُ السّحابُ
وتسأل عنهم الفلَواتِ حتىأجابكَ بعضُها وهُم الجوابُ
إذا ماسِرْتَ في آثار قومٍتخاذلَتِ الجماجِم والرِّقابُ
ولو غيرُ الأمير غَزا كِلاباًثناهُ عن شموسِهمُ ضَبابُ
ولاقى دون ثايهمُ طِعاناًيُلاقي عنده الذئبَ الغُرابُ
وخيلً تغتذي ريحَ المواميويكفيها من الماءِ السّرابُ
ويقول:
هلِ الحدَثُ الحمْراءُ تعرِفُ لونَهاوتعلمُ أيُّ السّاقيَينِ الغمائمُ
سقَتْها الغمامُ الغُرُّ قبل نُزولِهفلما دنا منها سقتْها الجماجِمُ
وكان بها مثلُ الجُنونِ فأصبحَتْومن جُثثِ القتْلى عليه تَمئمُ
طريدةُ دهْرٍ ساقَه فرددْتَهاعلى الدّين بالخطّيِّ والدّهرُ راغِمُ
تُفيتُ اللّيالي كل شيء أخذتَهوهنّ لما يأخُذن منك غوارِمُ
أتوك يجرّون الحديدَ كأنّهمسَروا بجِيادٍ ما لهنّ قوائمُ
وقفتَ وما في الموت شكٌ لواقفٍكأنك في جفْنِ الرّدى وهو نائمُ
تمرّ بك الأبطالُ كلمى هزيمةًووجهُك وضّاحٌ وثغرُك باسمُ
ضممت جناحيهم الى القلب ضمّةًتموت الخوافي تحتها والقوادِمُ
بضرْبٍ أتى الهاماتِ والنّصرُ غائبٌوصار الى اللّبّات والنصرُ قادِمُ
وقوله:
ودانت له الدُنيا فأصبح جالساًوأيامُه فيما يُريدُ قيامُ
وكل أناسٍ يتبعون إمامَهُموأنتلأهلِ المكرُماتِ إمامُ
ورُبّ جوابٍ عن كتابٍ بعثْتَهوعُنوانُه للناظِرينَ قَتامُ
تضيقُ به البيداءُ من قبل نشرِهوما فُضَّ بالبيداءِ عنه ختامُ
وربّوا لك الأولادَ حتى أصبْتَهاوقد كعبَتْ بنتٌ وشبّ غُلمُ
جرى معك الجارون حتى إذا انتهَواالى الغاية القُصوى جريْتَ وقاموا
وقوله:
للنّفسِ أخلاقٌ تدلّ على الفتىأكان سخاءً ما أتى أم تساخِيا
خُلقْتُ أَلوفاً لو رحلْتُ الى الصِّبالَفارَقْتُ شيبي موجَعَ القلبِ باكِيا
فإنّ دموعَ العين غُدرٌ بربِّهاإذا كنّ إثْرَ الغادِرين جوارِيا
وجُرْداً مددْنا بين آذانِها القَنافبتْن خِفافاً يتّبعْن العَواليا
تماشى بأيْدٍ كلّما وافَتِ الصّفانقشْن به صدْر البُزاةِ حوافِيا
وتنظُر من سودٍ صوادِقَ في الدُجىيرَينَ بعيداتِ الشُخوص كما هِيا
وتنصِبُ للجَرسِ الخفيّ سوامعاًيخلنَ مُناجاة الضّمير تنادِيا
تجاذِبُ فرسانَ الصّباح أعنّةًكأنّ على الأعناقِ منها أفاعِيا
قواصِدَ كافورٍ توارِك غيرِهومنْ قصد البحرَ استقلّ السّواقِيا
فجاءتْ بنا إنسانَ عينِ زمانِهوخلّتْ بَياضاً خلفَها ومآقِيا
نحوز عليها المُحسنين الى الذينرى عندَهم إحسانَهُ والأيادِيا
وقوله:
وما زال أهلُ الدهر يشتبهون ليإليك فلما لُحتَ لي لاح فَردُهُ
يُقال إذا أبصَرْتَ جيشاً وربّهأمامكَ ربٌ ربُّ ذا الجيش عبدُهُ
وألقى الفمَ الضّحّاكَ أعلمُ أنّهقريبٌ بذي الكفّ المفدّاةِ عهدُهُ
فكُنْ في اصطِناعي مُحسِناً كمجرِّبٍيبنِ لك تقريبُ الجوادِ وشدُّهُ
وما الصّارمُ الهنديُّ إلا كغيرِهإذا لم يُفارِقهُ النِّجادُ وغمدُهُ
فإنك ما مرّ النّحوسُ بكوكبٍوقابلْتَه إلا ووجهُك سعدُهُ
وقوله:
إذا ساءَ فعلُ المرءِ ساءَتْ ظُنونُهوصدّقَ ما يعتادُه من توهّمِ
وعادى محبّيهِ بقوْل عُداتِهوأصبحَ في ليلٍ من الشّكّ مظلِمِ
أُصادِقُ نفسَ المرءِ من قبلِ جسمِهوأعرِفها في فعلِه والتكلّمِ
وما كل هاوٍ للجميل بفاعِلٍولا كلّ فعّالٍ له بمتمِّمِ
وأبلجَ يعصي باختِصاصي مُشيرَهُعصيْتُ بقصْديهِ مُشيري ولوّمي
فساقَ إليّ العُرفَ غير مكدَّرٍوسُقْتُ إليه الشُكْرَ غير مجمْجَمِ
فأحسَنُ وجْهٍ في الوَرى وجهُ مُحسنٍوأيمَنُ كفٍّ فيهمُ كفُّ مُنعِمِ
ولو كنت أدري كم حَياتي قسمتُهاوصيّرتُ ثُلثَيْها انتظارَك فاعْلَمِ
وقوله:
أما تغلَطُ الأيامُ فيّ بأنْ أرىبغيضاً تُنائي أو حبيباً تقرِّبُ
ويومٍ كليلِ العاشقينَ كمنْتُهأراقبُ فيه الشمسَ أيّانَ تغرُبُ
وعيني الى أذنَيْ أغرَّ كأنّهمن الليلِ باقٍ بين عينيْه كوكبُ
له فضلةٌ عن جسمِه في إهابهتجيءُ على صدرٍ رحيبٍ وتذهَبُ
شققْتُ به الظّلماءَ أُدْني عِنانَهفيَطْغى وأُرخيهِ مِراراً فيلعَبُ
وأصرَعُ أيّ الوحشِ قفَّيتُه بهوأنزِلُ عنه مثلَه حين أركَبُ
وما الخيلُ إلا كالصديقِ قليلةٌوإن كثُرَتْ في عينِ من لا يجرِّبُ
إذا لم تُشاهِدْ غيرَ حُسنِ شياتِهاوأعضائِها فالحُسنُ عنكَ مغيَّبُ
وفيها:
يُريد بك الحُسّاد ما اللهُ دافِعٌوسُمرُ العوالي والحديدُ المذرَّبُ
إذا طلبوا جدْواكَ أُعطوا وحُكِّمواوإن طلبوا المجْدَ الذي فيك خُيبوا
ولو جاز أن يحْووا عُلاك وهبْتَهاولكن من الأشياء ما ليس يوهَبُ
وأظلَمُ أهلِ الظُلمِ من بات حاسداًلمَنْ بات في نَعمائه يتقلّبُ
ويُغنيكَ عمّا ينسُب الناسُ أنهإليك تناهَى المكرُماتُ وتنسَبُ
وتعذُلُني فيكَ القوافي وهمّتيكأني بمدْح قبلَ مدحِكَ مذنِبُ
وقوله:
رأيتُكم لا يصونُ العِرضَ جارُكُمولا يدِرُّ على مرْعاكُم اللبَنُ
جزاءُ كلِّ قريبٍ منكُم ملَلٌوحظُّ كل محِبٍ منكُمُ ضغَنُ
وتغضبون على من نال رِفدَكُمُحتى يعاقبَهُ التنْغيصُ والمِنَنُ
فغادرَ الهجْرُ ما بيني وبينكُمُيهْماء تكذِبُ فيها العينَ والأذُنُ
تحْبو الرّواسمُ من بعدِ الرّسيم بهاوتسألُ الأرض عن أخفافِها الثّفِن
سهرتُ بعد رحيلي وحشةً لكُمثم استمرّ مريري وارعَوَى الوسنُ
وإن بُليت بودٍّ مثلِ ودِّكُمُفإنني بفِراقٍ مثلِه قمِنُ
وقوله:
برغم شَبيبٍ فارقَ السيفَ كفُّهوكانا على العِلاّت يصطحبان
كأنّ رقابَ الناسِ قالت لسيفِهرفيقُك قيسيٌ وأنت يماني
وهل ينفعُ الجيشَ الكثيرَ التفافُهُعلى غيرِ منصورٍ وغيرِ مُعانِ
ثنى يدَه الإحسانُ حتى كأنّهاوقد قُبضَتْ كانت بغيرِ بَنانِ
وقوله:
عُيون رواحلي إن حِرتُ عينيوكلّ بُغامِ رازِحةٍ بفغامي
فقد أرِدُ المياهَ بغيرِ هادٍسوى عدّي لها برْقَ الغَمامِ
ولما صارَ ودُّ الناسِ خِبّاًجزَيتُ على ابتِسامٍ بابتِسامِ
وصرتُ أشكّ فيمَن أصطَفيهلعِلمي أنّه بعضُ الأنامِ
أرى الأجداد تغلِبُها كثيراًعلى الأولادِ أخلاقُ اللّئامِ
وقوله:
وزائِرتي كأنّ بها حياءفليس تزور إلا في الظلامِ
بذلْتُ لها المطارِفَ والحشايافعافتْها وباتت في عِظامي
يضيقُ الجِلدُ عن نفسي وعنهافتوسِعهُ بأنواعِ السّقامِ
إذا ما فارقَتْني غسّلَتْنيكأنّا عاكِفانِ على حرامِ
كأنّ الصُبحَ يطردُها فتجريمدامِعُها بأربعةٍ سِجامِ
أراقِبُ وقتَها من غيرِ شوقٍمُراقبةَ المَشوقِ المُستهام
ويصدُقُ وعدُها والصّدقُ شرٌإذا ألْقاكَ في الكُرَبِ العِطام
ومنها:
ألا يا ليتَ شعرَ يدي أتمسيتصرّفُ في عِنانٍ أو زِمام
وهل أرمي هَواي براقصاتٍمُحلاّةِ المقاودِ باللُغامِ
فربّتما شفيتُ غليلَ صدريبسيرٍ أو قناةٍ أو حُسامِ
وضاقتْ خطّةٌ فخلصْتُ منهاخلاصَ الخمرِ من نسْجِ الفِدامِ
وفارقتُ الحبيبَ بلا وداعٍوودّعتُ البِلادَ بِلا سلامِ
يقول ليَ الطّبيبُ أكلتَ شيئاًوداؤك في شرابِك والطعامِ
وما في طبِّه أني جوادٌأضرَّ بجسمِه طولُ الجَمام
تعوّد أن يغبِّر في السّراياويدخُل من قَتامٍ في قتامِ
فأُمسِكَ لا يُطالُ له فيرْعَىولا هو في العَليقِ ولا اللّجامِ
فإنْ أمرَضْ فما مرِضَ اصطِباريوإن أُحْمَم فما حُم اعتِزامي
وإنْ أسلَمْ فما أبقى ولكنْسلِمْتُ من الحِمام الى الحِمامِ
وهذه القصيدة كلّها مختارة؛ لا يعلمُ لأحدٍ في معناها مثلُه. والأبياتُ التي وصف فيها الحمى أفراد، وقد اخترع أكثر معانيها، وسهل في ألفاظها؛ فجاءت مطبوعةً مصنوعة. وهذا القسمُ من الشعر هو المطمِع المؤيس.
وقد أحسن عبد الصّمد بن المعذَّل في قصيدته الرائية التي وصف فيها الحمَّى، وقصر في الضادية وفي مقاطيع له في وصفها، وكأن أبا الطيب قصد تنكُّب معانيه فلم يُلِمّ بشيء منها؛ قال عبد الصّمد:
وبنْت المنيّةِ تنْتابُنيهَدوّاً وتطرُقُني سفحْرَه
إذا وردَتْ لم يدَعْ وِرْدَهاعن القلب حجبٌ ولا سُتْرَه
كأنّ له ضَرماًفي الحشىوفي كل عُضوٍ لها جمْرَه
إذا لم تَرُحْ أصلاً في العشيّفأقصى مواعِدها بُكْره
لها قُدرةٌ في جسومِ الأنامحَباها اللهُ ذو القُدره
تغاليت باسم سواها لهاكأن ليس لي باسمها خُبرَه
فَطَوراً ألقّبها سُخنةًوطَوراً ألقّبها فتْرهْ
أسائل أهيَ عن سُخنتيوأمنحهم نظرةً نظرَه
فأجزعُ إن قيل لي حُمرةوأُشفِق إن قيلَ لي صُفره
وصرت إذا جُعتُ يوماً ظللتكأنّ على كبدي شفرَه
ويربو الطّحال إذا ما شبعتفتعلو الترائب والصُدره
فأُمسي كأني من معدتيلبستُ الثيابَ على زُكرَه
إذا ما رأيتُ امرأ مطلقاًله الأكل تخنقني العَبره
كأني في منزلي مُخصِباًببلقَعةٍ جدْبَة قَفره
فأحسن وأجاد، وملح واتسع، وأنت - إذا قِست أبيات أبي الطيب بها على قصَرها، وقابلت اللفظ باللفظ، والمعنى بالمعنى، وكنت من أهل البصر، وكان لك حظٌ في النقد تبينت الفاضل من الفضول. فأما أنا فأكرهُ أن أبتّ حُكماً أو أفضّل قضاء، أو أدخل بين هذين الفاضلين، وكلاهما مُحسِن مصيب.
وقوله:
تسوِّد الشّمسُ منّا بيضَ أوجهِناولا تسوّدُ بيضَ العذر واللّمَم
وكان حالُهما في الحُكم واحدةًلوِ احْتكمنا من الدنيا الى حكَمِ
طردْتُ من مصرَ أيديها بأرجُلِهاحتى مرقْن بنا من جوْشَ والعلَمِ
في غِلمةٍ أخطرُوا أرواحَهم ورَضوابما لقينَ رِضا الأيْسار بالزّلَمِ
حتى رجَعتُ وأقلامي قوائلُ ليالمجدُ للسيفِ ليسَ المجدُ للقلَم
اكتُب بنا أبداً بعد الكِتاب بهفإنما نحن للأسياف كالخدَمِ
منِ اقتضى بسوى الهِنديّ حاجتَهُأجابَ كلّ سؤالٍ عن هلٍ بلَمِ
توهّم القومُ أنّ العجزَ قرّبناوفي التّقرُّب ما يدْعو الى التُهَمِ
ولم تزَلْ قلةُ الإنصافِ قاطعةًبين الرجالِ وإن كانوا ذوي رحِم
فلا زيارَة إلا أن تزورَهُمأيْدٍ نشأنَ مع المصْقولَة الخُذُم
صُنّا قوائمها عنهمْ فما وقعتْمواقعَ اللؤْم في الأيدي ولا الكزَمِ
هوِّنْ على بصرٍ ما شقّ منظرُهفإنما يقظتُ العينِ كالحُلُمِ
ولا تشَكَّ الى خلْقٍ فتُشمِتَهشكْوى الجريح الى الغِرْبان والرّخَم
وقوله:
تزاحَم الجيشُ حتى لم يجِد سبباًالى بساطِك لي سمْعٌ ولا بصرُ
فكنت أشهدَ مُختصٍّ وأغيَبَهُمُعايَناً وعِياني كلّه خبَرُ
وقوله:
إنْ ترَيْني أدُمْتُ بعدَ بَياضٍفحَميدٌ من القناةِ الذبولُ
صحبَتْني على الفَلاةِ فتاةٌعادةُ اللّونِ عندها التّبديلُ
سترَتْكِ الحِجالُ عنها ولكنْبكِ منها منَ اللّمى تقْبيلُ
وقوله:
أخو الحرْبِ يُخدِم مما سَبىقناهُ، ويخلَع مما سلَبْ
إذا حاز مالاً فقد حازَهفتًى لا يُسرُّ بما لا يهَبْ
وقد علِمَتْ خيلُه أنّهإذا همّ وهْو عليلٌ ركِبْ
أتاهُمْ بأوسَعَ من أرضِهِمطِوالَ السّبيب قِصارَ العُسُبْ
ولا تعبُرُ الرّيحُ في جوّهإذا لم تخَطّ القَنا أو تَئِبْ
وقوله - يصف السيف:
قلّدتني يمينُه بحُسامٍأعقبَتْ منه واحداً أجدادُهْ
كلما استُلّ ضاحكَتْهُ إياةٌتزعُم الشمسُ أنها أرآدُهْ
مثّلوه في جفنِه خشيَةَ الفقْدِ ففي مثلِ أثْرِهِ أغمادُه
مُنعَلٌ لا منَ الحَفا ذهباً يحْمِلُ بحْراً فِرِنْدُهُ إزْبادُهْ
يَقسِمُ الفارِسَ المدجّجَ لا يسْلَمُ من شفرَتَيْهِ إلا بِدادُهْ
جمَع الدّهرُ حدَّهُ ويدَيْهوثَنائِي فاستَجْمعتْ آحادُه
وقوله:
تبدِّل أيّامي وعيشي ومنزِلينجائِبُ لا يُفكِرْن في النّحْس والسّعدِ
وأوجُهُ فِتيانٍ حياءً تلثّمواعليهنّ لا خوْفاً من الحرّ والبردِ
إذا لم تُجِزْهُم دارَ قومٍ مودّةٌأجازَ القَنا والخوفُ خيرٌ من الوُدِّ
ومن يصْحَبِ اسم ابنِ العميدِ محمّدٍيَسِرْ بين أنيابِ الأساوِدِ والأُسدِ
كفانا الرّبيعُ العِيسَ من برَكاتِهفجاءَتْه لم تسمَعْ حُداءً سوى الرّعدِ
كأنّا أرادتْ شُكرَنا الأرضُ عندهفلمْ يُخلِنا جوٌ هبطْناهُ من رِفْدِ
فتًى فاتَتِ العدْوى من الناس عينُهفما أرمدَتْ أجفانَه كثرةُ الرُّمْدِ
يغيِّرُ ألوانَ اللّيالي على العِدَىبمنشورَة الرّاياتِ منصورةِ الجُندِ
ومبثوثةً لا تُتّقى بطليعَةٍولا يفحتَمى منها بغوْرٍ ولا نجْدِ
يغِضْنَ إذا ما غِرْنَ في مُتفاقِدٍمنَ الكُثْر غانٍ بالبعيدِ عن الحشدِ
حثَتْ كلّ أرضِ تُربةً في غُبارِهفهنّ عليه كالطّرائِقِ في البُردِ
وقوله:
أروحُ وقد ختمْت على فؤاديبحبِّك أن يحُلّ بهِ سِواكا
لعلّ اللهَ يجعلُه رَحيلاًيُعينُ على الإقامةِ في ذَراكا
ولو أنّي استطعْتُ خفضْتُ طرْفيفلم أُبصِرْ به حتى أراكا
وكم طرِبِ المَسامِع ليس يدريأيعجَبُ من ثَنائي أم حُلاكا
وفي الأحبابِ مختَصٌ بوجدٍوآخرُ يدّعي معهُ اشتِراكا
إذا اشتبهَتْ دموعٌ في خدودِتبيّن مَن بكى ممّن تباكَى
وأيّا شِئْتِ يا طُرُقي فكونيأذاةً أو نَجاةً أو هلاكا
فلو سِرْنا وفي تَشرينَ خمسٌرأوْني قبلَ أن يرَوا السِّماكا
وقوله:
وما زِلتُ أطوي القلبَ قبل اجتماعِناعلى حاجةٍ بين السّنابِك والسُبْلِ
ولو لم تسِرْ سِرْنا إليكَ بأنفُسٍغرائِبُ يؤْثِرن الجِيادَ على الأهلِ
وخيلٍ إذا مرّت بوحْشٍ وروضةٍأبتْ رعْيَها إلا ومِرجَلُنا يغلي
وقوله:
قومٌ بُلوغُ الغُلام عندَهُمُطعْنُ نُحورِ الكُماة لا الحُلُمُ
كأنّما يولَد النّدى معهمْلا صِغَرٌ عاذِرٌ ولا هرَمُ
إذا تولّوا عَداوَةً كشَفواوإنْ تولّوا صَنيعةً كتَموا
تظنّ من فقدِك اعتِدادَهُمأنهمُ أنْعَموا وما علِموا
إن برَقوا فالحُتوفُ حاضرةٌأو نطَقوا فالصّواب والحِكَمُ
أو حلَفوا بالغَموسِ واجتَهدوافقولهم: خاب سائِلي القسَمُ
أو ركِبوا الخيْلَ غير مُسرجةٍفإنّ أفخاذَهُم لها حُزُمُ
أو شهِدوا الحربَ لاقِحاً أخذوامن مهَجِ الدّارِعين ما احْتَكموا
تُشرِقُ أعراضُهُم وأوجُهُهمكأنها في نفوسِهم شيَمُ
أعيذُكُمُ من صُروفِ دهرِكُمُفإنّه في الكِرامِ متّهمُ
وقوله:
ملكٌ سِنانُ قناتِه وبنانُهيتبارَيان دماً وعُرْفاً ساكِبا
إنْ تلْقَه لا تلْقَ إلا جحْفَلاًأو قسطَلاً أو طاعِناً أو ضارِبا
وإذا نظرتَ الى السُهولِ رأيتَهاتحت الجِبالِ فَوارِساً وجَنائِبا
وعَجاجةً تركَ الحديدُ سوادَهازِنجاً تبسّم أو قَذالاً شائِبا
كالبحرِ يقذِفُ للقريبِ جواهِراًجُوداً ويبعثُ للبعيد سحائِبا
وقوله يصف كلباً:
فحلّ كلاّبي وثاقَ الأحبُلِ
عن أشدَقٍ مسَوجَرٍ مُسلسَلِ
مؤجّدِ الفِقرةِ رِخْوِ المفْصِلِ
لّ إذا أدْبَرَ لحْظُ المُقبِلِ
يعْدو إذا أحزَنَ عدْوَ المُسهلِ
يُقعي جلوسَ البدويّ المُصطَلي
بأربَعٍ مجدولَةٍ لم تُجدَلِ
فُتْلِ الأيادي رَبِذاتِ الأرجُلِ
آثارُها أمثالُها في الجندَلِ
يكادُ في الوثْبِ منَ التفتّلِ
يجمعُ بين متنِه والكلْكَلِ
وبين أعْلاهُ وبين الأسفَلِ
وقوله:
أغرُّ أعداؤهُ إذا سلِموابالهرَبِ استكثروا الذي فعلوا
يُقبلُهُمْ وجهَ كل سابحةٍأربَعُها قبلَ طرْفِها تصِلُ
جرْداءَ ملءَ الحِزامِ مُجفَرَةٍتكون مثلَيْ عسيبها الخُصَلُ
إن أدبرَت قلت: لا تَليلَ لهاأو أقبلت قلت: ما لها كفَلُ
سارٍ ولا قفْرَ في مواكِبهِكأنّما كلّ سبْسَبٍ جبَلُ
إنّك من معشرٍ إذا وهبواما دون أعمارِهم فقد بخِلوا
كتيبةٌ لستَ ربّها نفَلٌوبلدَةٌ لستَ حلْيَها عطُلُ
ثم وصف خطأ الفاصِد فقال:
عُذرُ المَلومَينِ فيكَ أنّهُماآسٍ جبانٌ ومِبضَعٌ بطَلُ
مددْتَ في راحةِ الطّبيبِ يداًوما دَرى يُقطَعُ الأملُ
خامرَهُ إذ مددْتَها جزَعٌكأنّ من حَذاقَةٍ عجِلُ
أبلَغُ ما يُطلَبُ النّجاحُ به الطّبْعُ وعندَ التعمّقِ الزّللُ
وقوله:
سبقْتَ السّابقين فما تُجارَىوحاوَزْتَ العُلوّ فما تُعالَى
وأقسِم لو صلَحْت يمينَ شيءلما صلَح العِبادُ له شِمالا
أقلِّبُ منكَ طرْفي في سماءوإنْ طلعتْ كواكِبُها خِصالا
وقوله:
مَحكٌ إذا مطلَ الغَريمُ بدَيْنِهجعلَ الحُسامَ بما أرادَ كَفيلا
أعْدى الزّمانَ سخاؤهُ فسَخا بهولقدْ يكون بهِ الزّمانُ بَخيلا
ثم وصف الأسد فقال:
وقعتْ على الأُردُنِّ منه بَليّةٌنضدَتْ بها هامَ الرِّفاق تُلولا
متخضِّبٌ بدمِ الفوارسِ لابسٌفي غيلهِ منْ لِبدتَيْهِ غِيلا
ما قوبلَتْ عيناهُ إلا ظُنّتاتحت الدُجى نارَ الفريق حُلولا
يَطأ الثّرى مترَفِّقاً من تِيههفكأنّه آسٍ يجُسّ عَليلا
ويردّ غُفرَتَه الى يافوخِهحتى تَصيرَ لرأسهِ إكليلا
وتظنّه ممّا يزمْجِر نفسُهعنها بشدّةِ غيظهِ مشغولا
قصرَتْ مخافتُه الخُطى فكأنّماركِب الكميُّ جوادَه مشْكولا
ألْقى فريستَهُ وبرْبرَ دونَهاوقرُبْتَ قُرْباً خالَهُ تطْفيلا
فتشابَه الخُلُقان في إقدامِهوتخالَفا في بذْلِك المأكولا
أسدٌ يرى عُضوَيْه فيكَ كليْهمامتْناً أزلّ وساعِداً مفْتولا
في سرْجِ ظامِئَةِ الفُصوص طِمرّةيأبى تفرّدُها لها التّمثيلا
نيّالةِ الطّلِباتِ لوْلا أنّهاتُعطي مكانَ لجامِها ما نِيلا
تنْدى سوالفُها إذا استحضرْتَهاوتظنّ عقْدَ عِنانِها محْلولا
ما زالَ يجمَع نفسَه في زورِهحتى حسِبْتَ العرْضَ منه الطّولا
ويدقّ بالصّدْرِ الحِجارَ كأنّهيبغي الى ما في الحضيض سَبيلا
أنَفُ الكَريم منَ الدّنيّةِ تارِكٌفي عينِه العددَ الكثيرَ قَليلا
والعارُ مضّاضٌ، وليس بخائِفٍمن حتْفِه من خافَ ممّا قِيلا
قبضَتْ منيّتُه يديْهِ وعُنقَهُفكأنّما صادَفْتَه مغلولا
ولولا أبياتُ البحتري في هذا المعنى لعددتُ هذه من أفراد أبي الطيب؛ لكن البحتري قال يصف قتْل الفتح بن خاقان أسداً عرَض له:
غَداةَ لقيتَ اللّيث والليثُ مُخدِرٌيحدِّدُ ناباً للّقاءِ ومِخْلَبا
يحصِّنه من نهر نيزك مَعقِلٌمَنيعٌ تسامَى غابُه وتأشّبا
إذا شاءَ غادَى عانة أو غَدا علىعقائل سِرْبِ أو تقنّصَ ربْرَبا
يجرّ الى أشبالهِ كلّ شارقٍعبيطاً مُدمًى أو رَميلاً مُخَضّبا
فلم أر ضِرغاميْنِ أصدق منكماعِراكاً إذا الهيّابةُ النِّكْس كذَبا
هزَبرٌ مشَى يبغي هِزَبْراً وأغلبٌمن القومِ يغْشى باسِلَ الوجهِ أغْلبا
أذلّ بشَغْب ثم هالته صوْلَةٌرآك لها أمضى جَناناً وأشْغَبا
فأحجَم لما لم يجدْ فيك مَطمَعاًوأقدَم لما لم يجدْ عنك مهْرَبا
حملتَ عليه السيفَ، لا عزمُك انثنىولا يدُك ارتدّتْ ولا حدُّه نَبا
وكنتَ متى تجمَعْ يمينك تهتك الضْضَريبةَ أو لا تُبق للسيف مضْربا
فاستوفى المعنى، وأجاد في الصِّفة، ووصل الى المراد. وأما أبو زبيد فإنما وصف خلْق الأسد وزئيره وجرأته وإقدامه، وكأنما هو مرعوب أو محذر، والفضل له على كل حال، لكن هذا غرضٌ لم يرُمْه، ومذهب لم يسلُكه.
وقوله:
نيطَتْ حمائِلُه بعاتِقِ محرَبٍما كرّ قطّ وهلْ يكُرّ وما انثنى
أمضى إرادَته فسوْف له قدٌواستقْرَبَ الأقصى فثمّ لهُ هُنا
وقوله:
وجدْتُ المُدامةَ غلاّبَةًتُهيِّجُ للقلْبِ أشواقَهُ
تُسيءُ منَ المرء تأديبَهولكنْ تحسِّنُ أخلاقَهُ
وأنفَسُ ما للفَتى لُبّهُوذو اللُّبِّ يكرَهُ إنْفاقَهُ
وقد مُتّ أمسِ بها موتَةًولا يشتَهي الموتَ مَن ذاقَهُ
وقوله:
قِرانٌ تلاقَى الصّلْتُ فيه وعامرٌكما يتلاقَى الهُندُوانيّ والنّصرُ
فجاءَا به صلْتَ الجبينِ معظَّماترى الناسَ قُلاًّ حولَه وهمُ كُثرُ
وما زلتُ حتى قادَني الشّوْق نحوَهيُسايرُني في كلّ ركْبٍ له ذِكرُ
وأستَكْبِرُ الأخبارَ قبلَ لِقائِهفلما التقَيْنا صغّر الخبرَ الخُبرُ
أزالَت بكَ الأيامُ عتْبي كأنمابَنوها لها ذنْبٌ وأنت له عُذرُ
وقوله:
وقَفنا كأنّا كلّ وجْدِ قُلوبِناتمكّن من أذوادِنا في القوائمِ
ودُسنا بأخْفافِ المطيّ تُرابَهافلا زِلتُ أستشفي بلثْم المناسِمِ
ديارُ اللّواتي دارُهنّ عزيزةٌبطولِ القَنا يُحفَظْنَ لا بالتّمائِمِ
حِسانُ التثنّي ينقُشُ الوشْيُ مثلهُإذا مِسْنَ في أجسامهنّ النّواعِم
ويبسِمْن عن درّ تقلّدْن مثلَهكأنّ التّراقي وشِّحَت بالمَباسِم
من الحِلمِ أن تستعمِلَ الجهلُ دونَهإذا اتّسعتْ في الحِلمِ طُرْقُ المظالمِ
وأن ترِدَ الماءَ الذي شطرُه دمٌفتسْقي إذا لم يسْقِ من لم يُزاحمِ
ومن عرَفَ الأيامَ معرفتي بهاوبالنّاسِ روّى رمحَه غيرَ راحِم
وفيها:
وذي لجَبٍ لا ذو الجناحِ أمامهبتاجٍ، ولا الوحشُ المُثارُ بسالِم
تمرّ عليه الشمسُ وهْي كليلةٌتُطالِعُه من بينِ ريشِ القَشاعِم
إذا ضوءُها لاقى من الطّيرِ فَرجةًتدوَّر فوق البيضِ مثلَ الدّراهمِ
أرى دون ما بين الفراتِ وبرْقةٍضِراباً يمشّي الخيلَ فوق الجماجمِ
وطعْنَ غطاريفٍ كأنّ أكفّهمعرفْن الرُدَينيّاتِ قبلَ المعاصِمِ
حمتْه على الأعداءِ من كلّ جانبٍسُيوفُ بني طُغْجِ بنِ جُفِّ القَماقمِ
هُمُ المحسِنون الكَرّ في حومةِ الوَغىوأحسنُ منهُ كرّهُم في المكارمِ
ولولا احتِقارُ الأُسْدِ شبّهتهُم بهاولكنها معدودةٌ في البهائم
كريمٌ نفضْتُ الناسَ لمّا لقيتُهكأنهمُ ما جفّ من زادِ قادِم
وكاد سروري لا يَقي بنَدامتيعلى تركِه في عُمريَ المُتقادِم
وقوله:
وشامِخٍ منَ الجبالِ أقْوَدِ
فرْدٍ كيافوخِ البعيرِ الأصيَدِ
يُسارُ من مَضيقِه والجلْمَدِ
في مثلِ متْنث المسَدِ المعقّدِ
زُرْناهُ للأمرِ الذي لم يُعْهَدِ
للصّيدِ والنُزهةِ والتّمرّدِ
بكلّ مسْقيِّ الدّماءِ أسودِ
مُعاودٍ مقوّدٍ مقلَّدِ
كطالبِ الثأرِ وإن لم يحقِدِ
يقتُلُ ما يقتُلُه ولا يَدي
فثار من أخضرَ ممْطورٍ نَدي
كأنه بدْزُ عِذارِ الأمْردِ
فلم يكدْ إلا لحتْفٍ يهتدي
ولم يقعْ إلا على بطْنِ يدِ
وقوله:
فتًى علّمتهُ نفسُه وجُدودُهقِراعَ العوالي وابتِذالَ الرغائِبِ
فقد غيّب الشُهّادَ عن كلّ موطِنوردّ الى أوطانِه كلّ غائِبِ
كذا الفاطميّون النّدَى في بَنانِهمأعزُّ امِّحاءً من خُطوطِ الرّواجبِ
ألا أيها المالُ الذي قد أبادَهتعزَّ فهذا فعلُه بالكتائِبِ
لعلّك في وقتٍ شغلْتَ فؤادَهعن الجودِ أو كثّرْت جيشَ مُحاربِ
وقوله:
يرى الجُبناءُ أنّ الجُبْنَ عقلٌوتلكَ خديعةُ الطّبْعِ اللّئيمِ
وكم من عائِبٍ قولاً صحيحاًوآفتُه من الفهْمِ السّقيمِ
ولكنْ تأخذُ الآذانُ منهُعلى قدْرِ القرائِحِ والعُلومِ
وقوله:
يا بَني الحارِثِ بن لُقمانَ لا تعْدَمكُمُ في الوغى مُتونُ العِتاقِ
بعثوا الرعْبَ في قُلوب الأعاديّ فكان القِتالُ قبلَ التّلاقي
وتكادُ الظُبَى لِما عوّدوهاتنتَضي نفسَها الى الأعناقِ
وإذا أشفقَ الفوارسُ من وقْعِ القَنا أشفَقوا منَ الإشفاقِ
كلّ ذِمْرٍ يزيدُ في الموتِ حُسناًكبُدورٍ تمامُها في المُحاقِ
جاعِلٍ درعَهُ منيّتَه إنْلم يكنْ دونها منَ العارِ واقِ
كرمٌ خشّن الجوانبَ منهُمْفهْو كالماءِ في الشِّفارِ الرِّقاقِ
ومَعالٍ إذا ادّعاها سواهُمْلزمَتْهُ خيانَةُ السّراقِ
وقوله:
سرْ حلَّ حيث تحُلُّه النّوّارُوأراد فيكَ مُرادَك المِقْدارُ
وإذا ارتحلْتَ فشيّعتْكَ سلامةٌحيث اتّجهْتَ وديمةٌ مِدرارُ
وأراك دهرُك ما تُحاولُ في الفِدىحتى كأنّ صُروفَه أنصارُ
أنت الذي بجحَ الزمانُ بذكرهِوتزيّنتْ بحديثِه الأسْمارُ
وقوله في بازٍ أطلق:
وطائرةٍ تتبّعُها المناياعلى آثارِها زجِلُ الجناحِ
كأنّ رؤوسَ أقلامٍ غِلاظمسحْنَ بريشِ جؤجُئِه الصِّحاحِ
فأقعَصَها بحُجْنٍ تحت صفرٍلها فعلُ الأسنّةِ والرّماحِ
كأنّ الريشَ منهُ في سِهامٍعلى جسدٍ تجسّم من رياحِ
فقلت: لكلّ حيٍّ يومُ سوءٍوإنْ حرِصَ النّفوسُ على الفَلاحِ
وقوله:
فواهِبٌ والرّماحُ تشجُرُهوطاعنٌ والهِباتُ متّصلَهْ
وكلما آمنَ البلادَ سرَىوكلما خيفَ منزلٌ نزلَهْ
وكلما جاهرَ العدوَّ ضُحًىأمكنَ حتى كأنهُ ختَلَه
وقوله:
أنا منكَ بين فضائلٍ ومكارمٍومنَ ارتياحِكَ في غَمامٍ دائمِ
ومن احتقارِك كلّ ما تحْبو بهفيما ألاحظهُ بعينَي حالِم
إنّ الخليفةَ لم يسمِّكَ سيفهاحتى ابتلاك فكنتَ عينَ الصّارمِ
فإذا تتوّجَ كنتَ دُرّةَ تاجِهوإذا تختّم كنتَ فصّ الخاتَمِ
وإذا انتضاكَ على العِدى في معْرَكٍهلَكوا وضاقتْ كفّهُ بالقائمِ
أبدى سخاؤكَ عجْزَ كلِّ مشمّرٍفي وصفِه وأضاق ذرْعَ الكاتِمِ
وقوله:
فكأنها والدمعُ يقطرُ فوقَهاذهبٌ بسمْطَيْ لؤلُؤٍ قد رُصِّعا
نشرَتْ ثلاثَ ذوائبٍ من شعرِهافي ليلةٍ فأرَتْ لياليَ أربَعا
واستقبلَتْ قمرَ السّماءِ بوجههافأَتْني القمريْنِ في وقتٍ مَعا
وقوله:
وشكيّتي فقدُ السّقامِ لأنهقد كان لمّا كان لي أعضاءُ
مثلْتِ عينَك في حشايَ جراحةًفتشابَها كِلتاهما نجْلاءُ
قوله: فتَشابها كان حقّه فتشابهتَا، ولكن حمل الجراحة على الجرح والعين على العضو.
نفذَتْ عليّ السّابِريّ وربماتنْدَقّ فيه الصّعدَةُ السّمْراءُ
وقوله:
كأنّ العيسَ كانت فوقَ جَفْنيمُناخاتٍ فلمّا سِرْنَ سالا
لبسنَ الوشيَ لا متجمِّلاتٍولكنْ كيْ يصُنّ به الجَمالا
بدت قمَراً ومالت خوطَ بانٍوفاحتْ عنبراً ورنَتْ غَزالا
وقوله:
كانتْ منَ الكحْلاءِ سولي إنّماأجَلي تمثّلَ في فؤاديَ سولا
أجِدُ الجَفاءَ على سواكِ مروءةًوالصّبْرَ إلا في نَواكِ جَميلا
وأرى تدلُّلكِ الكثيرَ محبَّباًوأرى قَليلَ تدلّلٍ ممْلولا
تشْكو روادِفَكِ المطيّةُ فوقَهاشكْوى التي وجدتْ هواكِ دَخيلا
وقوله:
الحبّ ما منع الكلامَ الألسُناوألذّ شكْوى عاشقٍ ما أعْلَنا
ليتَ الحبيبَ الهاجري هجْرَ الكرىمن غيرِ جُرمٍ واصِلي صلةَ الضّنى
بنّا فلوْ حليلتَنا لم تدْر ماألوانُنا ممّا امتُقِعْن تلوُّنا
وتوقّدتْ أنفاسُنا حتى لقدأشفقْتُ تحتَرِقُ العواذلُ بينَنا
أفدي المودّعةَ التي أتبعْتُهانظراً فُرادَى بينَ زفْراتٍ ثُنا
أنكرْتُ طارِقةَ الحوادثِ مرّةًثمّ اعترفْت بها فصارتْ ديدَنا
وقوله:
إلامَ طماعيةُ العاذلِولا رأْيَ في الحبِّ للعاقِلِ
يُرادُ من القلبِ نسيانُكمْوتأبى الطِّباعُ على النّاقِل
وإني لأعشَقُ من عِشقِكُمنُحولي وكلّ فتًى ناحِل
ولو زُلتُمُ ثمّ لم أبكِكُمْبكيتُ على حبّي الزّائلِ
أينكِرُ خدّي دُموعي وقدجرتْ منه في مسلَكٍ سابِل
أأوّلُ دمْعٍ جرى فوقَهوأوّلُ حُزنٍ على راحِلِ
وهبتُ السّلوَّ لمن لامنيوبتّ من الشّوقِ في شاغِل
كأنّ الجفونَ على مُقلتيثيابٌ شُقِقْنَ على ثاكِل
وقوله:
وما عشتُ من بعدِ الأحبّةِ سلوةًولكنّني للنّائِباتِ حَمولُ
وإنّ رحيلاً واحداً حال بينناوفي الموتِ من بعدِ الرّحيل رحيلُ
إذا كان شمّ الرَّوْحِ أدنى إليكُمُفَلا برحَتْني روضةٌ وقَبولُ
وما شرَقي بالماءِ إلا تذكّراًلماءٍ به أهلُ الحبيبِ نُزولُ
يحرِّمُه لمْعُ الأسنّةِ فوقَهفليسَ لظمآنٍ إليهِ وصولُ
أمَا في النّجومِ السّائراتِ وغيرِهالعيني على ضوْءِ السماءِ دَليلُ
ألمْ يرَ هذا الليلُ عينيْكِ رؤيتيفتظهرَ فيهِ رقّةٌ ونُحولُ
لقيتُ بدرْبِ القُلّةِ الفجْر لُقيةًشفتْ كمَدي والليلُ فيه قتيلُ
ويوماً كأنّ الحُسن فيه علامةٌبعثتِ بها والشمسُ منكِ رسولُ
وقوله:
دِمَنٌ تكاثرَتِ الهُمومُ عليّ فيعرَصاتِها كتكاثُرِ اللّوّامِ
فكأنّ كلّ سحابةٍ وكفتْ بهاتبكي بعينَي عُروةَ بن حِزامِ
ولطالَما أفنيتُ ريقَ كعابهافيها وأفنَتْ بالعِتابِ كلامي
وقوله:
شاميّةٌ طالَما خلوْتُ بهاتُبصِرُ في ناظرِ مُحيّاها
فقبّلَتْ ناظري تُغالطُنيوإنما قبّلتْ به فاها
تبُلّ خدّيَّ كلّما ابتسمَتْمن مطرٍ برقُه ثناياها
ما نفّضتْ في يدي غدائِرُهاجعلَتْه في المدامِ أفْواها
في بلدٍ تُضرَبُ الحِجالِ بهِعلى حِسانٍ ولسْن أشْباها
لَقيننا والحُمولُ سائِرةٌوهنّ درٌ فذُبْنَ أمْواها
كلّ مَهاةٍ كأنّ مُقلتَهاتقولُ إيّاكمُ وإيّاها
وقوله:
أوَما وجدْتُمْ في الصّراةِ مُلوحةًممّا أرقرِقُ في الفراتِ دُموعي
رحَل العزاءُ برحلَتي فكأنّماأتبعتُه الأنفاسَ للتّشْييعِ
وقوله:
ما كنتُ أحسِبُ قبل دفنِك في الثّرىأنّ الكواكبَ في التُرابِ تَغورُ
ما كنتُ آمُلُ قبلَ نعشِكَ أن أرىرضْوَى على أيدي الرِّجالِ تسيرُ
خرَجوا به ولكلّ باكٍ خلفَهصعَقاتُ موسى يومَ دُكَّ الطّورُ
والشمسُ في كبدِ السماءِ مريضةٌوالأرضُ واجفةٌ تكادُ تمورُ
وحفيفُ أجنحةِ الملائِكِ حولَهوعُيونُ أهلِ اللاذقيّةِ صورُ
حتّى أتوْا جدَثاً كأنّ ضريحَهفي قلبِ كلّ موحّدٍ محْفورُ
كفَلَ الثّناءُ له بردِّ حياتِهلمّا انطَوى فكأنّه منشورُ
وقوله:
نفَرٌ إذا غابتْ غُمودُ سُيوفِهمْعنها فآجالُ العِبادِ حُضورُ
وقوله:
ومن لم يعشقِ الدُنيا قديماًولكنْ لا سبيلَ الى الوصالِ
نصيبُك في حياتِك من حبيبٍنصيبُك في منامِك من خَيالِ
رماني الدهرُ بالأرْزاءِ حتىفؤادي في غِشاء من نِبالِ
فصِرْتُ إذا أصابتْني سِهامٌتكسّرتِ النِّصالُ على النِّصالِ
وهانَ فما أُبالي بالرّزايالأنّي ما انتفَعتُ بأنْ أُبالي
وهذا أوّلُ النّاعينَ طُرّاًلأوّلِ مَيتَةٍ في ذا الجَلالِ
كأنّ الموتَ لم يفجَعْ بنفْسٍولم يخطُرْ لمخلوقٍ ببالِ
صلاةُ اللهِ خالِقِنا حَنوطٌعلى الوجهِ المكفَّنِ بالجَمالِ
على المدْفونِ قبلَ التُرْبِ صوْناًوقبلَ اللّحْدِ في كرَمِ الخِلالِ
فإنّ لهُ ببَطْنِ الأرضِ شخْصاًجديداً ذِكْرُناهُ وهو بالي
وفيها:
أتتْهُنّ المصائِبُ غافِلاتٍفدمْعُ الحُزنِ في دمْعِ الدّلالِ
ولو كان النِّساءُ كمَنْ فقدْنالفُضِّلتِ النساء على الرّجالِ
وقوله:
أجدُ الحزنَ فيكَ حِفظاً وعقْلاًوأراهُ في الخلْقِ ذُعْراً وجهْلا
لك إلْفٌ يجرّه وإذا ماكرُم الأصلُ كان للإلْفِ أصْلا
ووفاءٌ نبتّ فيه ولكنْلم يزلْ للوَفاءِ أهلُك أهْلا
إنّ خيرَ الدُموعِ عوْناً لَدَمْعٌبعثتْهُ رعايةٌ فاستَهلاّ
أينَ ذي الرِّقّة التي لك في الحرْبِ إذا استُكْرِهَ الحديدُ وصلاّ
أينَ خلّفتَها غَداةَ لقيتَ الرْرُومَ والهامُ بالصّوارمِ تُفلَى
قاسمَتْك المَنون شخصَينِ جَوْراًجعلَ القِسمُ نفسَه فيكَ عدْلا
فإذا قسْتَ ما أخذْنَ بما غادَرْنَ سرّى عنِ الفؤادِ وسلّى
وتيقّنتَ أنّ حظّكَ أوْفىوتبيّنْتَ أنّ جدَّك أعلَى
ولَعَمري لقد شغلْتَ المَنايابالأعادي فكيفَ يطلُبْنَ شُغْلا
وكم انتشْتَ بالسيوفِ من الدّهْرِ أسيراً وبالنّوالِ مُقِلا
عدّها نُصرةً عليه فلمّاصال ختْلاً رآهُ أدركَ تبْلا
وإذا لم تجدْ من الناسِ كُفْواًذاتُ خِدْرٍ أرادتِ الموتَ بعْلا
ولذيذُ الحياةِ أنفَسُ في النّفْسِ وأشهى من أن يُمَلَّ وأحْلى
وإذا الشيخُ قال أفٍّ فما ملَّ حياةً وإنما الضُعفَ ملاّ
آلةُ العيشِ صحّةٌ وشَبابٌفإذا ولّيا عنِ المرءِ ولّى
أبداً تستردُّ ما تهَبُ الدُنيا فيا ليْت جودَها كان بُخْلا
وهْيَ معشوقةٌ على الغدْرِ لا تحْفَظُ عهْداً ولا تتمِّمُ وصْلا
كلّ دمْعٍ يسيلُ منها عليهاوبفَكِّ اليَدينِ عنها تُخَلّى
شيَمُ الغانِياتِ فيها فلا أدْري لِذا أنّثَ اسْمَها الناسُ أم لا
يا مَليكَ الوَرى المفرِّقَ محْياومَماتاً فيهمْ وعِزّاً وذُلاّ
قلّدَ اللهُ دولةً سيفُها أنْتَ حُساماً بالمكْرُماتِ مُحلّى
فبِه أغنَتِ الموالي بذْلاًوبهِ أفنَتِ الأعاديَ قتْلا
أيُّها الباهِرُ العُقولَ فما يُدْرَكُ وصْفاً أتعَبْتَ فِكري فمَهْلا
مَنْ تعاطى تشبُّهاً بكَ أعْياهُ ومَنْ دلّ في طريقِك ضلاّ
وإذا ما اشتهَى خُلودَك داعٍقال لا زُلْتَ أو نَرى لك مِثْلا
وقوله:
النّومُ بعدَ أبي شُجاعٍ نافِرٌوالليلُ مُعْيٍ والكواكِبُ ظُلَّعُ
إني لأجْبُنُ منْ فِراقِ أحبّتيوتُحِسّ نفْسي بالحِمامِ فأشجُعُ
ويَزيدُني غضَبُ الأعادي قسوةًويُلمّ بي عتْبُ الصّديقِ فأجْزَعُ
تصْفو الحياةُ لجاهلٍ أو غافِلٍعما مضى منها وما يتوقَّعُ
ولمَنْ يُغالِطُ في الحقائقِ نفسَهويسومُها طلبَ المُحالِ فتطمَعُ
أين الذي الهَرَمانِ من بُنيانِهما يومُه ما قومُه ما المصْرَعُ
تتخلّفُ الآثارُ عن أصحابِهاحيناً ويدرِكُها الفَناءُ فتتْبعُ
وإذا حصلْتَ من السِّلاحِ على البُكافحشاكَ رُعْتَ به وخدّكَ تقْرَعُ
وقوله:
طوَى الجزيرةَ حتى جاءَني خبرٌفزِعْتُ فيه بآمالي الى الكذِبِ
حتى إذا لم يدَعْ لي صدْقُه أمَلاًشرِقْتُ بالدمعِ حتى كادَ يشرَقُ بي
تعثّرَتْ به في الأفْواهِ ألسُنُهاوالبُردُ في الطُرْقِ والأقلامُ في الكتُبِ
فإن تكنْ تغلِبُ الغلْباءُ عُنصُرَهافإن في الخمر معْنًى ليس في العِنَبِ
وما ذكرْتُ جميلاً من صنائِعِهاإلا بكيْتُ، ولا ودٌ بلا سببِ
فلا تنلْكَ الليالي إنّ أيديَهاإذا ضربْن كسرْنَ النّبْعَ بالغرَبِ
ولا يُعِنّ عدوّاً أنت قاهِرُهُفإنّهنّ يصِدْنَ الصّقْرَ بالخرَبِ
وربما احتسَب الإنسانُ غايتَهاوفاجأتْهُ بأمرٍ غيرِ محتسَبِ
وما قضى أحدٌ منها لُبانتَهُولا انتهى أربٌ إلا الى أرَبِ
ومن تفكّر في الدُنيا ومُهجتِهأقامَه الفِكرُ بين العجْزِ والتّعبِ
وقوله:
نحن بَنو الموتِ فما بالُنانعافُ ما لا بدّ من شُرْبِه
تبخَلُ أيدينا بأرواحناعلى زمانٍ هنّ منْ كسْبِهِ
فهذه الأرواحُ من جوِّهِوهذه الأجسامُ من تُربِه
لو فكّر العاشِقُ في مُنتَهىحُسنِ الذي يسْبيه لم يسْبِه
لم يُرَ قرْنُ الشمسِ في شرْقِهفشكّتِ الأنفُسُ في غرْبِه
يموتُ راعي الضّأنِ في جهلِهميتَةَ جالينوسَ في طِبِّه
وربما زاد على عمرِهوزادَ في الأمْنِ على سربِه
وغايةُ المُفرطِ في سِلمِهكغايةِ المُفرِط في حرْبِه
فلا قضى حاجتَه طالبٌفؤادُهُ يخفِقُ من رُعبِه
حاشاك أن تضعُفَ عن حملِ ماتحمّلَ السّائرُ في كُتْبِه
وقوله - يرثي جدته:
عرفْتُ الليالي قبلَ ما صنعَتْ بنافلما دهَتْني لم تزِدْني بها عِلْما
حَرامٌ على قلْبي السرورُ فإننيأعدّ الذي ماتتْ بهِ بعدَها سمّا
تعجّبُ من حظّي ولفْظي كأنهاترى بحروف السطرِ أغرِبَةً عُصْما
وتلثَمهُ حتى أصارَ مِدادُهُمحاجِرَ عينَيْها وأنيابَها سُحْما
رَقا دمعُها الجاري وجفّتْ جُفونُهاوفارَقَ حُبّي قلبَها بعد ما أدْمى
ولم يُسْلِها إلا المنايا، وإنماأشدُّ من السُقْمِ الذي أذهبَ السُقْما
وكنتُ قُبيلَ الموتِ أستعظِمُ النّوىفقد صارتِ الصُغْرى التي كانتِ العُظمى
وما انسدّتِ الدنيا عليّ لِضيقِهاولكنّ طرْفاً لا أراكِ به أعْمى
وقوله:
يا أختَ معتَنِقِ الفوارسِ في الوغىلأخوكِ ثمّ أرقّ منكِ وأرحَمُ
يرْنو إليكِ مع العَفافِ وعندَهُأنّ المجوسَ تُصيبُ فيما تحْكُم
راعتْكِ رائِعةُ البَياضِ بعارِضيولوَ انّها الأولى لراعَ الأسْحَمُ
لو كان يمكنُني سفرْتُ عنِ الصِّبافالشّيبُ من قبْلِ الأوانِ تلثُّمُ
ولقد رأيتُ الحادِثاتِ فلا أرىيقَقاً يُميتُ ولا سَواداً يعصِم
والناسُ قد نبَذوا الحِفاظَ فمُطلَقٌينْسى الذي يولَى وعافٍ يندَمُ
لا يسلَم الشّرفُ الرّفيعُ من الأذىحتى يُراقَ على جوانِبه الدّمُ
الظُلْمُ من شيَمِ النّفوسِ إن تجِدْذا عِفّةٍ فلِعلّةٍ لا يظْلِمُ
ومنَ البليّة عذلُ من لا يرْعَويعن جهلِه وخِطابُ منْ لا يفهَمُ
ثم هجا وقال:
يحمي ابنُ كيْغَلغَ الطّريقَ وعِرسُهُما بين رجلَيْها الطّريقُ الأعظمُ
يمشي بأربعةٍ على أعْقابِهتحت العُلوجِ ومن وراءٍ يُلجَمُ
وجُفونُه ما تستقرُّ كأنّهامطروفةٌ أو فُتَّ فيها حِصرِمُ
وإذا أشارَ محدِّثاً فكأنّهاقِردٌ يقهقهُ أو عجوزٌ تلطِمُ
يقْلي مُفارقةَ الأكفّ قَذالُهُحتى يكادَ على يدٍ يتعمّمُ
ومن العَداوةِ ما ينالُك نفْعُهُومنَ الصّداقةِ ما يضُرُّ ويؤْلِمُ
وقوله:
من علّمَ الأسودَ المخْصيَّ مكرُمَةًأقوْمُهُ البيضُ أم آباؤُهُ الصِّيدُ
أم أذنُه في يدِ النّخاسِ داميةًأم قدرُهُ وهو بالفَلْسَيْنِ مردودُ
وقوله:
وأسود أمّا القلبُ منه فضيّقٌنخيبٌ وأما بطنُه فرَحيبُ
يموتُ به غيْظاً على الدّهْرِ أهلُهكما مات غيْظاً فاتكٌ وشبيبُ
إذا ما عدِمتَ الأصلَ والعقلَ والنّدىفما لحياةٍ في جنابكِ طيبُ
وقوله:
كأنّما مائِجُ الهواءِ بهبحْرٌ حوَى مثلَ مائه عنَما
ناثرُهُ ناثِرُ السيوفِ دَماًوكلّ قولٍ يقولهُ حكَما
والحَيْلَ قد فصّلَ الضّياعَ بهاوالنِّعَمَ السّابِغاتِ والنّقَما
فليُرنا الوردُ إن شكا يدَهُأحسنَ منه من جودِها سلِما
وقُل له لستَ خيرَ ما نثرَتْوإنما عوّذَتْ بكَ الكرَما
ومن حُسنِ التخلّص وحسن الخروج قوله:
حدَقٌ يُذمُّ من القواتِل غيرَهابدْرُ بنُ عمّارِ بنِ إسماعيلا
وقوله:
وهزٌ أطارَ النّومَ حتى كأننيمن السُكْر في الغرَزَينِ ثوبٌ شُبارِقُ
شدَوْا بابْنِ إسحاقَ الحُسينِ فصافحَتذَفاريَها كيرانُها والنّمارقُ
وقوله:
مرّتْ بنا بينَ تِربَيْها فقلت لهامن أينَ جانسَ هذا الشّادِنُ العرَبا
فاستضحكَتْ ثمّ قالت كالمُغيث يُرىليثَ الشّرى وهْوَ من عِجْلِ إذا انتسَبا
وقوله:
وحُبيتُ من خوصِ الرِّكابِ بأسوَدٍمن دارِشٍ فغدوْتُ أمشي راكِبا
حالاً متى علِمَ ابنُ منصورٍ بهاحاءَ الزّمانُ إليّ منها تائِبا
وقوله:
جمح الزمانُ فما لذيذٌ خالصٌمما يشوبُ ولا سرورٌ كاملُ
حتى أبو الفضلِ بنُ عبد الله رؤْيتُه المُنى وهْيَ المَقامُ الهائلُ
وقوله:
ومقانِبٍ بمقانِبٍ غادرْتُهاأقْواتَ وحشٍ كنّ من أقْواتها
أقبلتُها غُرَرَ الجيادِ كأنماأيدي بني عِمرانَ في جبَهاتِها
وقوله:
وغيثٍ ظنَنّا تحته أنّ عامراًعَلا لم يمُتْ أو في السّحابِ لهُ قبْرُ
وقوله:
إذا صُلْتُ لم أترُكْ مَصالاً لفاتِكٍوإن قلت لم أترُكْ مَقالاً لعالمِ
وإلا فخانَتْني القَوافي وعاقَنيعن ابن عُبَيدِ اللهِ ضُعفُ العزائِمِ
وقوله:
ولو كنتُ في أسْرِ غير الهوىضمِنْتُ ضمانَ أبي وائِلِ
فَدَى نفسه بضمانِ النُضارِوأعطى صُدورَ القَنا الذّابل
وقوله:
نودِّعهم والبيْنُ فينا كأنّهُقَنا ابْنِ أبي الهيجاءِ في قلبِ فيلَق
وقوله:
وتعذُّرُ الأحرار صيّر ظهْرهاإلا إليكَ عليّ ظهْرَ حرامِ
وقوله:
كلما رحّبتْ بنا الروضُ قُلناحلَبٌ قصدُنا وأنتِ السّبيلُ
فيكِ مرْعَى جيادِنا والمطاياوإليها وجيفُنا والذميلُ
والمسمَّوْنَ بالأمير كثيرٌوالأميرُ الذي بها المأمولُ
وقوله:
لو أنّ فنّا خُسْرَ صبّحكموبرزْتِ وحْدَكِ عاقَهُ الغزَلُ
ما كنتِ فاعلةً وضيفُكمْملِكُ الملوكِ وشأنُكِ البَخَلُ
أتمنِّعينَ قِرًى فتفتَضحيأم تبذُلين له الذي بسَلُ
بل لا يحُلّ بحيث حلّ بهِبُخْلٌ ولا جوْرٌ ولا وجَلُ
ولعلك لا تجدُ له تخلّصاً مستكرهاً إلا قوله:
أحبّكِ أو يقولوا جرّ نمْلٌثَبيراً أو ابنُ إبراهيمَ رِيعا
وقوله:
فأفنى وما أفنتْهُ نفسي كأنماأبو الفرج القاضي له دونها كهْفُ
وقوله:
لوِ استطَعْتُ ركِبْتُ الناسَ كلهمُالى سعيدِ بن عبد الله بُعْرانا
وقوله:
أعزُّ مكانٍ في الدُنى سرْجُ سابحٍوخيرُ جليسٍ في الزّمانِ كتابُ
وبحرٌ أبو المِسكِ الخِضَمِّ الذي لهعلى كلِّ بحْرٍ زخْرَةٌ وعُبابُ
فهي وإن لم تكن حسنةً مختارة، فليست من المستهجَن الساقط.
ومن عاب من ابتدائه مثل قوله:
كُفّي أراني ويْ: ِ لوْمِكِ ألْوَما
وقوله:
هَذي برزْتِ لنا فهِجْتِ تَسيساثم انثنَيْت وما شفَيْتِ نَسيسا
وقوله:
أوْهِ بَديلٌ من قوْلتي واهالمَنْ نأتْ والبَديلُ ذكراها
واستَبْردَ قوله:
أمُساورٌ أم قرْنُ شمْس هذاأم ليثُ غابٍ يقْدُمُ الأستاذا؟
وقوله:
اِثْلِثْ فإنّا أيها الطّللُ
وقوله:
أحادٌ أم سُداسٌ في أحادِ
وقوله:
مُلِثَّ القَطْرِ أعطِشْها رُبوعا
وقوله:
بقائي شاء ليسَ همُ ارتحالاوحُسنَ الصبر زمّوا لا الجمالا
وقوله:
سرْبٌ محاسنُه حُرِمْتُ ذواتها
وقوله:
أنا لائمي إن كنتُ وقتَ اللّوائِمِ
وقوله:
مَبيتي من دمِشقَ على فِراشحشاهُ لي بحرِّ حشاي حاشي
وقوله:
وفاؤكُما كالرّبْع أشجاهُ طاسِمُهْ
واستقبح افتتاحه مخاطبةَ ملك بقوله:
كفى بكَ داءً أن ترى الموتَ شافياًوحسْبُ المَنايا أنْ يكنّ أمانيا
وضرب له الأمثال، فروى له خبر ذي الرُمّة حين استنشده بعضُ الملوك من بني أميّة - ويقال: إنه عبدُ الملك بن مروان - فأنشده قوله:
ما بالُ عينِك منها الماءُ ينسكِبُ
فقال: وما سؤالك عن هذا يا بن اللّخْناء! وأمر بإخراجِه. وكانت عينُ الممدوح بها عِلّة فدمعُها لا يستمسك. وأنا أرتابُ بهذا الخبر، ولا أظنه ثبتاً.
وخبر أبي حكيمة لما استنشده أبو دُلَف بعضَ ما وصف به هَنَه، فأنشدَه:
ألا ذهبالذي كنت تعرف
فقال: أمّ الأبعد به أعرف.
فليغتَفِرْ ذلك له لقوله:
أتُراها لكثرةِ العُشاقِتحسِبُ الدمعَ خِلقةً في المآقي
فإنه ابتداءٌ ما سُمِع مثله، ومعنى انفردَ باختراعه، وقوله:
على قدْرِ أهل العزمِ تأتي العزائم
وقوله:
الرأيُ قبل شجاعةِ الشُجعانِهو أولٌ وهي المحلّ الثاني
فإذا هما اجْتَمعا لنَفْسٍ مِرّةٍبلغَتْ من العلياءِ كلّ مكانِ
وقوله:
لكلّ امرئٍ من دهرِه ما تعوّداوعادة سيفِ الدولةِ الطّعْنُ في العِدا
وقوله:
فدَيناكَ من رَبعٍ وإن زِدْتَنا كرْبا
وقوله:
إذا كان مدْحٌ فالنّسيبُ المقدَّمُأكلُّ فَصيحٍ قال شِعْراً متيَّمُ
وقوله:
أيدْري الرّبْعُ أيَّ دمٍ أرَاقا
وقوله:
أُغالِبُ فيكَ الشوقَ والشوقُ أغلبُ
وقوله:
حاشَى الرّقيبَ فخانتْهُ ضمائرهُوغيّضَ الدمع فانهلّت بوادرُهُ
وقوله:
سِرْ حَلّ حيثُ يحُلّه النّوّارُوأراد فيكَ مُراداكَ المِقدارُ
وقوله:
أعْلى الممالِكِ ما يُبْنى على الأسَلِ
وقوله:
أفاضِلُ النّاسِ أغراضٌ لِذا الزّمنِ
وقوله:
فؤادٌ ما تُسلّيهِ المُدامُوعُمرٌ مثلُ ما تهبُ اللئامُ
وقوله:
اليومَ عهدُكمُ فأين الموعدُهيهاتَ ليسَ ليومِ عهدِكُمُ غدُ
وأمثال ذلك إن طلبتَه هداك الى موضعه، وإنما التمستَه دلّك على نفسك. وهذه أفرادُ أبيات منها أمثالٌ سائرة، ومنها معانٍ مستَوفاة، لم تجد في أخواتها، وجارات
جنبها ما يصلُح لمُصاحبتها. ولعل أكثرَها، أو معظم ما أثبت منها، وكثيراً مما ذُكر في درج ما تقدّمها من اللُّمَع المختارة، مختارة المعاني مفترعة المذاهب. وليس لك أن تُلزمني تمييز ذلك وإفرادَه والتنبيهَ عليه بأعيانه كما فعله كثيرٌ ممن استهدف للألسن، ولم يحترز من جناية التهجّم؛ فقال: معنى فرد، وبيت بديع، ولم يُسْبق فلان الى كذا، وانفرد فلان بكذا؛ لأني لم أدّع الإحاطة بشعر الأوائل والأواخر؛ بل لم أزعم أني نصَفتُه سماعاً وقراءة، فدع الحِفظ والرواية. ولعل المعنى الذي أسمُه بهذه السّمة، والبيت الذي أضيفه الى هذه الجملة في صدر ديوان لم أتصفّحه؛ أو تصفّحتُه ولم أعثر بذلك السطر منه، أو عساني أن أكون رويتُه ثم نسيتُه، أو حفظته لكني أغفلتُ وجهَ الأخذِ منه، وطريقة الاحتذاء به.
وإنما أجسر في الوقت بعد الوقت فأُقدِم على هذا الحكم انقياداً للظن، واستنامة الى ما يغلبُ على النفس؛ فأما اليقين الثقة، والعلم الإحاطة فمعاذ الله أن أدعيه! ولو ادعيتُه لوجب ألا تقبلَه، مع علمك بكثرة الشعراء واختلاف الحظوظ، وخمول أكثر ما قيل: وضياع جلّ ما نُقِل. وأظنّك قد سمعتَ أو انتهى إليك أن البحتري أسقط خمسمائة شاعر في عصره، فما يؤمنني من وقوع بعض أشعارهم الى غيري؟ وما يدريني ما فيها؟ وهل هذا المستغرب المستحسن منقول عنها، ومقتبَس منها؟ وهؤلاء المحدَثون الذين شاركونا في الدار والبلد، وجاورونا في العصر والمولد. فكيف بمَن بعُد عهده، وقدُم زمانه، وتناسخت الأمم بيننا وبينه! زعم بعض آل الزبير أنه زار عُروة بن الزبير ذات يوم، فسأله عما يُعنى بطلبه من العلوم، فقال: قلت الشعر. فقال: لأي قبائل العرب أنت أروى! فقلت: لبني سُلَيْم، فأنشدني لعدة أكثرها من بني سُليم، ولم أعرف واحداً منهم.
وقد ذكر الأصمعي عن كِرْدِيْن المِسمَعي: أن فتية من الحيّ أتوا أبا ضمْضَم الراوية، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: أتيناك نتحدّث. قال: كذبتم. قلتم: خرِف الشيخ، هلمّوا نتغفّله. ثم أنشدهم لمائة أو ثمانين شاعراً، كلّهم يسمّى عَمراً. قال الأصمعي: فجهدنا أن نتمّ ثلاثين شاعراً يسمى عَمراً، فلم نجد.
وزعم الأصمعي أيضاً أن إخوة من بني سعد يسمون مُنذِراً، ومُنتذراً، ونذيراً، كانوا رجّازاً، فلم يهبطوا الأمصار، فذهبت أشعارُهم. وأن أُرجوزة رؤْبة القافيّة التي هي قلادتُه، وعينُ شعره لنذير.
وقد يرى في أشعار القبائل الأبيات تُنسب الى الرجل المجهول الذي لم يُرْوَ له غيرها، ولا يعرف له اسمٌ إلا بها؛ وكأن النفس تشهد أنّ مثلها لا يكونُ باكورة الخاطر، ولا تسمحُ بها القريحةُ إلا بعد الدُّرْبة وطولِ الممارسة، ومن ذا يسمع قول الهُذَلي:
أبو مالك قاصِرٌ فَقرَهعلى نفْسه ومُشيعٌ غِناهُ
إذا سُدَتْه سُدْت مِطواعةًومهما وكَلْتَ إليه كفاهُ
فيشكّ أنها لم تندفر فلْتة، وتصْدر بغْتة، وأن لها مقدمات سهّلْت سبيلَها، وأخوات قرّبت مأخذها؛ وهي في شعر الهذليين أبيات لم يُرْوَ لشاعر غيرها.
وقد كان قدم مكة أيام مقامي بها شيخٌ بدَويّ من بني عامر بن ربيعة؛ يدعى مطرف بن سفيان، فأنشدنا قصيدة مدح بها جعفر بن محمد الحسني وجدتُها متنافرةَ
الأبيات، مختلفةَ الأطراف، بين عيْنٍ نادر، ومتوسّط متقارب، وضعيف ساقط؛ فكنت كالمتعجِّب لما أراه من اضطرابها، وظهورِ تفاوتها؛ وامتحنتُ الشيخ فوجدتُ شعره الى الضعف ما هو؛ فنحن كذلك إذ أتانا بعض مَنْ كان بقُرْبه من أصحابنا، فسألناه عن العامري فأثبته معرفة، وذكر أنه حضر الحيّ وقت تأهبه للوفادة، فرآه في نادي القوم، وقد جمع فِتْيان الحلّة، وأحداث القبيلة، فقال: إن شيخكم يريد امتداحَ هذا الشريف بمكة، فزوّدوه! فزوّدَه كلّ رجل منهم البيتين والثلاثة، ثم نظمها قصيدة، وإذا سببُ ذلك التباين تفاضلُ القرائح، واختلافُ الأفكار والهواجس.
فإذا كان هذا الشعر عندهم اليوم، وهذه عدّة من يقرض منهم وينظم، واللغة فاسدة، واللسان مدخول، والأمر مُدبِر، وأكثر العرب مستعجم؛ فما ظنّك بهم والعربُ عرب، والدار خالصة لهم، والحضَر بعيد منهم، وأسباب الفساد منقطعة عنهم! وهل يُمكن مع هذه الأحوال إحصاء المقرر المتوسّع، فضلاً عن المُقِلّ المتطرّف! أفتستَجيزُ لي على ما تراه أن أتسرع ولا أتحرّز، وأعجل ولا أتلبّث؟ كلا؛ بل أفصّل لك بين المراتب والمقادم، وأعزل لك المقدّم عن المؤخر، وأميز ما يقرب عندي من الإبداع عما أشهد عليه بالأخذ؛ فإن ألحقت به المأخوذ المُستَرق فلبعض الأغراض المتقدّمة: أو لزيادة فيه مستحسنة، فأسلم من تورط المسترسِل، ولا أقف موقف المتكلّف.
فمن تلك الأبيات قوله:
وكنتُ إذا يممتُ أرضاً بعيدةًسرَيْتُ فكنت السّرَّ والليلُ كاتِمُهْ
أزورهم وسوادُ الليلِ يشفعُ ليوأنثني وبياضُ الصُبحِ يفغري بي
قِفي تغْرَمِ الأولى من اللحظِ مهجَتيبثانيةٍ والمُتلِفُ الشيءَ غارمُهْ
ضُربْنَ إلينا بالسّياطِ جَهالةًفلما تعارفْنا ضُربْنَ بها عنّا
لو كنتَ عصْراً مُنْبتاً زَهَراًكنت الربيعَ وكانت الوَرْدا
وما الجمعُ بينَ الماءِ والنار في يديبأصْعَبَ من أن أجمعَ الجدّ والفَهْما
وأسمعُ من ألفاظِه اللغةَ التييلَذّ بها سمْعي وإن ضُمّنَتْ شتْمي
ولا تُنكِرا عصْفَ الرّياح فإنهاقِرَى كلّ ضيْفٍ بات عند سِوارِ
دُعيتُ بتقريظِيكَ في كلّ مجلسٍوظنّ الذي يدعو ثنائي عليك اسمي
كأنّ الهامَ في الهَيجا عُيونٌوقد طُبعَتْ سيوفُك من رُقادِ
وقد صُغْتَ الأسنّة من هُمومٍفما يخطُرْنَ إلا في فؤادِ
بكل أرضٍ وطِئْتَها أمَمٌتُرْعى بعبْدٍ كأنها غنَمُ
يستخشِنُ الخَزّ حينَ يلمَسهُوكان يُبْرى بظُفرِه القلَمُ
حالٌ كأنّ غُرابَ البينِ يرقُبُهفكلما قيل هذا مجتَدٍ نَعبا
ما زالَ كلّ هزيمِ الودْقِ ينحِلُهاوالسُقْم ينحِلُني حتى حكَت جسَدي
فقد خفِيَ الزمانُ به عليناكسِلْكِ الدُرِّ يُخْفيهِ النظامُ
لقد حسُنَت بك الأوقات حتىكأنك في فمِ الدهر ابتسامُ
قفْ على الدّمنتَيْنِ بالدّوِّ من ريّا كخالٍ في وجنةٍ جنْبَ خالِ
بطُلولٍ كأنهن نُجومٌفي عِراسٍ كأنهن لَيالِ
ولو حيزَ الحِفاظُ بغير عقلٍتجنّبَ عُنقَ صيقَلِهِ الحُسامُ
وكلما فاضَ دمْعي غاضَ مُصطَبَريكأن ما سالَ من جفنيّ من جلَدي
كلّ هوْجاءَ للدّياميمِ فيهاأثرُ النّارِ في سَليطِ الذُبالِ
من بنات الجديلِ تمْشي بنا في الْبيدِ مشْيَ الأيامِ في الآجالِ
وإذا خفيتُ على الغبيّ فعاذِرٌأن لا تراني مُقلةٌ عمياءُ
أمضَى إرادتَهُ فسوف له قدٌواستقربَ الأقصى فثَمّ له هُنا
منْ يهُنْ يسهُلِ الهوانُ عليهما لجُرحٍ بميّت إيلامُ
طربَتْ مراكبُنا فخِفْنا أنهالولا حياءٌ عاقَها رقصتْ بنا
عقدَتْ سنابكُها عليها عِثْيراًلو تبْتغي عنَقاً عليه لأمْكِنا
يتعثّرْنَ بالرءوس كما مرّبتاآت نُطقِه التّمتامُ
خيرُ أعضائِنا الرءوسُ ولكنْفضلتْها بقصدِكَ الأقدامُ
فلو كنتَ امرأ يُهجى هجوْناولكن ضاق فِتْرٌ عن مسيرِ
لا يُعجِبنّ مَضيماً حُسنُ بزّتهوهل تروقُ دَفيناً جودَةُ الكفن
دونَ التّعانُقِ ناحِلَيْنِ كشَكْلَتيْنصْبٍ أدقّهما وضمّ الشّاكِلُ
للهو آوِنةٌ تمرّ كأنهاقُبَلٌ يزوَّدُها حبيبٌ راحِلُ
قد كنت أشفقُ من دمعي على بصريفاليومَ كلّ عزيز بعدكم هانا
فكأنها نُتِجَت قياماً تحتهموكأنهم وُلدوا على صهَواتِها
ولو لم يعْلُ إلا ذو محلّتعالى الجيشُ وانحطّ القتامُ
ومن يُنفِق الساعاتِ في جمع مالِهمَخافةَ فقْرٍ فالذي فعل الفقرُ
وأنفُسٌ يلمَعيّات تحبّهمُلها اضطِراراً ولو أقصوْكَ شنْآنا
كأن ألسُنَهم في النُطق قد جُعِلتْعلى رماحهم في الطّعْنِ خُرصانا
لو مرّ يركُض في سُطور كِتابةٍأحصى بحافرِ مُهرِه ميماتِها
أعيا زوالُكِ عن محلٍّ نلتَهلا تخرجُ الأقمارُ عن هالاتها
ومن نكدِ الدُنيا على الحرّ أن يرىعدواً له ما منْ صداقتِه بُدّ
تلَجُّ دموعي بالجفون كأنّماجُُفوني لعينَيْ كلِّ باكية خدُّ
ذُكر الأنام لنا فكان قصيدةكنتَ البديعَ الفردَ من أبياتها
كأن الجوّ قاسى ما أُقاسيفصار سوادُه فيهِ شُحوبا
أقلِّبُ فيه أجفاني كأنيأعدّ به علىالدّهر الذّنوبا
مَنْ خصّ بالذّم الفِراق فإننيمن لا يرى في الدهر شيئاً يُحْمَدُ
إذا غدرت حسناءُ وفّت بعهدِهاومن عهدِه أن لا يدومَ لها عهدُ
فإنْ يكُ سيّارُ بنُ مكْرمٍ انقضىفإنك ماء الورد إن ذهب الوردُ
عرفتُ نوائبَ الحِدْثان حتىلوِ انتسَبَتْ لكنتُ لها نَقيبا
يُصيب ببعضها أفواقَ بعضٍفلولا الكسْرُ لاتّصلتْ قضيبا
فآجرَك الإلهُ على عليلٍبعثْت الى المسيحِ به طبيبا
صيامٌ بأبواب القِباب جيادُهموأشخاصُها في قلْب خائِفِهم تعْدو
بعيدةُ ما بين الجفونِ كأنماعقدْتم أعالي كلِّ هدْبٍ بحاجبِ
ولو قلمٌ أُلقيتُ في شَقِّ رأسهمن السُّقمِ ما غيّرتُ من خطّ كاتبِ
ولربّما أطرَ القناة بفارِسٍوثنى فقوّمها بآخرَ منهمُ
لو سار ذاك الحبيبُ عن فلَكٍما رضي الشمسَ برجُه بدَلَهْ
رأيتك في الذين أرى مُلوكاًكأنكَ مستقيمٌ في مُحالِ
فإنْ تفُق الأنامَ وأنت منهمْفإنّ المسكَ بعضُ دم الغزالِ
أنت الذي لو يُعابُ في ملأٍما عيبَ إلا بأنّه بشَرُ
إني لأبغِضُ طيفَ مَن أحببتُهإذ كان يهجرُنا زمانَ وصالِه
ونُراعُ غير معقّلاتٍ حولَهفيَفوتها متجفّلاً بعِقالِه
لو لم تكنْ تجري على أسيافِهمهَجاتُهُم لجرَتْ على إقبالِه
فكأنّما قذي النهارُ بنقعِهأو غضّ عنه الطّرْفَ من إجلالِه
وخصْرٌ تنبُتُ الأبصارُ فيهكأنّ عليه من حدَقٍ نِطاقا
أول حرْفٍ من اسمِه كتبتْسنابِك الخيلِ في الجلاميدِ
كأن العِدا في أرضهم خُلفاؤهفإنْ شاءَ حازوها وإن شاءَ سلّموا
لها في الوَغى زِيُّ الفوارس فوقَهافكلّ حِصانٍ دارعٌ متلثّمُ
وما ذاك بُخْلاً بالنفوس على القناولكنّ صدْمَ الشّرّ بالشرِّ أحزَمُ
وملمومةٌ زرَدٌ ثوبهاولكنّه في القنا مُخمَلُ
يفاجئُ جيشاً به حينُهويُنذِر جيشاً به القسْطَلُ
فلا تُنكرنّ له صرْعةًفمنْ فرَحِ النّفس ما يقتُلُ
وما اعتمدَ اللهُ تقويضَهاولكن أشر بما تفعَلُ
إن كنتَ ترضى بأن يُعطوا الجِزَى بذلوامنه رِضاكَ ومَن للعُورِ بالحوَلِ
لعلّ عتْبَك محمودٌ عواقبُهفرُبما صحّتِ الأجسام بالعللِ
ويرجِعُها حُمْراً كأنّ صحيحَهايبكي دماً من رحمةِ المتدفّقِ
ما الخِلّ إلا منْ أودّ بقَلبِهوأرى بطرْفٍ لا يرى بسوائِهِ
كأني عصَتْ مُقلَتي فيكمُوكاتَمتِ القلبَ ما تُبصرُ
إذا ما قدرْتُ على نطقَةٍفإني على ترْكِه أقدَرُ
فلا غفَلَ الدهرُ عن أهلِهفإنك عينٌ بها ينظرُ
وكيف انتفاعي بالرُقاد وإنمابعلَّته يعتلّ في الأعيُن الغُمضِ
وأتعب مَن ناداك من لا نجيبُهوأغيَظُ من عاداكَ من لا تُشاكِلُ
إذا كان ما تنويهِ فعلاً مُضارعاًمضى قبلَ أن تُلقى عليه الجوازِمُ
قُشيْرٌ وبَلْعَجْلانِ فيها خفيّةٌكراءَينِ في ألفاظِ ألثغَ ناطق
أسيرُ الى إقطاعهِ في ثيابِهعلى طِرْفه من داره بحُسامِه
وإذا حاولتْ طعانك خيلٌأبصرَت أذرُعَ القَنا أميالا
كأنّ كلَّ سؤالٍ في مسامعهقميصُ يوسفَ في أجفانِ يعقوب
بوادٍ به ما بالقلوبِ كأنّهوقد رحلوا جيَدٌ تناثَر عِقدُه
لا تُنكر الحسّ من دار تكون بهافإنّ ريحكَ روحٌ في مغانيها
إنما تنجحُ المقالةُ في المرْءِ إذا وافقَتْ هوًى في الفؤادِ
وإذا الحِلمُ لم يكن عن طِباعلم يحلّم تقدُّم الميلادِ
وإذا كان في الأنابيبِ خلفٌوقع الطّيشُ في صدور الصِّعادِ
تحمّلوا حملَتْكُم كلّ ناجيةٍفكلّ بينٍ عليّ اليومَ مؤتمَنُ
كلّما أنبَتَ الزمانُ قناةًركّب المرء في القناةِ سنانا
وإذا لم يكن من الموت بُدٌفمِن العجز أن تكون جَبانا
إنّا لفي زمنٍ ترْكُ القبيح بهمن أكثرِ الناسِ إحْسانٌ وإجمالُ
ذِكرُ الفتى عُمرهُ الثاني وحاجتُهما فاتَه وفُضول العيش أشْغالُ
لطّفْتَ رأيكَ في بِرّي وتكرِمَتيإنّ الكريم على العلياءِ يحْتالُ
ردينيّةٌ تمّت وكاد نباتُهايركّبُ فيها زُجَّها وسنانَها
وسمراءُ يستغْوي الفوارس قدُّهاويُذكِرها كرّاتِها وطِعانها
وغالبَه الأعداءُ ثم عنوا لهكما غالبَتْ بيضَ السّيوفِ رِقابُ
ولا مُلْكَ إلا أنتَ والمُلكُ فضلَةٌكأنّك سيفٌ فيه وهْو قِرابُ
فلا تُرجِّ الخير عند امرئٍمرّت يدُ النّخاسِ في رأسِه
إذا أتت الإساءةُ من وضيعٍولم ألُمِ المُسيءَ فمن ألومُ
لا تشترِ العبد إلا والعصا معهإنّ العبيدَ لأنجاسٌ مناكيدُ
ومن جهِلتْ نفسُه قدرَهرأى غيرُه منه ما لا يرى
كلّما عاد مَن بعثتُ إليهاغار منّي وخان فيما يقول
أفسدَتْ بيننا الأماناتِ عيناها وخانتْ قلوبهنّ العُقولُ
ومن ركبَ الثورَ بعد الجوادِ أنكرَ أظلافه والغبَبْ
أتى الزمانَ بنوهُ في شيبتهفسرّهُمْ وأتيناهُ على الهرَم
إنْ أوحشَتْك المعاليفإنها دارُ غُربَهْ
أو آنسَتْك المخازيفإنها لك نِسْبَهْ
إذا سمِع الناسُ ألفاظهخلقْنَ له في القلوبِ الحسدْ
وغيْظٌ على الأيام كالنارِ في الحشاولكنه غيْظُ الأسير على القِدِّ
وقد كنت أدركت المُنى غير أننييُعيِّرُني أهلي بإدراكها وحْدي
وألقى الشرقُ منها في ثيابيدنانيراً تفِرّ من البنانِ
وهو مثل قوله في كلمة أخرى:
إذا ضوءُها لاقى من الطيرِ فَرجةًتدوَّرَ فوق البيض مثل الدراهمِ
فلو طُرِحت قلوبُ العشقِ فيهالما خافت من الحدَقِ الحِسانِ
قالت: ألا تصْحو! فقلت لهاأعلَمتِني أنّ الهوى ثمِلُ
فوقَ السماءِ وفوقَ ما طلبوافإذا أرادوا غايةً نزَلوا
وما أنا غيرُ سهمٍ في هواءيعود ولم تجدْ فيه امتِساكا
شُجاعٌ كأنّ الحربَ عاشقَةٌ لهإذا زارها فدّتهُ بالخيل والرِّجلِ
يرْمي النجومَ بعينَيْ من يحاولُهاكأنها سلَبٌ في عينِ مسلوب
رقّت مضاربُه فهنّ كأنمايُبدينَ من عشقِ الرّقاب نُحولا
وإذا أتتك مذمّتي من ناقصٍفهي الشهادةُ لي بأني كاملُ
وما التيهُ طِبّي فيهمُ غير أننيبغيضٌ إليّ الجاهلُ المتعاقِلُ
فما تُرجّي النفوسُ من زمنٍأحمَدُ حالَيهِ غيرُ محمودِ
وقد وَفينا لك بما اقتضاه شرطُ الضمان وزدنا، وبرئنا إليكَ مما يوجبه عقد الكفالة وأفضلنا، ولم تكن بُغيتنا استيفاءَ الاختيار، واستقصاءَ الانتقاد؛ فيقال: هلا ذكرتَ هذا فهو خير مما ذكرت؛ وكيف أغفلتَ ذاك وهو مقدَّم على ما أثبت! وإنما دعوناك الى المقاصّة، وسِمْناك في ابتداء خطابنا المحاجّة والمحاكمة؛ فلزمنا طريقة العدل فيها، والتقطنا من عُروض الديوان أبياتاً لم نذهب - إن شاء الله - في أكثرها عن جهة الإصابة، فإن وقع في خلاله البيتُ والبيتان فلأنّ الكلام معقود به، والمعنى لا يتمّ بدونه، وما يتقدمه وما يليه مفتقر إليه، أو لغرض لا تعظم الفائدة إلا بذكره، ويضيقُ هذا القدر من الخطاب عن استقصاء شرحه، أو لسهو عارضَ التمييز، وغفْلةٍ لابست الاختيار.
وقد جعلنا لك أن تحذف منه ما أحببت؛ وأبحنا لك أن تُسقط ما أردت، فإن الذي يفضل نقدك منه، ويوافقنا رأيك عليه، ينجز وعدك ويبلغ غايتك؛ ويبقى ما وقعت الموافقةُ عليه بيننا وبينك. ثم طالع بقية شعرِه، وتصفّح فضالة ديوانه؛ لتعلم أنا لم نقصد استيعابَ
عيونه، وأخْذ صفوته ولُبابه، وأن فيما غادرنا منه ولم نعرض له ما يمكن فيه محاكمتك، ولا تضعف معه محاجّتك؛ ولعلك إذا رأيت هذا الجدّ في السعي، والعنف في القول تقول: إنما وقفت موقف الحاكم المسدد، وقد صرت خصْماً مجادلاً، وشرعت شروع القاضي المتوسط، ثم أراك حرباً منازعاً؛ فإن خطر ذلك ببالك وحدثتْك به نفسك فأشعِرها الثقة بصدقي، وقرّر عندها إنصافي وعدْلي، واعلم أني رسولٌ مبلّغ، وسامع مؤدّ، وإني كما أناظرك أناظر عنك، وكما أخاصمك أخاصم لك؛ فإن رأيتني جاوزتُ لك موضع حجة فردّني إليها، ونبّهني عليها، فما أبرّئُ نفْسي من الغفْلة، ولا أدّعي السلامة من الخطأ؛ والمدّعي أشد اهتماماً بما يحقق دعواه من المتوسط، وعناية الخصم بشهوده أتمّ من عناية الحاكم.
وأعود الى نسَق الكلام الأول فأقول: ورأيتك وأصحابك أنحيْتم في منازعة خصمكم على الدّعاء السّرَق؛ فقال قائلكم: ما يسلَم له بيت، ولا يخلص من معانيه معنى؛ وما هو إلا ليث مُغير، أو سارق مُختلِس، وأنشد منشدكم قول أبي تمام:
مَن بنو بحْدَل من ابن الحُبابمن بنو تغلب غداة الكلاب
إذا الضيغمُ الهصورُ أبو الأشْبالِ رِئْبالُ كل خيس وغابِ
من عدَتْ خيلُه على سرح شعريوهو للحين راتعٌ في كتابي
غارة أسخنت عيونَ المعاليواستحلّت محارمَ الآداب
يا عَذارى الكلام صِرتُنّ من بعْدي سبايا تُبَعْنَ في الأعراب
وقلت: إنما عمد الى شعر أبي تمام فغيّر ألفاظه، وأبدل نظمه؛ فأما المعاني فهي تلك بأعيانها؛ أو ما سرقه من غيرها، فإن اعتمد على قريحته، وحصل على فكره وخاطره، جاء بمثل قوله:
إن كان لا يُدْعى الفَتى إلا كذارجُلاً فسمِّ الناسَ طُرّاً إصْبَعا
ومثل قوله:
أيا أسداً في جسمِه روحُ ضيْغَمٍوكم أُسُدٍ أرواحُهُنّ كِلابُ
جرى الخُلْفُ إلا فيك أنّك واحدٌوأنّك ليثٌ والملوك ذئابُ
وأنك إن قويِسْتَ صحّفَ كاتبذئاباً ولم يُخطئْ فقال ذُبابُ
ومثل قوله:
لو كان صادفَ رأسَ عازرَ سيفُهفي يوم معركةٍ لأعْيا عيسَى
أو كان لُجُّ البحرِ مثلَ بمينِهما انشَقّ حتى جاز فيه موسَى
أو كان للنّيران ضوءُ جبينِهعُبدَتْ فكان العالَمون مَجوسا
فأعيته المعاني، حتى التجأ الى استصغار الأنبياء ﵈.
وقوله:
لم تُسْمَ يا هارون إلا بعد ما اقْترَعْتَ ونازعَتِ اسمكَ الأسماءُ
فغدوْتَ واسمُك فيك غيرُ مُشارَكٍوالناسُ فيما يديْك سواءُ
وقوله:
فخُذا ماءَ رِجلِه وانْضَحا في الْمُدْنِ تأمَنْ بوائقَ الزّلْزالِ
رجُلٌ طينُه منَ العنبَر الورْدِ وطينُ الرّجالِ من صلْصالِ
وبقيّاتُ طينِه لاقتِ المادَ فصارتْ عُذوبةً في الزُّلالِ
فهذا مقدارُ اختراعه، وهذه طريقةُ ابتداعه، فإن زاد عليه وتجاوزه قليلاً اضطرّ الى تعقيد اللفظ، وفساد الترتيب، واضطراب النّسْج؛ فصار خيرُه لا يفي بشرّه، وجُرْمه يزيدُ على عُذره؛ ثم لم يظفر فيه بمعنى شريف؛ وإنما هو الإفراط والإغراق والمبالغة والإحالة كقوله:
لوْ طابَ مولدُ كلّ حيٍّ مثلَهولدَ النّساءُ وما لهنّ قوابِلُ
ولِمَ يُستغنى بطيب المولد عن القابلة؟ وإذا استُغني عنها كان ماذا؟ وأي فخْر فيه؟ وأي شرف يناله؟ وقوله:
لمن مالٌ تمزّقُه العطاياويشْرَكُ في رغائِبِه الأنامُ
ولا ندعوكَ صاحبَهُ فترْضَىلأنّ بصُحبةٍ يجبُ الذِّمامُ
لما وقع له المعنى الذي يُقارب الحسن ضعُفَ عن تحسين لفظه؛ فجاء كما ترى.
وقوله:
لم تحْكِ نائِلَكَ السّحابُ وإنماحُمّتْ به فصَبيبُها الرُحَضاءُ
هل زاد على أن جعل السحاب يحمّ فأفرط؛ كما جعل أبو تمام الدهر يصرع في قوله:
خطوبٌ كأنّ الدهرَ منهن يُصرَعُ
وجعل بشّار الزمانَ يموقُ في قوله:
وما أنا إلا كالزّمان فإن صَحاصحوْتُ وإن ماقَ الزّمانُ أموقُ
وقوله:
فإن مارَيتَني فارْكَب حصاناًومثِّلْهُ تخِرَّ له صَريعا
وهذا المعنى عامي، وكذلك قوله:
وكلّ مكانٍ أتاه الفتىعلى قدَر الرِّجل فيه الخُطا
وقوله:
لوِ الفلَكَ الدّوارَ أبغضْتَ سعيَهُلعوّقَه شيءٌ عن الدّورانِ
وهذا البيت من قلائده، إلا أنك تعلم ما في قوله شيء من الضعف الذي يجتنبه الفحول، ولا يرضاه النقّاد. وهو وأشباه هذا مما لم نُرد استقصاءَه؛ وإنما دللْناك على منهاجه، وأريناك بابَه، وقد قدّمنا ما استرذلنا من شعرِه.
وإنما تجدُ له المعنى الذي لم يسبقه الشعراءُ إليا إذا دقق، فخرج عن رسْم الشعر الى طريق الفلسفة، فقال:
ولَجُدْتَ حتى كِدْتَ تبخَلُ حائِلاًللمنتهَى ومن السرورِ بُكاءُ
وقال:
إلْفُ هذا الهواءِ أوقعَ في الأنْفُس أنّ الحِمامَ مُرُّ المذاقِ
والأسى قبلَ فُرقةِ الرّوح عجْزٌوالأسى لا يكونُ بعد الفِراقِ
وقوله:
تخالفَ الناسُ حتى لا اتّفاق لهمإلا على شجَبٍ والخُلْفُ في الشّجَبِ
فقيلَ تخْلُصُ نفسُ المرءِ سالمةًوقيل تشرَكُ جسمَ المرء في العطبِ
وقوله:
خلفَتْ صِفاتُك في العيون كلامَهكالخطّ يملأُ مِسمَعَي مَنْ أبصرا
النص من طبعة عيسى البابي الحلبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف شرح المحققين وحواشيهم. مصادر الموقع