١هذي برزت لنا فهجت رسيساً
ثم انصرفت وما شفيت نسيسا
الواحدي: قال ابن جنى أي يا هذه ناداها وحذف حرف النداء ضرورة وقال أبو العلاء المعري هذه موضوعة موضع المصدر واشارة إلى البرزة الواحدة كأنه يقول هذه البرزة برزت لنا كأنه يستحسن تلك البرزة الواحدة وانشد، يا إبلي إما سلمت هذي، فاستوسقي لصارمٍ هذاذ، أو طارقٍ في الدجن والرذاذ، يريد هذه الكرة وهذا تأويل حسن لا ضرورة فيه ولا حاجة معه إلى الاعتذار والرسيس والرس مس الحمى وأولها وهو ما يتولد منها من الضعف والرسيس ما رس في القلب من الهوى أي ثبت ومنه قول ذي الرمة، إذا غير النأي المحبين لم يكد، رسيس الهوى من ذكر مية يبرح، وهذا هو المراد في بيت المتنبي والنسيس بقية النفس بعد المرض والهزال يقول برزت لنا فحركت ما كان في قلبنا من هواك ثم انصرفت عنا ولم تشفي بقايا نفوسنا التي ابقيت لنا بالوصال
٢حاشى لمثلك أن تكون بخيلةً
ولمثل وجهك أن يكون عبوسا
العكبري: الْإِعْرَاب كَانَ الأجود أَن يَقُول أَن يكون بَخِيلًا لتذكيرك الْمثل وَلكنه حمله على الْمَعْنى دون اللَّفْظ لِأَنَّهَا مُؤَنّثَة فمثلها مؤنث كَمَا يُقَال ذهبت بعض أَصَابِعه فأنث الْبَعْض لِأَنَّهُ أَرَادَ أصبعا الْغَرِيب حاشى من المحاشاة وهى المباعدة والمجانية والعبوس الكريه الْمَعْنى يَقُول لَا ينبغى لمثلك على حسنها وكرم أَصْلهَا أَن تكون بخيلة فتبخل بالوصال على من يُحِبهَا وحاشا لوجهك على تَكَامل حسنه أَن يكون عبوسا لمن ينظر إِلَى محاسنه
٣ولمثل وصلك أن يكون ممنعاً
ولمثل نيلك أن يكون خسيسا
العكبري: الْمَعْنى أَنه أَرَادَ حاشا لَك أَن تعتقدى الْبُخْل وَأَن تمنعينى وصالك بِالنِّيَّةِ وَإِن لم يكن بِالْفِعْلِ وَلم يرد المتنبى مَا قيل فى هَذَا الْبَيْت أَنه أَرَادَ أَنَّهَا تكون مبذولة الْوِصَال وَإِنَّمَا يحسن الْوِصَال ويطيب إِذا كَانَ ممنعا وَإِذا كَانَ مبذولا مل وانحرفت النَّفس عَنهُ وَمَا أحسن قَول الْقَائِل (أحْلى الهَوَى مَا لم تَنَلْ فِيه المُنَى ... والحبُّ أعدلُ مَا يكونث إِذا اعْتَدَى) (وَإِذا اختبرتَ رأيتَ أصْدَقَ عاشِقٍ ... مَنْ لَا يَمُد إِلَى مُوَاصلَةٍ يَدَا) وَقد قَالَ كثير (وإنى لأسمو بالوصال إِلَى الَّتِى ... يكونُ سَناءً وَصْلُها وازديارها) أى إِنَّمَا أَرغب فى ذَات الْقدر المصونة لَا المبذولة وَأنْشد بَعضهم قَول الْأَعْشَى (كأنّ مِشْيَتَها مِن بيْت جارتها ... مَرُّ السَّحابة لَا رَيثٌ وَلَا عَجَلُ) فَقَالَ هَذِه خراجة ولاجة هلا قَالَ كَمَا قَالَ الآخر (فَتَشْتاقها جاراتُها فَيُزرْنَها ... وتَعْتَلُّ عنْ إتيانِهِنَّ فَتْعْذَرُ) قَالَ ابْن فورجة هَذَا اعْتِرَاض على المتنبى بوصفه حبيبته بِأَنَّهَا مبذولة الْوِصَال وَلم يتَعَرَّض لذَلِك بشىء وَإِنَّمَا قَالَ لَهَا حاشاك من هَذَا الْوَصْف وَلَيْسَ فى اللَّفْظ مَا يدل على أَنَّهَا مبذولة الْوَصْل أَو ممنعة بل فِيهِ أَنه يُرِيد أَن يكون مبذولا وصالها لَهُ وأى محب لَا يحب ذَلِك وَإِن كَانَ يُرَاد مِنْهُ أَلا يتَمَنَّى بذلك حبيبته وَهُوَ محَال قَالَ أَبُو الْفَتْح إِنَّمَا أَرَادَ حاشى لَك أَن تمنعينى وصلك بِالنِّيَّةِ إِن لم يكن بِالْفِعْلِ أَلا ترى إِلَى قَول الْقَائِل (أُحبُّ اللَّواتى هُنَّ فى رَوْنَقِ الصِّبا ... وفِيهِنَّ عَنْ أزْوَاجِهِنَّ طِماحُ) (مُسِرَّاتُ وُدٍّ مُظْهِراتٌ لِضِدِهِ ... ترَاهُنَّ كالمَرْضَى وَهُنَّ صِحاحُ) أى هن يظهرن خلاف مَا يكتمن قَالَ الْخَطِيب أما هَذَا الشَّاعِر فقد أظهر مَا يحب وَبَينه وَأَنه يحب كل لعوب طامحة عَن زَوجهَا وَهَذَا مَذْهَب بعض المحبين وَأما قَول المتنبى فَهُوَ مباين لهَذَا بقوله أَن يكون ممنعا فَهُوَ هجر صراح
٤بيضاء يمنعها تكلم دلها
تيهاً ويمنعها الحياء تميسا
العكبري: الْإِعْرَاب أَرَادَ أَن تَتَكَلَّم فَحذف وأعمل وَكَذَلِكَ أَن تميسا وَهُوَ كثير فى أشعارهم والبصريون لَا يرَوْنَ ذَلِك وَحجَّتنَا قَول الشَّاعِر (انظُرا قبل تَلُومانِى إِلَى ... طَلَلٍ بينَ النَّقا والمُنْحنى) وَقَول طرفَة (ألَا أيُّهَذا الزّاجرى أحضُرَ الوَغَى ... وَأَن أشْبَبَ اللذَّاتِ هَل أنتَ مُخْلِدى) وَقِرَاءَة عبد الله ﴿لَا تعبدوا إِلَّا الله﴾ فنصب بِتَقْدِير أَن مَعَ حذفهَا وَقَول عَامر بن الطُّفَيْل (وَنهْنَهْتُ نَفْسىِ بعدَ مَا كِدْتُ أفعلَه ... ) وَقد ألزمناهم بقَوْلهمْ إِنَّهَا تعْمل مَعَ الْحَذف من غير بدل فى جَوَاب السِّتَّة بِالْفَاءِ مقدرَة وحجتهم أَنَّهَا تنصب الْفِعْل وعوامل الْأَفْعَال ضَعِيفَة فَلَا تعْمل مَعَ الْحَذف من غير بدل وَلِهَذَا بَطل عَملهَا فى قَوْله تَعَالَى ﴿أفغير الله تأمروني أعبد﴾ وَقَالَ الشَّاعِر (أَن تقرأآن على أسماءَ ويحَكما ... منى السَّلامَ وَأَن لَا تُشْعِرَا أحدَا) الْغَرِيب دلها دلالها وتميس تنثنى الْمَعْنى يَقُول هى ذَات حَيَاء فحياؤها يمْنَعهَا من التثنى ودلالها يمْنَعهَا من الْكَلَام
٥لما وجدت دواء دائي عندها
هانت علي صفات جالينوسا
العكبري: الْغَرِيب جالينوس طَبِيب وَحَكِيم يضْرب بِهِ الْمثل فى الطِّبّ وَهُوَ رومى الْمَعْنى يَقُول لما وجدت دوائى عِنْدهَا وَهُوَ وصالها تركت صِفَات جالينوس الَّتِى فى كتب الطِّبّ
٦أبقى زريقٌ للثغور محمداً
أبقى نفيسٌ للنفيس نفيساً
العكبري: الْمَعْنى يَقُول هَذَا الممدوح مُحَمَّد بن زُرَيْق لما مَاتَ أَبوهُ وَكَانَ واليا على الثغور أبقاه وَمعنى قَوْله أبقى أى زُرَيْق مُحَمَّدًا وَأَبُو نَفِيس وَهُوَ نَفِيس والثغور حفظهَا نَفِيس لِأَنَّهُ يذب عَن ترك الْمُسلمين ويجاهد الْكفَّار فَلَا شئ أشرف من الْجِهَاد وَهَذَا المخلص جَاءَ بِهِ على عَادَة الْعَرَب يخرجُون إِلَى المديح بِغَيْر تعلق بالتشبيب وَمثله كثير لأبى تَمام والبحترى وَجَمَاعَة من المولدين وَقد قَالَ البحترى فى مدح المتَوَكل (أحْنُو عليكِ وفى فُؤَادى لَوْعَةٌ ... وأصدُّ عنكِ ووجهُ وُدّى مُقْبِلُ) (وَإِذا طلبتُ وصال غيرِك رَدَّنى ... وَلَهٌ إليكِ وشافِعٌ لَك أوَّلُ) (إنَّ الرَّعيَّة لم تزَل فى سِيرَةٍ ... عُمَرِيَّةٍ مُذْ ساسَها المُتَوكِّلُ)
٧إن حل فارقت الخزائن ماله
أو سار فارقت الجسوم الروسا
العكبري: الْغَرِيب جمع الرَّأْس رُءُوس على فعول وَهُوَ الذى نَعْرِف وَلكنه جمعه على فعل وَهُوَ نَادِر وَقد جمع فعل على فعل مثل فرس ورد وخيل ورد وسقف وسقف وَرهن وَرهن وَرجل ثط وَقوم ثط وَقد قَالَ امْرُؤ الْقَيْس (فيوْما إِلَى أهلى ودهْرِى إليكُم ... ويوْما أحُطُّ الخيلَ من رُءوس أجْبال) الْمَعْنى يَقُول إِذا أَقَامَ وَترك الْغَزْو فَارَقت أَمْوَاله خزائنه لِأَنَّهُ يهب وَيُعْطى من قَصده وَإِذا سَار للغزو فَارَقت جسوم الْأَعْدَاء رءوسها يصفه بِالْكَرمِ والشجاعة
٨ملكٌ إذا عاديت نفسك عاده
ورضيت أوحش ما كرهت أنيسا
العكبري: الْإِعْرَاب فى الْكَلَام تَقْدِيم وَتَأْخِير تَقْدِيره إِذا عاديت نَفسك ورضيت أوحش مَا كرهت فعاده وَلكنه حذف الْفَاء ضَرُورَة كبيت الْكتاب (مَنْ يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللهُ يَشْكُرُها ... ) وَقَالَ الواحدى لَا يجوز أَن يُرِيد بعاده التَّقَدُّم كَأَنَّهُ قَالَ ملك عَاده إِذا عاديت نَفسك لِأَن مَا بعد ملك من الْجُمْلَة صفة لَهُ وعاده امْر وَالْأَمر لَا يُوصف بِهِ لِأَن الْوَصْف لابد أَن يكون خَبرا يحْتَمل الصدْق وَالْكذب وَالْأَمر والنهى والاستفهام لَا تحْتَمل صدقا وَلَا كذبا الْمَعْنى يَقُول هُوَ ملك إِذا عاديته فقد عاديت نَفسك ورضيت أوحش الْأَشْيَاء الْمَكْرُوهَة وَهُوَ الْمَوْت أنيسا لِأَن من عَادَاهُ قَتله وأذاقه الْمَوْت لقدرته على الْأَعْدَاء
٩الخائض الغمرات غير مدافعٍ
والشمري المجعن الدعيسا
العكبري: الْإِعْرَاب نصب الخائض وَمَا بعده على الْمَدْح بِفعل مُضْمر قَالَ أَبُو الْفَتْح تَقْدِيره ذكرت أَو مدحت وَيجوز أَن يكون بَدَلا من الْهَاء فى عَاده كَقَوْل الشَّاعِر (على حالَةٍ لَو أنَّ فى القوْمِ حاتما ... على جودِهِ لَظَنَّ بالماءِ حاتمُ) الْغَرِيب الغمرات الشدائد والشمرى بِفَتْح الشين وَكسرهَا وَالْكَسْر أفْصح هُوَ المشمر الجاد فى الْأَمر والمطعن الْجيد الطعْن والدعيس فعيل من الدعس وَهُوَ من أبنية الْمُبَالغَة ودعسه بِالرُّمْحِ طعنه والرماح دواعس قَالَ الشَّاعِر (وَنحن صَبَحْنا آلَ نَجران غَارة ... تميمَ بن مُرّ والرّماحُ الدَّواعسُ) الْمَعْنى هُوَ يَخُوض الشدائد والأهوال فى الحروب وَهُوَ مَعَ ذَلِك جاد فى الْأَمر شَدِيد الْعَزْم جيد الطعْن فى الْأَعْدَاء
١٠كشفت جمهرة العباد فلم أجد
إلا مسوداً جنبه مرءوسا
العكبري: الْإِعْرَاب نصب جنبه تَشْبِيها بالظرف كَمَا يُقَال هَذَا حقير فى جنب هَذَا كَذَا قَالَ أَبُو الْفَتْح وَنَقله الواحدى حرفا فحرفا وَنَقله ابْن القطاع كَذَا الْغَرِيب جمهرة الشئ أَكْثَره وَكَذَا جمهوره الْمَعْنى يَقُول قد جربت جمَاعَة عباد الله فَلم أر أحدا إِلَّا والممدوح فَوْقه وَهُوَ سيد لَهُ قد ساده والمسود هُوَ الذى ساده غَيره والمرءوس الذى قد علا عَلَيْهِ غَيره بالرياسة وَالْمعْنَى هُوَ رَئِيس على النَّاس وَسيد لَهُم
١١بشرٌ تصور غايةً في آيةٍ
تنفي الظنون وتفسد التقييسا
العكبري: الْغَرِيب الْآيَة الْعَلامَة وهى تسْتَعْمل فى الْعَلامَة على قدرَة الله تَعَالَى الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح أَنْت الذى صورك الله بشرا ينفى الظنون حَتَّى لَا يتهم فى حَال وَلَا تسبق إِلَيْهِ ظنة وَلَيْسَ هَذَا من ظن التُّهْمَة وَإِنَّمَا هُوَ من الظَّن الذى هُوَ الْوَهم أى أَنه إِنْسَان لَا كالناس لما فِيهِ من صِفَات لَيست فيهم وَقد وَقع للنَّاس الشُّبْهَة وَالشَّكّ فى أمره وأفسد مقايستهم عَلَيْهِ وَقَالَ الواحدى إِن ظننته بحرا أَو بَدْرًا أَو سيدا أَو شمسا فَلَيْسَ على مَا ظَنَنْت بل هُوَ أفضل من ذَلِك وَفَوق مَا ظننته أى إِنَّه غَايَة فى الدّلَالَة على قدرَة الله تَعَالَى حِين خلق صورته بشرا آدَمِيًّا وَفِيه مَا لَا يُوجد فى غَيره حَتَّى نفى ظنون النَّاس فى يدْرك الظَّن وأفسد مقايستهم لِأَن الشئ يُقَاس على مثله ونطيره وَلَا نَظِير لَهُ وفى مَعْنَاهُ (أنتَ الذى لَو يُعابُ فَلَا مَلإٍ ... مَا عِيبَ إِلَّا بِأَنَّهُ بَشَرُ)
١٢وبه يضن على البرية لا بها
وعليه منها لا عليها يوسى
العكبري: الْغَرِيب الضن الْبُخْل وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا هُوَ على الْغَيْب بضنين﴾ فى قِرَاءَة من قَرَأَ بالضاد وهم الْأَكْثَر نَافِع وَعَاصِم وَابْن عَامر وَحَمْزَة والبرية الخليقة وهمزها نَافِع وَابْن ذكْوَان عَن ابْن عَامر وَقَوله يوسى يحزن وأسيت عَلَيْهِ أسى إِذا حزنت عَلَيْهِ الْمَعْنى يَقُول بِهَذَا يبخل على النَّاس كلهم لَا بهم وَقَالَ الواحدى يَقُول لَو جعل هُوَ فدَاء جَمِيع النَّاس بِأَن يسلمُوا كلهم دونه لم يساووا قدره فيبخل بِهِ عَلَيْهِم وَلَو جعلوهم كلهم فدَاء لَهُ لَا يبخل بهم عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أفضل مِنْهُم فَفِيهِ مِنْهُم خلف وَلَا خلف مِنْهُ فى جَمِيع النَّاس وَعَلِيهِ يحزن لَو هلك لَا على النَّاس كلهم والمصراع الثانى مُفَسّر للْأولِ قَالَ وَقَالَ ابْن جنى وَجه الضن هَهُنَا أَن يكون فيهم مثله حسدا لَهُم عَلَيْهِ // وَهَذَا محَال بَاطِل // لِأَنَّهُ إِذا بخل بِهِ المتنبى على النَّاس فقد تمنى هَلَاكه وَأَن يفقد من بَين النَّاس حَتَّى لَا يكون فيهم
١٣لو كان ذو القرنين أعمل رأيه
لما أتى الظلمات صرن شموسا
العكبري: الْغَرِيب ذُو القرنين هُوَ الْإِسْكَنْدَر الذى ملك الْبِلَاد وَدخل الظُّلُمَات وهى بحار وَقيل إِنَّهَا مظْلمَة عِنْد مُنْتَهى الببحر وأعمل اسْتعْمل الْمَعْنى يَقُول لَهُ رأى سديد فَلَو كَانَ الْإِسْكَنْدَر اسْتَعْملهُ لَأَضَاءَتْ لَهُ الظُّلُمَات وَهَذَا من الْمُبَالغَة وَالْمعْنَى من قَول الآخر (لَو كانَ فى الظُّلُماتِ شَعْشَعَ كأْسَها ... مَا جازَ ذُو القَرْنَينِ فى الظُّلُماتِ) وَمن قَول الآخر (لوْ أنَّ ذَا القَرْنَين فِى ظُلُماتِهِ ... ورآهُ يضحكُ لاسْتَضَاءَ بثَغْرِهِ)
١٤أو كان صادف رأس عازر سيفه
في يوم معركةٍ لأعيا عيسى
العكبري: الْغَرِيب عازر رجل من بنى إِسْرَائِيل هُوَ الذى أَحْيَاهُ الله لعيسى ابْن مَرْيَم وَيَوْم معركة يَوْم حَرْب وأعيا أعجز الْمَعْنى يَقُول هَذَا الذى أَحْيَاهُ الله لعيسى ابْن مَرْيَم لَو كَانَ قتل بِسَيْفِهِ فى الْحَرْب لعجز عِيسَى عَن إحيائه وَهَذَا من الإفراط الذى لَا يحْتَاج إِلَيْهِ نَعُوذ بِاللَّه مِنْهُ
١٥أو كان لج البحر مثل يمينه
ما انشق حتى جاز فيه موسى
العكبري: الْغَرِيب لج الْبَحْر معظمه ووسطه الْمَعْنى يَقُول لَو كَانَ مُعظم الْبَحْر مثل كَفه يعْنى فى الْجُود وَالعطَاء وَالْقُوَّة لما انْشَقَّ لمُوسَى وَهَذَا من الغلو والإفراط وَالْجهل
١٦أو كان للنيران ضوء جبينه
عبدت فكان العالمون مجوسا
العكبري: الْغَرِيب الْمَجُوس طَائِفَة من النَّاس يعْبدُونَ النَّار الْمَعْنى لَو كَانَ ضوء النَّار كضوء جَبينه عبدت من دون الله تَعَالَى فَصَارَت الطوائف كلهَا من الْأَدْيَان الْمُخْتَلفَة مجوسا وعبدوا النَّار
١٧ولحظت أنمله فسلن مواهباً
ولمست منصله فسال نفوسا
العكبري: الْإِعْرَاب موهبا ونفوساً تمييزان أنمل وَجمع أُنْمُلَة جمع أُنْمُلَة وهى الْأَصَابِع والمنصل السَّيْف الْمَعْنى قَالَ الواحدى لحظ الأنامل كِنَايَة عَن الاستمطار ولمس المنصل كِنَايَة عَن الاستنصار يَقُول تعرضت لعطائه فسالت بالمواهب أنامله وتعرضت لإعانته إياى فَسَالَ سَيْفه بنفوس الْأَعْدَاء لِأَنَّهُ قَتلهمْ وَهُوَ من قَول البحترى (تَلْقاهُ يقطُرُ سيْفُهُ وسِنانُهُ ... وبنانُ راحتِهِ لَدًى وَنجِيعَا) ولد عبل (وَعلَى أيمَانِنا يَجْرِى النَّدَى ... وَعَلى أسْيافِنا تَجْرِى المُهَجْ)
١٨صدق المخبر عنك دونك وصفه
من بالعراق يراك في طرسوسا
العكبري: الْإِعْرَاب وَصفه ابْتِدَاء ودونك الْخَبَر وَمن فَاعل يراك وَلم يصرف طرسوس لما فِيهِ من التَّعْرِيف والتأنيث والعجمة الْمَعْنى يَقُول وصف من أثنى عَلَيْك بِالْكَرمِ والشجاعة دُونك لِأَنَّك أعظم مِمَّا وصف بِهِ أى الذى أخبر عَنْك صَادِق وَوَصفه دون مَا تستحقه وَتمّ الْكَلَام واستأنف من بالعراق أى لميله إِلَيْك ومحبته لَك كَأَنَّهُ يراك كَقَوْل كثير (أُرِيدُ لأَنْسَى ذِكْرَها فَكَأنَّمَا ... تَمَثَّلُ لى لَيْلَى بِكُلْ سَبِيلِ) وكقول أَبى نواس (مَلِكٌ تَصَوَّر فى القُلُوبِ مِثالُهُ ... فَكأنَّهُ لَم يَخْلُ مِنْهُ مَكانُ) قَالَ الواحدى يُرِيد أَن آثاره بالعراق ظَاهِرَة وَذكره شَائِع بهَا فَكَانَ من بهَا يرَاهُ وَهُوَ بطرسوس وَقد قصر حَيْثُ قَالَ من بالعراق وَاقْتصر على أهل الْعرَاق وَقد اسْتَوْفَاهُ فى مَوضِع آخر بقوله هَذَا الذى أَبْصرت مِنْهُ حَاضرا الخ
١٩بلدٌ أقمت به وذكرك سائرٌ
يشنا المقيل ويكره التعريسا
العكبري: الْغَرِيب المقيل القيلولة وَقت القائلة والتعريس النُّزُول فى آخر اللَّيْل ويشنا يبغض وَهُوَ مَهْمُوز فأبدل الْهمزَة ألفا الْمَعْنى يَقُول هَذَا بلد يُرِيد طرسوس أَقمت بِهِ وذكرك فى الْآفَاق سَائِر لَيْلًا وَنَهَارًا لَا يطْلب المقيل وَلَا التَّعْرِيس وَهُوَ مَنْقُول من قَول الطائى (جَرَّرتُ فى مدحيكَ حَبْلَ قَصاَئدٍ ... جالَتْ بك الدُّنْيا وأنتَ مُقيمُ)
٢٠إني نثرت عليك دراً فانتقد
كثر المدلس فاحذر التدليسا
العكبري: الْغَرِيب نقدت فلَانا الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير أى أعطيتهَا لَهُ فانتقدها أى أَخذهَا ونقدت الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير وانتقدتها أخرجت الزيف مِنْهَا وَنقد كَلَامه وانتقده كَذَلِك والتدليس إخفاء الْعَيْب وَمِنْه التَّدْلِيس فى كَلَام الْمُحدثين وَهُوَ أَن يرْوى الرجل عَن رجل قد تكلم فِيهِ بِضعْف أَو غَيره فَيَقُول حَدثنَا فلَان باسمه وَهُوَ يعرف بكنيته أَو بكنيته وَهُوَ يعرف باسمه أَبُو باسمه وَاسم جده أَو جد جده كَمَا فعل مُحَمَّد بن إِسْمَعِيل البخارى لما وَقع بَينه وَبَين شَيْخه مُحَمَّد بن يحي الذهلي فَكَانَ يَقُول حَدثنَا مُحَمَّد بِغَيْر نسب وَيَقُول فِي مَوضِع آخر حَدثنَا مُحَمَّد بن فَارس باسم جده الْأَكْبَر الْمَعْنى قد نثرت عَلَيْك درا يعْنى شعره فانتقده لتعلم بِهِ الْجيد من الردئ لِأَن الشُّعَرَاء قد كَثُرُوا يبيعون الشّعْر الردئ فاحذر تدليسهم عَلَيْك وانتقد شعرى فَإِنَّهُ در نثرته عَلَيْك حَتَّى تعلم جيد الشّعْر من رديئه وصدره من قَول الحكمى (نَثرْتُ عليكَ الدُّرَّ يَا دُرَّ هاشِمٍ ... فَيا مَنْ رأى دُرّا على الدُّرّ يُنْثَرُ) وعجزه ينظر إِلَى قَول ابْن الرومى (أوَّلُ مَا أسأَلُ مِنْ حاجَةٍ ... أنْ يُقْرأُ الشِّعْرُ إِلَى آخِرِهْ) (ثُمَّ كَفانِى بالَّذِى تَرتَئىِ ... فى جَوْدَةٍ الشِّعْرِ وفى شاعِرِهْ)
٢١حجبتها عن أهل أنطاكيةٍ
وجلوتها لك فاجتليت عروسا
العكبري: الْإِعْرَاب عروسا حَال من القصيدة قَالَ الواحدى وَيجوز أَن يكون حَالا من الممدوح لِأَن الْعَرُوس يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى وَهَذَا إِذا أَرَادَ فاجتليتها أى قدر ضميرا وَإِذا لم يقدر فهى مفعول لاجتليت وَالضَّمِير فى حَجَبتهَا وجلوتها للقصيدة وَإِن لم يجر لَهَا ذكر وَإِنَّمَا ذكر الدّرّ وَالْمعْنَى أَنى أنشدتك قصيدة فَالضَّمِير على الْمَعْنى الْمَعْنى يُرِيد أَنى مدحتك بِهَذِهِ القصيدة وَلم أمدح أهل أنطاكية يعرض بِبَعْض الأكابر فِيهَا وأظهرتها لَك أى عرضتها عَلَيْك كَمَا تعرض الْعَرُوس وجلوتها كَمَا تجلى الْعَرُوس فاجتليتها وَنظرت إِلَيْهَا كَمَا ينظر الْعَرُوس عِنْد الزفاف إِلَى الزَّوْج وخصصتك بهَا دون غَيْرك من أهل أنطاكية
٢٢خير الطيور على القصور وشرها
يأوي الخراب ويسكن الناووسا
العكبري: الْإِعْرَاب يُقَال أَنْت أويت إِلَى الْمَكَان قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِذْ أَوَى الْفتية إِلَى الْكَهْف﴾ وَقَوله يأوى الخراب أَرَادَ إِلَى فعداه كبيت الْكتاب قَالَ (أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ مَا أمرت بِهِ ... ) أى بِالْخَيرِ فَلَمَّا حذف عداهُ الْغَرِيب الطُّيُور جمع طير وطير جمع طَائِر فالطير اسْم جنس يَقع على الْوَاحِد وَالْجمع قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالطير صافات﴾ وفى قَوْله تَعَالَى ﴿من الطين كَهَيئَةِ الطير﴾ هُوَ مُفْرد وَدَلِيله قِرَاءَة نَافِع كَهَيئَةِ الطَّائِر والناووس لَيْسَ بعربى وَهُوَ مَقَابِر النَّصَارَى وَقيل مَقَابِر الْمَجُوس الْمَعْنى خير الشّعْر مَا يمدح بِهِ الْمُلُوك كالطير النفيس مثل البزاة وأمثالها تطير إِلَى قُصُور الْمُلُوك وَشر الشّعْر مَا يمدح بِهِ اللئام الأراذل كالطير الذى يأوى إِلَى الخراب ومقابر الْمَجُوس لِأَنَّهَا مهجورة لَا تزار يعْنى أَنْت خير النَّاس وشعرى خير الشّعْر والجيد للجيد والردئ للردئ
٢٣لو جادت الدنيا فدتك بأهلها
أو جاهدت كتبت عليك حبيسا
العكبري: الْغَرِيب الحبيس الْمَحْبُوس وَهُوَ الْوَقْف الذى لَا يُبَاع وَلَا يُوهب الْمَعْنى لَو كَانَت الدُّنْيَا ذَات جود وكرم لفدتك بِأَهْلِهَا وأبقتك خَالِدا وَلَو كَانَت غَازِيَة مجاهدة لكتبت عَلَيْك وَقفا مَحْبُوسًا وَكَانَت لَا تغزو إِلَّا لَك وعنك وبأمرك وَهَذَا مُحَمَّد الممدوح كَانَ صَاحب غزوات لِأَنَّهُ كَانَ على الثغور فى وَجه الرّوم ذابا عَن الْمُسلمين
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.