تجاوز إلى المحتوى

غيري بأكثر هذا الناس ينخدع

المتنبيالبسيطالعصر العباسي

اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه

عن القصيدة

«غيري بأكثر هذا الناس ينخدع» من شعر المتنبي، من العصر العباسي، وتقع في ٤٩ بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف العين.

بحر البسيط: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن · قصائد أخرى رويّها العين

من هذه القصيدة في كتب التراث

معنى قول المتنبي

وَالمَشرَفِيَّةُ لا زالَت مُشَرَّفَةً

دَواءُ كُلِّ كَريمٍ أَوهِيَ الوَجَعُ

قال الواحدي في «شرح ديوان المتنبي»: يقول السيف دواء الكريم أو داؤه لأنه أما أن يملك به أو يقتل فيهلك وقوله لا زالت مشرفة من روى مشرفة بفتح الراء فهو دعاء للسيف ومن روى بكسر الراء فمعناه لا كانت داء بل كانت دواء.

شرح القصيدة بيتًا بيتًا
  1. ١

    غَيري بِأَكثَرِ هَذا الناسِ يَنخَدِعُ

    إِن قاتَلوا جَبُنوا أَو حَدَّثوا شَجُعوا

    الواحدي: إنما قال هذا ولم يقل هؤلاء لأنه ذهب إلى لفظ الناس لا إلى معناه يقول لا انخدع بالناس فاعتقد فيهم الجميل لأنهم يجبنون عند القتال ويشجعون عند الحديث إنما شجاعتهم بالقول لا بالفعل فلا أغتر بقولهم:

  2. ٢

    أَهلُ الحَفيظَةِ إِلّا أَن تُجَرِّبُهُم

    وَفي التَجارِبِ بَعدَ الغَيِّ ما يَزَعُ

    الواحدي: يقول هم أهل الحمية والحفاظ غير مجربين فإذا جربتهم لم يكونوا كذلك وفي تجربتهم بعد ظهور غيهم ما يمنعك عن مخالطتهم.

  3. ٣

    وَما الحَياةُ وَنَفسي بَعدَ ما عَلِمَت

    أَنَّ الحَياةَ كَما لا تَشتَهي طَبَعُ

    الواحدي: ونفسي في موضع رفع عطفا على الحياة ومعناه مع الحيوة كما تقول ما أنت وزيد أي مع زيد يقول بعد أن علمت أن الحيوة غير المشتهاة طبع ودنس وما لنفسي مع الحيوة يعني لا أريدها.

  4. ٤

    لَيسَ الجَمالُ لِوَجهٍ صَحَّ مارِنُهُ

    أَنفُ العَزيزِ بِقَطعِ العِزِّ يُجتَدَعُ

    الواحدي: يقول ما كل وجه صحيح المارن بجميلٍ فإن من أذل كالمجتجع وإن كان صحيح الأنف.

    العكبري: الْغَرِيب المارن مقدم الْأنف وَهُوَ مالان مِنْهُ الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ كل صَحِيح الْأنف بجميل وَقصد الْأنف لِأَن الْعَرَب تقصد الْأنف من بَين سَائِر الْأَعْضَاء فَيُقَال أرْغم الله أَنفه يَقُول لَيْسَ جمال الْوَجْه بسلامة ظَاهره فَأَنف الْعَزِيز يجتدع بِزَوَال الْعِزّ عَنهُ فَإِذا قطع عزه فَكَأَنَّهُ فى الْحَقِيقَة قد جدع أَنفه وَإِن كَانَ أَنفه صَحِيحا وَفِيه نظر إِلَى قَوْله الطائى (ليسَ جَدْعُ الأُنوفِ عِنْدىَ جَدْعا ... إنَّ ذُلَّ النُّفُوسِ قَتْلٌ وَجَدْعُ)

  5. ٥

    أَأَطرَحُ المَجدَ عَن كِتفي وَأَطلُبُهُ

    وَأَترُكُ الغَيثَ في غِمدي وَأَنتَجِعُ

    الواحدي: عني بالمجد والغيث السيف لأن كليهما يدرك به والمعنى أن الشرف وسعة العيش إنما يدركان السيف فلا أترك سيفي وأطلبهما بشيء آخر.

    العكبري: الْإِعْرَاب جمع بَين الهمزتين وحققهما وَقد جمع بَينهمَا الْقُرَّاء وحققوهما فى مثل هَذَا إِذا كَانَتَا من كلمة وَاحِدَة وحققهما الْكُوفِيُّونَ وَهِشَام عَن ابْن عَامر لم يحققهما إِذا كَانَتَا من كَلِمَتَيْنِ وحققهما الْكُوفِيُّونَ وَابْن عَامر من طَرِيقه الْغَرِيب الانتجاع طلب الكلإ هَذَا أَصله ثمَّ صَار كل طلب انتجاعا الْمَعْنى يَقُول الشّرف وسعة الرزق يطلبان بِالسَّيْفِ فَلم أطلبهما بشئ آخر أى أترك أَن أحوز الْمجد بِالسَّيْفِ وأكسب المَال من طَرِيق الْحَرْب وأتناول ذَلِك بِالطَّلَبِ وأتكلف فِيهِ أَشد التَّعَب وأكون كمن طرح عَن كتفه مَا يطْلب وَترك فى غمده مَا ينتجعه

  6. ٦

    وَالمَشرَفِيَّةُ لا زالَت مُشَرَّفَةً

    دَواءُ كُلِّ كَريمٍ أَوهِيَ الوَجَعُ

    الواحدي: يقول السيف دواء الكريم أو داؤه لأنه أما أن يملك به أو يقتل فيهلك وقوله لا زالت مشرفة من روى مشرفة بفتح الراء فهو دعاء للسيف ومن روى بكسر الراء فمعناه لا كانت داء بل كانت دواء.

    العكبري: الْإِعْرَاب من روى مشرفة بِفَتْح الرَّاء جعله دُعَاء لَهَا وَمن روى بِالْكَسْرِ فَمَعْنَاه لَا كَانَت دَاء بل كَانَت دَوَاء الْمَعْنى السيوف لَا زَالَت مشرفة وأبدع فى حسن التَّجْنِيس وَقَوله دَوَاء كل كريم الخ أى إِمَّا أَن يملك بهَا أَو يقتل بهَا يَقُول إِمَّا أَن يصل بِالسُّيُوفِ إِلَى بغيته فَتكون كالدواء وَإِمَّا أَن يقتل بهَا دون مُرَاده فَتكون لَهُ كالوجع وَهُوَ ينظر إِلَى قَول البحترى (وَعِنْدَ بُقْرَاطَ دَاءٌ لَوْ تَأمَّلَهُ ... قالَ الشِّفاءُ بِحَدّ البِيضِ والأسَلِ)

  7. ٧

    وَفارِسُ الخَيلِ مَن خَفَّت فَوَقَّرَها

    في الدَربِ وَالدَمُ في أَعطافِها دَفعُ

    الواحدي: يقول فارس الخيل الذي حين خفت الخيل من الفزع للهزيمة وقرها وثبتها في المضيق والدم كثير في اعطافها أي في جوانبها يعني أن الدم مصبوبٌ عليها ويريد بفارس الخيل سيف الدولة فإن خيله أرادت الهزيمة فثبتهم في مضيق من مضائق الروم.

    العكبري: الْغَرِيب وقرها ثبتها والدرب الْمضيق والمدخل إِلَى بِلَاد الْعَدو والأعطاف جمع عطف وَهُوَ الْجَانِب وَالدَّفْع أَن يدْفع شئ بعد شئ الْمَعْنى يُرِيد بِفَارِس الْخَيل سيف الدولة لِأَنَّهُ أظهر فى هَذِه الْوَقْعَة من جلده وثباته وَأَرَادَ جَيْشه الْهَزِيمَة فثبتهم فى مضيق من مضايق الرّوم وَيعرف هَذَا الْموضع بعقبة السّير وهى عِقَاب صعبة ضيقَة وَنزل سيف الدولة على نهر قريب مِنْهَا فَلَمَّا جنه اللَّيْل تسلل أَصْحَابه عَنهُ وبقى وحيدا فثبتهم وَوقر الرجل من الْوَقار يوقر وَوقر يقر إِذا ثَبت وَقد جَاءَ الْوَجْهَانِ فى قَوْله تَعَالَى ( ﴿وَقرن فِي بيوتكن﴾ فِيمَن كسر وَفتح فَفتح نَافِع وَعَاصِم وَقَالَ أَبُو الْفَتْح فَارس الْخَيل يُرِيد إِذا اجْتمعت الْخَيل مَوْصُوفَة بالفروسية كَانَ أفرسهم كَقَوْلِك شَاعِر الْقَوْم فَيحْتَمل أَن يَكُونُوا كلهم شعراء وَيجوز أَن يكون وَحده شَاعِرًا وَإِذا قلت هَذَا شَاعِر الرجلَيْن لم يخْتَص بِهِ الْوَصْف دون الآخر بل تعمهما الصّفة لِأَنَّهُ يجرى مجْرى أشعر الرجلَيْن فلابد من أَن يَكُونَا شاعرين وَلَا تَقول هَذَا غُلَام الرجلَيْن وَأَحَدهمَا الْغُلَام وَالْآخر صَاحبه كَمَا لَا تَقول شَاعِر الرجلَيْن وَأَحَدهمَا شَاعِر دون صَاحبه

  8. ٨

    وَأَوحَدَتهُ وَما في قَلبِهِ قَلَقٌ

    وَأَغضَبَتهُ وَما في لَفظِهِ قَذَعُ

    الواحدي: يقول أفردته الخيل فتركوه مفردا وتفرقوا عنه فلم يقلق قلبه لشجاعته وأغضبوه بالانحياز فلم يوجد في لفظه فحش ولا خنى أي أنه حليم عند الغضب شجاع وإن كان وحده.

    العكبري: الْإِعْرَاب الضَّمِير فى أوحدته للخيل وَكَذَا فى أغضبته وَهُوَ ضمير مَرْفُوع وَالضَّمِير الآخر لسيف الدولة وَهُوَ مفعول الْغَرِيب القذع الْفُحْش والسب وقذعت الرجل وأقذعته إِذا أسمعته كلَاما قبيحا الْمَعْنى يَقُول لما أفرده أَصْحَابه لم يقلق وَلم يفرق لشجاعته وَكَذَا لما أغضبوه لم يفحش عَلَيْهِم لِأَنَّهُ حَكِيم حَلِيم عِنْد غَضَبه وَهُوَ شُجَاع وَحده فَلَا يبالى بالجيش أَقَامَ مَعَه أَولا

  9. ٩

    بِالجَيشِ تَمتَنِعُ الساداتُ كُلُّهُمُ

    وَالجَيشُ بِاِبنِ أَبي الهَيجاءِ يَمتَنِعُ

    الواحدي: يقول عز الملوك وامتناعهم عن عدوهم بجيوشهم لأنهم بهم يقوون وعز جيشك بك لأنهم لا يمتنعون عن عدوهم إذا لم تكن فيهم.

    العكبري: الْغَرِيب الْجَيْش هُوَ الْعَسْكَر وَابْن أَبى الهيجاء هُوَ سيف الدولة الْمَعْنى يَقُول الْمُلُوك كلهم عزهم ومنعتهم بجيشهم لِأَنَّهُ يمنعهُم من الْأَعْدَاء وَأَنت عز الْجَيْش بك فَإِذا لم تكن فيهم لَا يمتنعون عَن عدوهم فَأَنت عز وحصن لَهُم فى الْحَقِيقَة وَهُوَ // معنى حسن //

  10. ١٠

    قادَ المَقانِبَ أَقصى شُربِها نَهَلٌ

    عَلى الشَكيمِ وَأَدنى سَيرِها سِرَعُ

    الواحدي: قاد الجيوش مسرعا بها حتى كان أبلغ شرب خيلهم مرةً واحدة على حديد اللجام ولم يتفرغوا لشدة السير أن يخلعوا اللجم وأقل سيرها أسراع والسرع السرعة وهو مصدر سرع مثل ضخم ضخما.

    العكبري: الْإِعْرَاب السرع بِكَسْر السِّين مصدر سرع مثل ضخم ضخما الْغَرِيب المقانب جمع مقنب وَهُوَ زهاء الثلثمائة من الْخَيل والنهل الشّرْب الأول والشكيم جمع شكيمة وهى الحديدة الَّتِى تعرض فى اللجام الْمَعْنى يَقُول قاد الجيوش مسرعا إِلَى أَرض الْعَدو فخيله لَا تشرب إِلَّا الشربة الأولى وهى النهل على اللجم حَتَّى أَنهم لَا يتفرغون أَن يدعوا لجم الْخَيل لإسراعهم يُشِير إِلَى الْحَال الَّتِى كَانَ عَلَيْهَا سيف الدولة من الِاجْتِهَاد فى لِقَاء الْعَدو فوصف أَن خيله كَانَت تشرب الشّرْب الأول واللجم فى أفواهها وَأدنى سَيرهَا الْإِسْرَاع وَهُوَ غَايَة الجرى يصف جده واجتهاده

  11. ١١

    لا يَعتَقي بَلَدٌ مَسراهُ عَن بَلَدٍ

    كَالمَوتِ لَيسَ لَهُ رِيٌّ وَلا شِبَعُ

    الواحدي: لا يعتقى معناه لا يعتاق يقال عاقه واعتاقه ثم يقلب ويقال عقاه واعتقاه يقول سيره إلى البلد لا يمنع سيره إلى غيره كالموت الذي يعم فلا يروي ولا يشبع.

    العكبري: الْغَرِيب يعتقى يُقَال عقاه واعتقاه بقلب عاقه واعتاقه إِلَى عقاه واعتقاه والرى ضد الظمأ والشبع ضد الْجُوع والمسرى مفعل من السرى الْمَعْنى يَقُول سَار مسرعا إِلَى الْعَدو لَا يعوقه بلد عَن قصد غَيره وَلَا يعتاقه حصن يَفْتَحهُ عَن حصن غَيره فَهُوَ كالموت يعم وَلَا يقنعة كَثْرَة من يفنيه فَهُوَ لَا يرْوى وَلَا يشْبع من إهلاك الْأَنْفس قَالَ ابْن وَكِيع اسْتِعَارَة لفظ الْأكل وَالشرب لمن يَأْكُل وَيشْرب أحسن من اسْتِعَارَة أَبى الطّيب إيَّاهُمَا للْمَوْت ثمَّ أنْشد قَول لَقِيط (لَا حَرْثَ يَشْغَلهُمُ بلْ لَا يَرَوْنَ بِهِمْ ... مِنْ دُونِ بِيضِكُمُ رِيًّا وَلا شِبَعَا)

  12. ١٢

    حَتّى أَقامَ عَلى أَرباضِ خَرشَنَةٍ

    تَشقى بِهِ الرومُ وَالصُلبانُ وَالبِيَعُ

    الواحدي: خرشنة معروفة في بلاد الروم والربض ما حول المدينة يقول أقام بها وقد شقيت به الروم لأنه يقتلهم ويحرق صلبهم ويخرب بيعهم.

    العكبري: الْغَرِيب خرشنة بلد من بِلَاد الرّوم وإقامته عَلَيْهَا لتشقى بهَا الرّوم وَمَا حوت من الصلبان وَالْبيع والصلبان جمع صَلِيب كرغيف ورغفان وَالْبيع جمع بيعَة وهى كنائس النَّصَارَى وَمِنْه (لهدمت صوامع وَبيع ... ) والربض مَا حول الْمَدِينَة من الْعِمَارَة الْمَعْنى يَقُول مَا زَالَ يسْرع بخيله حَتَّى قَامَ نازلا على أرباض هَذَا الْموضع وَهُوَ فى وسط بِلَاد الرّوم فَحِينَئِذٍ شقيت الرّوم وَمَا تعبد وهجرت كنائسها

  13. ١٣

    لِلسَبيِ ما نَكَحوا وَالقَتلِ ما وَلَدوا

    وَالنَهبِ ما جَمَعوا وَالنارِ ما زَرَعوا

    الواحدي: أقام ما مقام من في المصراع الأول ليوافق ما في المصراع الثاني وذلك جائز كقوله تعالى والسماء وما بناها وحكى أبو زيد سبحان ما يسبح الرعد بحمده.

    العكبري: الْإِعْرَاب أَقَامَ مَا لما يعقل للموافقة لما فى المصراع الثانى وَيجوز أَن يكون حمل مَا على الْمصدر يُرِيد للسبى نكاحهم وَالْقَتْل ولادتهم وَقَالَ أَبُو الْفَتْح عطف على معمولين وَمَا فى مَوضِع رفع على الِابْتِدَاء على التفسيرين الْمَعْنى يَقُول لما نزل بِهَذِهِ الْبِلَاد أهلك أَهلهَا بسبى أَوْلَادهم الأصاغر وَنِسَائِهِمْ وَقتل أَوْلَادهم الأكابر وَنهب أَمْوَالهم وإحراق زُرُوعهمْ وَاللَّام فى قَوْله للسبى لَام الْعَاقِبَة كَقَوْلِه (لِدوا للمَوْتِ وابنُوا للخَرابِ ... ) أى عاقبتهما إِلَى هَذَا وَقد زَاد على أَبى تَمام فى قَوْله (لمْ تَبْقَ مُشْرِكَةٌ إلَاّ وَقدْ عِلِمَتْ ... إنْ لَمْ تَتُبْ أنهَّه للسَّبْىِ مَا تَلِدُ)

  14. ١٤

    مُخلىً لَهُ المَرجُ مَنصوباً بِصارِخَةٍ

    لَهُ المَنابِرُ مَشهوداً بِها الجُمَعُ

    الواحدي: نصب مخلى ومنصوبا على الحال من سيف الدولة ونصب مشهودا على الحال من صارخة وهي مدينة بالروم وكان الوجه أن يقول منصوبةً ومشهودةً إلا أن التذكير جائز على قولك نصب المنابر وشهد الجمع والمعنى أنه بلغ النهاية في النكاية في الكفر حتى أخلى له المرج ونصبت المنابر التي هي شعار الإسلام بصارخة

    العكبري: الْإِعْرَاب مخلى لَهُ ومنصوبا حالان من سيف الدولة ومشهودا حَال من صارخة قَالَ أَبُو الْفَتْح وَالْأولَى أَن يُقَال مَنْصُوبَة ومشهودة إِلَّا أَن التَّذْكِير جَائِز على قَوْلك نصب المنابر وَشهد الْجمع وَنَقله الواحدى حرفا فحرفا الْغَرِيب المرج مَوضِع بِبِلَاد الرّوم وصارخة مَدِينَة من مدائنهم وَالْجمع جمع جمعه كجمعات الْمَعْنى يَقُول سيف الدولة بلغ النِّهَايَة فى إهلاك الرّوم حَتَّى نصبت لَهُ المنابر وَشهِدت الْجمع ببلادهم وَأقَام الْمُسلمُونَ بِأَرْض الرّوم فصاروا كالساكن بهَا قد اقتدروا على ملكهَا حَتَّى نصبوا المنابر وجمعوا الْجمع وَهَذَا غَايَة النكاية فى الْعَدو وَالروم لَا يقدرُونَ على الظُّهُور لما يجدونه من عَسْكَر سيف الدولة

  15. ١٥

    يُطَمِّعُ الطَيرَ فيهِم طولُ أَكلِهِمُ

    حَتّى تَكادَ عَلى أَحيائِهِم تَقَعُ

    العكبري: الْمَعْنى يَقُول إِن سيف الدولة قد أدام قتل الرّوم وقوت الطير بلجومهم فى وقائعه فَصَارَ يطْعمهَا من لُحُوم الْقَتْلَى حَتَّى تكَاد تقع على الْأَحْيَاء لتأكلهم وتكاد تقَارب وَذَلِكَ لِأَنَّهَا قد تعودت أكل الْأَجْسَام فَصَارَت بِالْعَادَةِ تعترض الْأَحْيَاء فى طرقها فتكاد تخطفهم

  16. ١٦

    وَلَو رَآهُ حَوارِيّوهُمُ لَبَنوا

    عَلى مَحَبَّتِهِ الشَرعَ الَّذي شَرَعوا

    الواحدي: يعني بالحواريين أصحاب عيسى عليه السلام وأضافهم إليهم لأنهم يدعون شرعهم واتباعهم يقول لو رأى الحواريون سيف الدولة لا وجبوا محبته فيما يشرعون للنصارى من الشرع.

    العكبري: الْغَرِيب الحواريون أَصْحَاب عِيسَى ﵇ وفى تسميتهم بِهَذَا الِاسْم أَقْوَال أَحدهَا أَنهم كَانُوا قصارين يبيضون الثِّيَاب وَمِنْه الْحور لبياض فى عيونهن والحواريات النِّسَاء قَالَ الشَّاعِر (فَقُلْ للْحَوَارِيَّاتِ يَبْكِينَ غَيْرَنا ... وَلا تَبْكِنا إلَاّ الكِلابُ النَّوَابِحُ) وَمِنْه الْخبز الحوارى لبياضه وَقيل الحوارى هُوَ النَّاصِر وَكَانُوا أنصار عِيسَى بن مَرْيَم ﵉ وَمِنْه قَوْله " الزبير ابْن عمتى هُوَ حواريى من أمتى " وَقيل هم أصفياء الْأَنْبِيَاء وخاصتهم وأضافهم إِلَى النَّصَارَى لأَنهم كَانُوا يدعونَ شرعهم واتباعهم فِيمَا يشرعون لَهُم الْمَعْنى يَقُول لَو رأى سيف الدولة الحواريون وَرَأَوا عدله وإنصافه وَكَرمه مَعَ مَوضِع الحواريين واجتماعهم على الْحق لبنوا شَرِيعَة الرّوم على محبته وألزموا الرّوم الدُّخُول فى طَاعَته

  17. ١٧

    ذَمَّ الدُمُستُقُ عَينَيهِ وَقَد طَلَعَت

    سودُ الغَمامِ فَظَنّوا أَنَّها قَزَعُ

    الواحدي: القعز المتفرق من السحاب واحدتها قزعة وابن جنى يشير إلى أن معنى هذا البيت إن الدمستق تحير حتى أنكر حاسةَ بصره فرأى الغمام قزعا لأنه قال معنى هذا البيت يشبه معنى قول البحتري، ولما التقى الجمعان لم يجتمع له، يداه ولم يثبت على البيضِ ناظره، قال ابن فورجة رأى الجيش العظيم فظنه قليلاً ورأى سحابا متراكمةً فظنها قطعا متفرقة هذا كلامه والمعنى لما وجد الأمر بخلاف ما أدركته عيناه ذم نظر عينيه.

    العكبري: الْغَرِيب الدمستق هُوَ صَاحب جَيش الرّوم والقزع المتفرق من السَّحَاب وَاحِدهَا قزعة الْمَعْنى أَن كتائب سيف الدولة لما أَقبلت متتابعة نظرها الدمستق وَأَصْحَابه فظنوها قطع الغمائم وتحيروا فِيهَا فَلم يدروا مَا هى فَلَمَّا تحققها ذمّ عَيْنَيْهِ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح تحير حَتَّى أنكر حاسة بَصَره وَقَالَ هُوَ يشبه قَول البحترى (فلمَّا الْتَقَى الجَمْعانِ لمْ تَجْتَمِعْ لَهُ ... يَدَاهُ وَلمْ يَثْبُتْ عَلى البِيضِ ناظِرهُ وَقَالَ ابْن فورجة رأى الْجَيْش الْعَظِيم فَظَنهُ قَلِيلا وَرَأى سَحَابَة متراكمة فظنها قطعا مُتَفَرِّقَة وَالْمعْنَى أَنه لما رأى الْأَمر بِخِلَاف مَا أَدْرَكته عَيناهُ ذمّ نظر عَيْنَيْهِ

  18. ١٨

    فيها الكُماةُ الَّتي مَفطومُهُا رَجُلُ

    عَلى الجِيادِ الَّتي حَولِيُّها جَذَعُ

    الواحدي: فيها أي في سود الغمام المراد بها عسكرُ سيف الدولة يقول صبيهم رجل عند الحرب وحولي خيلهم جذع وهو الذي أتى عليه حولان والمعنى أن الصغير في جيشه كبير يعظم أمره.

    العكبري: الْإِعْرَاب فِيهَا الضَّمِير لسود الْغَمَام وهى عَسْكَر سيف الدولة والكماة مُبْتَدأ وَالْجَار خَبره الْغَرِيب الكماة جمع كمى وَهُوَ الشجاع المتكمى فى سلاحه أى الْمُسْتَتر والجذع الذى أَتَى عَلَيْهِ حولان وَجمعه جذعان وجذاع والحولى الذى أَتَى عَلَيْهِ حول وَجمعه حوالى الْمَعْنى يُرِيد أَن صَغِيرهمْ كَبِيرهمْ عِنْد الْحَرْب وحولى خيلهم جذع يعظم أَمرهم وَأمر خيلهم

  19. ١٩

    تَذري اللُقانُ غُباراً في مَناخِرِها

    وَفي حَناجِرِها مِن آلِسٍ جُرَعُ

    الواحدي: قال ابن جنى أي لا تستقر فتشرب إنما هي تختلس الماء اختلاسا لما فيها من مواصلة السير قال ويجوز أن تكون شربت قليلا لعلمها بما يعقب شربها من شدة الركض وكذا تفعل كرام الخيل وليس المعنى على ما ذكر وإنما يصف مواصلتها السير يقول شربت الماء من آلس وبلغت اللقان قبل أن بالت ما شربته من آلس فماء هذا النهر في حلوقها وقد وصل إلى مناخرها غبار تراب هذا الموضع وبينهما على ما ذكر مسافة بعيدة.

    العكبري: الْغَرِيب اللقان مَوضِع بِبِلَاد الرّوم وآلس نهر هُنَاكَ الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح لَا تَسْتَقِر فَتَشرب إِنَّمَا تختلس المَاء اختلاسا بمواصلة السّير قَالَ وَيجوز أَن يكون شربت المَاء قَلِيلا لعلمها بِمَا يعقب سَيرهَا من شدَّة الركض وَكَذَا يفعل كرام الْخَيل قَالَ الواحدى لَيْسَ الْمَعْنى على مَا قَالَه وَإِنَّمَا يصف مواصلتها السّير يُرِيد أَنَّهَا شربت المَاء من آلس وَبَلغت اللقان قبل أَن بلعت مَا شربته من آلس فماء هَذَا النَّهر حلوقها وَقد وصل إِلَى مناخرها تُرَاب هَذَا الْموضع وَبَينهمَا بعد ومسافة وَقَالَ ابْن الإفليلى وصلت اللقان وحناجرها لم تَجف من مَاء النَّهَار يُشِير إِلَى ركض الْخَيل وَشدَّة إسراعها فى غاراتها // وَهَذَا مُبَالغَة //

  20. ٢٠

    كَأَنَّها تَتَلَقّاهُم لِتَسلُكَهُم

    فَالطَعنُ يَفتَحُ في الأَجوافِ ما تَسَعُ

    الواحدي: أي كأن خيله تأتي الروم لتدخل فيهم لأن طعن فوراسها يفتح في اجوافهم جراحاتٍ تسع الخيل يصف سعة الطعن.

    العكبري: الْمَعْنى يَقُول كَأَن خيله تتلقى الرّوم لتدخل فيهم والطعن يفتح من أجوافها مَا يسع الْخَيل قَالَ ابْن الإفليلى لتسلك أَجْسَادهم وتتخذها طرقا وَطعن فوارسها يفتح مَا يسعهم ويخرق مَا يضيق بهم وَلَيْسَ هَذَا الإفراط بِأَعْجَب من قَول النَّابِغَة (تَقُدُّ السَّلُوقَّى المُضَاعَفَ نَسْجُهُ ... وَتُوقِدُ بالصُّفَّاحِ نارَ الحُباحِبِ) وَمعنى الْبَيْت من قَول قيس بن الخطيم من أَبْيَات الحماسة (مَلَكْتُ بِها كَفِّى فأَنْهَرْتُ فَتْقَها ... يَرَى قائِمٌ مِنْ خَلْفِها مَا وَرَاءَها)

  21. ٢١

    تَهدي نَواظِرَها وَالحَربُ مُظلِمَةٌ

    مِنَ الأَسِنَّةِ نارٌ وَالقَنا شَمَعُ

    الواحدي: أي إذا اظلمت الحرب بالغبار هدت نواظر الخيل فيها نار الأسنة ولما استعار للأسنة نارا جعل القنا شمعا.

    العكبري: الْمَعْنى يَقُول خَلِيل سيف الدولة يهدى نواظرها فى وقائعه وظلمة الْغُبَار اتقاد الأسنة الَّتِى تشبه المصابيح لضيائها فى رُءُوس القنا الَّتِى تشبه الشمع فى إشراقها وَهَذَا من تَشْبِيه شَيْئَيْنِ بشيئين وَذَلِكَ غَايَة الإبداع وَلما اسْتعَار للأسنة نَارا جعل القنا شمعا وَهَذَا فى غَايَة الْحسن قَالَ ابْن وَكِيع ينظر فِيهِ إِلَى قَول النميرى (لَيْلٌ مِنَ النَّقْعِ لَا شَمْسٌ وَلا قَمَرٌ ... إلَاّ جَبِينُكَ والمَذْرُوبةُ الشُّرُعُ) وَقد أحسن فِيهِ البحترى بقوله (مَدَّ لَيْلاً مِنَ العَجاج فَمَا يَمْشُونَ فِيه إلَاّ بضَوْءِ السُّيُّوف ... ِ)

  22. ٢٢

    دونَ السِهامِ وَدونَ القُرِّ طافِحَةً

    عَلى نُفوسِهِمِ المُقوَرَّةُ المُزُعُ

    الواحدي: يقال الوهج الصيف وحرارته السهام والسهام وقوله طافحةٌ أي مسرعة يقال طفح يطفح إذا ذهب يعدو قال الأصمعي الطافح الذي يعدو والمقورة الضامرة والمزع جمع مزوع يقال مزع الفرس يمزع إذا مر خفيفا يقول قبل الصيف وحرارته وقبل الشتاء وبرده تأتيهم خيل سيف الدولة فتعدو على نفوسهم فتطأهم بحوافرها يعني أن له غزوتين في كل سنةٍ غزوة في الربيع وغزوة في الخريف وروى ابن جنى دون السهام ودون الفر والمعنى على هذه الرواية قبل أ، تصل إليهم سهام الرماة وقبل أن يفروا تهجم عليهم هذه الخيل العادية الضامرة.

    العكبري: الْغَرِيب القر الْبرد وطفح يطفح إِذا ذهب يعدو والمقورة الضامرة والمزع السريعة ومزع الظبى يمزع إِذا مر سَرِيعا وَكَذَلِكَ الْفرس وطافحة حَال من الْخَيل الْمَعْنى يَقُول قبل هجوم الْبرد تأتيهم خيل سيف الدولة فتعدو عَلَيْهِم وتطؤهم بحوافرها وَكَانَ لَهُ كل سنة غزوتان غَزْوَة فى الرّبيع وغزوة فى الخريف وروى ابْن جنى السِّهَام جمع سهم وَقَالَ قبل أَن يصل إِلَيْهِم سِهَام الرُّمَاة وَقبل أَن يَفروا تهجم عَلَيْهِم هَذِه الْخَيل الضامرة فروى الفر بِالْفَاءِ وَقَالَ سَأَلته عَنهُ فَقَالَ هَذِه الْخَيل طفحت عَلَيْهِم وَقد صَارَت أقرب إِلَى نُفُوسهم من السِّهَام وَمن أَن يَفروا يصف سرعَة الْخَيل وَأَنَّهَا قد ركبتهم وَغَشِيَتْهُمْ وروى وَغَيره (دون السِّهَام ... ) بِفَتْح السِّين وَهُوَ حر السمُوم وَقد سهم الرجل على مَا لم يسم فَاعله إِذا أَصَابَهُ السمُوم والسهام بِالضَّمِّ الضمور والتغير

  23. ٢٣

    إِذا دَعا العِلجُ عِلجاً حالَ بَينَهُما

    أَظمى تُفارِقُ مِنهُ أُختَها الضِلَعُ

    الواحدي: أظمى يعني رمحا اسمر والظمي السمرة ومنه قول بشرٍ، وفي نحره أظمى كأن كعوبه، نوى القسب عراصُ المهزةِ أسمرُ، يقول إذا استعان العلج بغيره حال بينهما رمح أظمى يفرق بين الضلعين.

    العكبري: الْغَرِيب العلج الرجل من كفار الْعَجم وَالْجمع علوج وأعلاج والأظمى الرمْح قَالَ بشر (وفِى نَحْرِهِ أظْمَى كأنَّ كُعُوبَهُ ... نَوَى القَسْب عَرَّاصُ المَهَزَّة أسمَرُ الْمَعْنى يَقُول إِذا اسْتَغَاثَ العلج بعلج حَال بَينهمَا رمح أظمى يفرق بَين الضلع وَأُخْتهَا فَكيف تفريقه بَين العلجين

  24. ٢٤

    أَجَلُّ مِن وَلَدِ الفُقّاسِ مُنكَتِفٌ

    إِذ فاتَهُنَّ وَأَمضى مِنهُ مُنصَرِعُ

    الواحدي: الفقاس جد الدمستق يقول أن هرب الدمستق وسبق الخيل بالفرار فلم تدركه فأجل منه وأعظم قدرا مأسور مشدود وأشجع منه مقتول مصروع.

    العكبري: الْإِعْرَاب أجل وأمضى ابتداءان ومنكتف ومنصرع خبران الْغَرِيب الفقاس قَالَ ابْن جنى هُوَ الدمستق كَأَنَّهُ لقبه قَالَ الواحدى هُوَ جده وَقَالَ ابْن الإفليلى هُوَ رَئِيس جَيش الرّوم الْمَعْنى يَقُول إِن فَاتَ الدمستق الرماح بهربه إِذْ هرب وَأسر من أَصْحَابه نَيف وَخَمْسُونَ رجلا فأجل مِنْهُ قدرا مأسور فى الْقَيْد وَالْحَدِيد لِأَنَّهُ قَاتل حَتَّى أسر وأمضى مِنْهُ فى الشجَاعَة منصرع مقتول لِأَنَّهُ قَاتل حَتَّى قتل وَلم ينهزم والدمستق وَإِن كَانَ حَيا أعجز مِمَّن كَانَ قتل وَإِن كَانَ أفلت فَهُوَ أذلّ مِمَّن أسر

  25. ٢٥

    وَما نَجا مِن شِفارِ البيضِ مُنفَلِتٌ

    نَجا وَمِنهُنَّ في أَحشائِهِ فَزَعُ

    الواحدي: أي لم ينج من السيوف من نجا إلا وفي قلبه منها فزع لأن ذلك الفزع يقتله ولو بعد حين.

    العكبري: الْغَرِيب شفار الْبيض حد السيوف وشفار جمع شفرة وهى حد السَّيْف الْمَعْنى يَقُول وَمَا نجا من حد السيوف منفلت أَنْجَاهُ فراره وَعَصَمَهُ من الْقَتْل هربه فَهُوَ لَا يَأْمَن لشدَّة فزعه وَمن كَانَت هَذِه حَاله فحياته موت ونجاته هلك فَهُوَ ينظر إِلَى قَول حبيب (إنْ يَنْجُ منكَ أَبُو نَصْرٍ فَعَنْ قَدَرٍ ... تَنْجو الرّجالُ وَلكِنْ سَلْه كيفَ نَجا)

  26. ٢٦

    يُباشِرُ الأَمنَ دَهراً وَهوَ مُختَبَلٌ

    وَيَشرَبُ الخَمرَ حَولاً وَهوَ مُمتَقَعُ

    الواحدي: يقول يصير إلى مأمنه فيعيش في الأمن دهرا وهو فاسد العقل لشدة ما لحقه من الفزع ويشرب الخمر وهو ممتقع اللون لاستيلاء الصفرة عليه لا يغير الخمر لونه إلى الحمرة.

    العكبري: الْغَرِيب المختبل الذاهل المضطرب والممتقع الْمُتَغَيّر اللَّوْن الْمَعْنى يَقُول لما صَار فى مأمنه دهرا عَاشَ فَاسد الْعقل ذاهلا لشدَّة مَا لحقه من الْفَزع فَهُوَ يشرب الْخمر ولونه لَا يرجع لاستيلاء الصُّفْرَة عَلَيْهِ فَلَا يرد الْخمر لَونه عَلَيْهِ مَعَ مداومة شربهَا

  27. ٢٧

    كَم مِن حُشاشَةِ بِطريقٍ تَضَمَّنَها

    لِلباتِراتِ أَمينٌ مالَهُ وَرَعُ

    الواحدي: أي قيدت الأسرى ليقتلوا أن دعت الحاجة إلى قتلهم فأرواحهم في ضمان القيود للسيوف وأراد بالأمين الذي لا ورع له القيدَ.

    العكبري: الْغَرِيب الحشاشة النَّفس والبطريق الْفَارِس من الرّوم والباترات السيوف والأمين أَرَادَ بِهِ هَهُنَا الْقَيْد والورع أَصله الْكَفّ عَن الْمَحَارِم الْمَعْنى يَقُول كم من نفس فَارس قد ضمنهَا للسيوف الْقَيْد أى كم من فَارس لم يبْق مِنْهُ إِلَّا رمقه قد قيد وأسره فَهُوَ فى ضَمَان الْقَيْد للسيف إِذا دعت الْحَاجة إِلَى قَتله وَقَوله (أَمِين مَاله ورع ... ) // من أحسن الْكَلَام // لِأَن الْأمين هُوَ الذى يؤتمن على الْأَشْيَاء فَلَا بُد لَهُ من ورع

  28. ٢٨

    يُقاتِلُ الخَطوَ عَنهُ حينَ يَطلُبُهُ

    وَيَطرُدُ النَومَ عَنهُ حينَ يَضطَجِعُ

    الواحدي: يعني أن القيد يمنعه الخطو أن اراد السير ويمنعه عن النوم عند الاضطجاع.

    العكبري: الْإِعْرَاب الضَّمِير فى يُقَاتل ويطرد للأمين وَهُوَ الْقَيْد وَالضَّمِير الْمَفْعُول فى يطْلب للخطو وَالضَّمِير فى عَنهُ للمقيد المأسور الْمَعْنى يَقُول إِذا أَرَادَ المشى مَنعه الْقَيْد وَإِذا أَرَادَ النّوم مَنعه الِاضْطِجَاع فَإِذا رام المشى قَاتله بتضييقه يُرِيد أوجعهُ بالضيق على سَاقيه فَكَأَنَّهُ يقاتله وَإِذا أَرَادَ النّوم مَنعه فَكَأَنَّهُ يطرده عَنهُ وَفِيه نظر إِلَى قَول الحكمى (إِذا قامَ أعْيَتْهُ عَلى السَّاقِ حِلْيَةٌ ... لَهَا خَطْوُهُ وَسْطَ الْفِناءِ قَصِيرُ)

  29. ٢٩

    تَغدو المَنايا فَلا تَنفَكُّ واقِفَةً

    حَتّى يَقولَ لَها عودي فَتَندَفِعُ

    الواحدي: زعم أن المنايا تنتظر أن يأمرها فهي واقفة منتظرةً أمره بالعود إليهم فتعود فيهم وهذا من قول بكر بن النطاح، كأن المنايا ليس يبحرين في الوغا، إذا التقت الأبطال إلا برأيكا،

    العكبري: الْغَرِيب لَا تنفك أى لَا تَبْرَح وَلَا تَزُول الْمَعْنى يَقُول إِن المنايا ينتظرن أمره فَإِذا أمرهَا بشئ فعلته فهى إِن كفها ولت وَإِن أرسلها لسيوفه سطت وفى ظَاهره لَفظه مَا يدل على هَذَا وَمثله قَول بكر ابْن النطاح (كأنَّ المَنايا لَيسَ يَجْرِينَ فىِ الوَغَى ... إذَا الْتَقَتِ الأَبْطالُ إلَاّ بِرأيِهِ) وَمثله لمُسلم (كَأَن المَنايا عالِمَاتٌ بأمْرِهِ ... إذَا خَطَرَتْ أرْماحُهُ وَمناصِلُهْ)

  30. ٣٠

    قُل لِلدُمُستُقِ إِنَّ المُسلَمينَ لَكُم

    خانوا الأَميرَ فَجازاهُم بِما صَنَعوا

    الواحدي: يقول هؤلاء الذين تركهم سيف الدولة وأسلمهم هم لكم فاصنعوا بهم ما شئتم خانوا الأمير بالانصراف عنه أي فجازاهم بأن اسلمهم لكم ثم ذكر ما صنعوا فقال:

    العكبري: الْغَرِيب الْمُسلمين بِفَتْح اللَّام من أسره الْمُشْركُونَ من الْمُسلمين وقتلوه الْمَعْنى قل للدمستق إِن الَّذين أسرتم خانوا الْأَمِير سيف الدولة وعصوه فجازاهم الله بِمَا صَنَعُوا أَنكُمْ ظفرتم بهم وَذَلِكَ أَن سيف الدولة لما قتل من قتل وَأسر من أسر سَار عَن ذَلِك الْموضع وبقى فِيهِ قوم من الْمُسلمين يجهزون على من بقى فِيهِ رَمق من الْقَتْلَى وَمِنْهُم من أَخذه النّوم فَجَاءَهُمْ الْعَدو بعد مسير سيف الدولة وأخذوهم وقتلوهم

  31. ٣١

    وَجَدتُموهُم نِياماً في دِمائِكُمُ

    كَأَنَّ قَتلاكُمُ إِيّاهُمُ فَجَعوا

    الواحدي: في دمائكم أي في ماء قتلاكم وذلك أنهم تخللوا القتلى فتلطخوا بدمائهم والقوا أنفسهم بينهم تشبها بهم خوفا من الروم يقول كأنهم كانوا مفجوعين بقتلاكم فهم فيما بينهم يتوجعون لهم.

    العكبري: الْمَعْنى يَقُول وجدْتُم هَؤُلَاءِ الَّذين ظفرتم بهم نياما فى قَتْلَاكُمْ كَأَنَّهُمْ مفجوعون بقتلاكم لما كَانُوا بَينهم قد تلطخوا بدمائهم

  32. ٣٢

    ضَعفى تَعِفُّ الأَيادي عَن مِثالِهِمِ

    مِنَ الأَعادي وَإِن هَمّوا بِهِم نَزَعوا

    الواحدي: يقول هم ضعاف يمتنع الأعداء من معارضتهم لضعفهم يعني أن هؤلاء الذين فعلوا ذلك خساس عسكر سيف الدولة أن هموا بعدوهم لم يعارضهم عدوهم بخستهم وضعفهم وقد حقق هذا فيما بعد فقال:

  33. ٣٣

    لا تَحسَبوا مَن أَسَرتُم كانَ ذا رَمَقٍ

    فَلَيسَ يَأكُلُ إِلّا المَيِّتَ الضَبُعُ

    العكبري: الْمَعْنى يَقُول لَا تحسبوا هَؤُلَاءِ الَّذين أسرتم كَانَ فيهم رَمق بل أموات من الضعْف وَالْمَيِّت لَا يَأْكُلهُ إِلَّا الضبع فَأنْتم لخستكم ودناءة أَنفسكُم قتلتم هَؤُلَاءِ الْقَوْم الضُّعَفَاء وَقد عَابَ عَلَيْهِ ابْن وَكِيع هَذَا الْبَيْت وَقَالَ كَيفَ أطلق على الضبع هَذَا وَأَنَّهَا تَأْكُل الْميتَة كَأَنَّهُ لم يقْرَأ كتاب الوحوش وَلم يسمع وصفهَا فى أشعار الْعَرَب لِأَن الضبع تخنق عشرا من الْغم حَتَّى تَأْخُذ وَاحِدَة وَهِي من أَخبث السباغ على الْغنم قَالَ الزاجر يَدْعُو على غنم رجل (سَلِّطْ على أُولَئِكَ الأَغْنامِ ... سَمَيْذَعاً مُعاوِدَ الإقْدَامِ) (أوْ جَيْئَلاً ظَلَّتْ بِذَاتِ هامِ ... تَلُفَّها مُدَلَمِّسَ الظّلامِ) (لَفَّ العَجُوزِ بَرَدَ الثُّمامِ ... ) وَقَالَ ابْن وَكِيع لَو قَالَ (مَا كلّ من قد أسرتم كَانَ ذَا رَمَق ... ) لَكَانَ أوضح وَأحسن

  34. ٣٤

    هَلّا عَلى عَقَبِ الوادي وَقَد صَعِدَت

    أُسدٌ تَمُرُّ فُرادى لَيسَ تَجتَمِعُ

    الواحدي: العقب جمع عقبة وفرادى جمع فردان هلا قاتلتم إذ وقفتم هناك وقد صعدت منها رجال يسرعون إلى الحرب أفرادا لا يتوقف بعضهم على بعض لشجاعتهم وثقتهم بقوتهم كما قال العنبري، طاروا إليه زرافاتٍ ووحدنا،

    العكبري: الْغَرِيب الْعقب جمع عقبَة وفرادى جمع فَرد وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَد جئتمونا فُرَادَى﴾ وَأسد جمع أَسد وَيجمع أَيْضا على أَسد بِضَمَّتَيْنِ وأسود وآساد الْمَعْنى يَقُول هلا وقفتم فى هَذَا الْموضع وَقد صعدت إِلَيْكُم رجال يتصاعدون إِلَى الْحَرْب أفرادا لَا يقف بَعضهم إِلَى بعض شجاعة وإقداما وثقة لشدتهم وَمثل بَيت الحماسة قَول العنبرى (قَوْمٌ إذَا الشَّرُّ أبْدَى ناجِذَيهِ لَهُمْ ... طارُوا إلَيْهِ زَرَافاتٍ وَوُجْدَان)

  35. ٣٥

    تَشُقُّكُم بِفَتاها كُلُّ سَلهَبَةٍ

    وَالضَربُ يَأخُذُ مِنكُم فَوقَ ما يَدَعُ

    الواحدي: قوله تشقكم حكاية ما كان هناك في تلك الحال التي كان يشق أهل الروم كل سلهبةٍ بقناها أي برمحها والخبر وقع عن الخيل والمراد أصحابها لأن اصحاب السلاهب وفرسانها يشقون بالطعن وروى بفتاها أي بفارسها وهو رواية ابن جنى.

    العكبري: الْمَعْنى يُرِيد هلا صَبَرْتُمْ لِأَن هلا للتحضيض ولابد لَهَا من الْفِعْل مظْهرا أَو مضمرا وَمِنْه بَين الْإِيضَاح قَول جرير (تَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ أفْضَلَ مَجْدِكُمْ ... بَنِى ضَوْطَرَى لَوْلا الكَمِىَّ المُقَنَّعا) أى هلا عددتم الكمى الْمقنع الْغَرِيب روى ابْن جنى بفتاها أى بفارسها وروى غَيره بقناها يُرِيد رماحها وأوقع الْخَبَر عَن الْخَيل وَالْمرَاد أَصْحَاب الْخَيل ويدع مُسْتَقْبل فعل ترك اسْتِعْمَاله الْغَرِيب السلهبة الطَّوِيلَة من الْخَيل الْمَعْنى يُرِيد وصف الْحَال الَّتِى كَانَت فى الزَّمَان الماضى وَأَن الرماح شقَّتْ عَسْكَر أهل الرّوم أَو فرسانها يشقون الصُّفُوف بالطعن

  36. ٣٦

    وَإِنَّما عَرَّضَ اللَهُ الجُنودَ بِكُم

    لِكَي يَكونوا بِلا فَسلٍ إِذا رَجَعوا

    الواحدي: كل الناس رووا بكم والصحيح في المعنى لكم باللام لأنه يقال عرضت فلانا لكذا فتعرض له ويجوز أن كيون بكم من صلة معنى التعريض لا من لفظه ومعناه إنما ابتلى الله الجنود بكم يعني جنود سيف الدولة يقول إنما خذلهم الله وجعلهم لكم عرضةً ليجردهم من الأوباش الذين قتلتموهم فيعود إليكم في الأبطال وذوي النجدة فلا يكون فيهم فشل ولا دنيٌّ ويجوز عرض بالتخفيف لأن انتفآء الأوباش عنهم يحل محل العرض لكي ينفوا.

    العكبري: الْإِعْرَاب قَالَ الواحدى رِوَايَة كل من قَرَأَ الدِّيوَان (الْجنُود بكم ... ) بِالْبَاء وَالصَّحِيح فى الْمَعْنى لكم بِاللَّامِ لِأَنَّهُ يُقَال عرضت فلَانا لكذا فتعرض لَهُ وَيجوز أَن يكون بكم من صلَة معنى التَّعْرِيض لَا من لَفظه وَمَعْنَاهُ إِنَّمَا ابتلى الله الْجنُود بكم يعْنى سيف الدولة يَقُول إِنَّمَا خذلهم الله وجعلهم لكم عرضة الْغَرِيب الفسل الدنئ الْعَاجِز من الرِّجَال فسل فسالة وفسولة الْمَعْنى يُرِيد إِن الله عرض لكم الْجنُود الَّذين انْقَطَعُوا وتخلفوا عَن عَسْكَر سيف الدولة وهم الأوباش ليجرد الله عَسْكَر الْإِسْلَام من الأوباش فَيرجع إِلَيْكُم غازيا بالأبطال وذوى النجدة لَيْسَ فيهم دنئ وَلَا ضَعِيف

  37. ٣٧

    فَكُلُّ غَزوٍ إِلَيكُم بَعدَ ذا فَلَهُ

    وَكُلُّ غازٍ لِسَيفِ الدَولَةِ التَبَعُ

    الواحدي: يقول بعد هذا كل غزوة يغزوها يكون له لا عليه لن الخساس من جنوده والأوباش قد قتلوا ولم يبق إلا الأبطال وكل غاز تبع له لأنه أمير الغزاة وسيدهم.

  38. ٣٨

    يَمشي الكِرامُ عَلى آثارِ غَيرِهِمِ

    وَأَنتَ تَخلُقُ ما تَأتي وَتَبتَدِعُ

    الواحدي: يقول أفعالك في الكرم أكبار لم يسبق إليها فأنت مبتدىء في كل مأثرة وغيرك من الكرام يقتدي بمن سبقه.

    العكبري: الْغَرِيب تبتدع أى تفعل الشئ من نَفسك بديهة واختراعا من غير تَعْلِيم والابتداع هُوَ الصَّنْعَة من غير تَعْلِيم وَمِنْه ﴿بديع السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ الْمَعْنى يَقُول غَيْرك من الْمُلُوك يفعل مَا كَانَ يَفْعَله غَيره من حسن وقبيح وَأَنت مبتدئ فِيمَا تفعل لم يسْبق إِلَيْهِ أحد فأفعالك أبكار وَالْمعْنَى أَن الْكِرَام يقتفون آثَار غَيرهم ويتعلمون مِمَّن كَانَ قبلهم وَأَنت تسبق الْكِرَام إِلَى الْأَفْعَال وتخلق أى تصنع مَا تُرِيدُ وَلَو صَحَّ لَهُ أَن يَقُول تقتفى أثار الْكِرَام لَكَانَ أبين فى صناع الشّعْر

  39. ٣٩

    وَهَل يَشينُكَ وَقتٌ كُنتَ فارِسَهُ

    وَكانَ غَيرَكَ فيهِ العاجِزُ الضَرَعُ

    الواحدي: يقول إذا كنت الفارس الشجاع وغيرك الضعيف العاجز فلا شين عليك من عجز العاجز يريج أن قتلهم وأسرهم ضعاف اصحابك لم يشنك.

    العكبري: الْغَرِيب يشينك يعيبك الضَّرع الضَّعِيف وَالْأُنْثَى الضرعة الْمَعْنى يَقُول وَهل يشينك وَقت أقدمت فِيهِ وأحجم أَصْحَابك وكررت وَعجز أَصْحَابك فَإِن فضلك وَبَان نقصهم وَمن قتل من أَصْحَابك وَأسر من ضعفائهم لَا يعيبك ذَلِك إِذا كنت أَنْت الْفَارِس الشجاع وفى نظم هَذَا الْبَيْت عيب عِنْد الحذاق بصناعة الشّعْر لِأَنَّهُ كَانَ ينبغى لَهُ أَن يَقُول فى صدر الْبَيْت (كنت حازمه ... ) لما قَالَ فى الْعَجز (الْعَاجِز الضَّرع ... ) لِأَن ضد الحازم الْعَاجِز أَو يَقُول فارسه وجبانه

  40. ٤٠

    مَن كانَ فَوقَ مَحَلِّ الشَمسِ مَوضِعَهُ

    فَلَيسَ يَرفَعُهُ شَيءٌ وَلا يَضَعُ

    الواحدي: أي من بلغ النهاية في الرفعة لم يكن وراء النهاية محل يرفع إليه فلا يرتفع بنصرة أحد ولا يتضع بخذلان أحدٍ.

    العكبري: الْمَعْنى يَقُول من بلغ وَحل فى الْفَضَائِل محلك واشتهر بالشجاعة اشتهارك فتواضعت الشَّمْس عَن مَوْضِعه وَقصر محتدها عَن محتده فَلم يبْق لَهُ فى الشّرف غَايَة يبلغهَا فترفعه وَلَا للعيب سَبِيل إِلَيْهِ فيضعه أى لم يكن للنِّهَايَة مَحل يرْتَفع إِلَيْهِ فَلَا يرْتَفع بنصرة أحد وَلَا يتضع بخذلانه لِأَن قدره فَوق كل قدر وشجاعته فَوق كل شجاعة وَفِيه نظر إِلَى قَول زُهَيْر (لوْ كانَ يقعُدُ فوْق الشَّمسِ مِنْ كَرَمٍ ... قَوْمٌ بآبائهِ أوْ مَجْدِهِمْ قَعَدُوا) وفى عَجزه نظر إِلَى قَول أَبى دلف (فَمَا تَرْفَعُنِى حالٌ ... وَلا تَخْفِضُنِى حالُ ... )

  41. ٤١

    لَم يُسلِمِ الكَرُّ في الأَعقابِ مُهجَتَهُ

    إِن كانَ أَسلَمَها الأَصحابُ وَالشِيَعُ

    الواحدي: يقول أن افرده أصحابه فإن كره على الأعداء في أواخر الخيل لم يسلمه يعني أنه أمتنع بشجاعة نفسه فدافعت نفسه عن نفسه ويجوز أن يريد بالأعقاب جمع العقب التي هي جمع العقبة.

    العكبري: الْغَرِيب الْكر الْإِقْدَام فى الْحَرْب مُدَّة بعد أُخْرَى والأعقاب جمع عقبَة والشيع الأشياع وهم جمع شيعَة يُقَال شيع وشيعة وأشياع وَمن شيعَة الإِمَام على ﵇ قَالَ الْكُمَيْت (وَما لِىَ إِلَّا آلَ أحْمَدَ شِيعَةٌ ... وَما لِىَ إلَاّ مَذْهَبَ الحَقّ مَذْهَبْ) الْمَعْنى يَقُول إِذا أفرده أَصْحَابه فى هَذَا الْيَوْم لم تسلمه شجاعته وإقدامه فى الْأَعْدَاء بل امْتنع بإقدامه وَكره على أعدائه وَقيل الأعقاب جمع عقب بِمَعْنى الآخر وَمثله للطائى (مَا غابَ عَنْهُ مِنَ الإِقْدَامِ أشْرَفُهُ ... فِى الرَّوْعِ إنْ غابَتِ الأنْصَارُ والشِّيَعُ)

  42. ٤٢

    لَيتَ المُلوكَ عَلى الأَقدارِ مُعطِيَةٌ

    فَلَم يَكُن لِدَنيءٍ عِندَها طَمَعُ

    الواحدي: يقول ليتهم يعطون الشعراء على أقدارهم في الاستحقاق بفضلهم وعلمهم وكان لا يطمع في عطائهم خسيسٌ فهذا تعريض بأنه يسوى مع غيره ممن لم يبلغ درجته في الفضل والعلم.

  43. ٤٣

    رَضيتُ مِنهُم بِأَن زُرتَ الوَغى فَرَأوا

    وَأَن قَرَعتَ حَبيكَ البيضِ فَاِستَمِعوا

    الواحدي: يقول رضيت ن الشعراء بالنظر إلى قتالك والاستماع إلى قراعك من غير أن يباشروا القتال يعني أنا الذي أباشر القتال معك دون غيري من الشعراء.

    العكبري: الْغَرِيب حبيك الْبيض أى الطرائق الَّتِى فى السيوف وَأَصله فى السَّمَاء وَإِنَّمَا هُوَ فى السَّيْف اسْتِعَارَة الْوَاحِدَة حبيكة الْمَعْنى يَقُول رضيت من الشُّعَرَاء بِالنّظرِ إِلَى قتالك وَالِاسْتِمَاع إِلَى قراعك لَا غير من غير أَن يباشروا الْقِتَال وَأَنا أباشر الْقِتَال وأضرب مَعَك بِالسَّيْفِ دون غيرى مِمَّن يصحبك من الشُّعَرَاء

  44. ٤٤

    لَقَد أَباحَكَ غِشّاً في مُعامَلَةٍ

    مَن كُنتَ مِنهُ بِغَيرِ الصِدقِ تَنتَفِعُ

    الواحدي: يقول من لم يصدقك فقد غشك والمعنى أني قد صدقتك في ما ذكرت لأني لو لم أصدقك كنت قد غششتك ويجوز أن يكون المعنى أن من غشك بتخلفه عنك فقد أباح لك أن تغشه في معاملتك إياه وجعل من يفعله سيف الدولة غشا لأنه جزاء الغش وقوله على هذا بغير الصدق أي بغير صدق اللقاء يعني بالنظر والسماع ومعنى آخر وهو أنه يقول لقد غشك من انتفاعك منه بغير الصدق الشعر الذي أحسنه أكذبه دون الحرب.

    العكبري: الْمَعْنى يَقُول من لم يصدقك بقوله فقد غشك فَإِنَّهُ يظْهر لَك الشجَاعَة والجبن عِنْده وَيظْهر لَك الْجلد والضعف حَقِيقَته فَهُوَ يتعاطى مَا لَيْسَ عِنْده وَأَرَادَ أَن يفرد الْمَنْفَعَة بِالصّدقِ ليَصِح معنى الْبَيْت قَالَ ابْن وَكِيع لَو قَالَ (من كَانَ مِنْك بِغَيْر الصدْق ... ) لسلم من الِاعْتِرَاض وَقَالَ الواحدى معنى الْبَيْت يَقُول من لم يصدقك فقد غشك وَالْمعْنَى إنى قد صدقتك فِيمَا ذكرت لأنى لَو لم أصدقك كنت قد غششتك قَالَ وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى إِن من غشك بتخلفه عَنْك فقد أباحك أَن تغشه فى معاملتك إِيَّاه وَجعل مَا يَفْعَله سيف الدولة غشا لِأَنَّهُ جَزَاء الْغِشّ وَقَوله على هَذَا (بِغَيْر الصدْق ... ) أى بِغَيْر صدق الله اللِّقَاء يعْنى بِالنّظرِ وَالسَّمَاع وَهُنَاكَ معنى آخر وَهُوَ أَنه يَقُول لَهُ لقد غشك من انتفاعك مِنْهُ بِغَيْر الصدْق يعْنى الشّعْر الذى أحْسنه أكذبه دون الْحَرْب هَذَا كَلَامه

  45. ٤٥

    الدَهرُ مُعتَذِرٌ وَالسَيفُ مُنتَظِرٌ

    وَأَرضُهُم لَكَ مُصطافٌ وَمُرتَبَعُ

    الواحدي: الدهر معتذر إليك مما فعل يعني من ظفر الروم باصحابه والسيف ينتظر كرتك عليهم فيشفيك منهم وارضهم لك منزل صيفا وربيعا والمصطاف والمصيف المنزل في الصيف والمرتبع المربع.

    العكبري: الْغَرِيب المصطاف والمرتبع الْمنزل فى الصَّيف وَالربيع الْمَعْنى يَقُول الدَّهْر معتذر إِلَيْك مِمَّا غدر بك فى قتل الرّوم الضُّعَفَاء من أَصْحَابك وَالسيف منتظر كسرتك عَلَيْهِم فيشفيك مِنْهُم وأرضهم لَك منزل صيفا وربيعا وصدره من قَول الطائى (عَضْبا إذَا سَلَّهُ فِى وَجْهِ نائِبَةٍ ... جاءَتْ إلَيْهِ صُرُوفُ الدَّهْرِ تعتَذِرُ) وعجزه من قَول الطائى أَيْضا (وأقَمْتَ فِيها وَادِعا مُتَمَهِّلاً ... حَتَّى ظَنَنَّا أنَّها لَكَ دَارُ)

  46. ٤٦

    وَما الجِبالُ لِنَصرانٍ بِحامِيَةٍ

    وَلَو تَنَصَّرَ فيها الأَعصَمُ الصَدَعُ

    الواحدي: يقال نصراني ونصران يقول اعتصامهم بجبالهم لا ينفعهم لأنها لا تحميهم ولو أن أوعالها تنصرت لم تحمها الجبال والأعصم الوعل الذي في إحدى يديه بياض والصدع ما بين السمين والمهزول.

    العكبري: الْغَرِيب نصران ونصرانى وَاحِد ونصرانية تأنيثه وهم قوم منتسبون إِلَى ناصرة قيل هى مَدِينَة وَقيل هى مَوضِع والأعصم الوعل الذى فى إِحْدَى يَدَيْهِ بَيَاض وفى رجلَيْهِ والصدع الوعل بَين الوعلين لَا بالمسن وَلَا بالصغير الْمَعْنى يَقُول النَّصَارَى اعتصامهم بجبالهم وهى لَا تعصمهم وَلَا تحميهم وَلَو أَن أوعالها تنصرت واحتمت بهَا مِنْهُ لم تحمها وَلم تمنعها مِنْهُ

  47. ٤٧

    وَما حَمِدتُكَ في هَولٍ ثَبَتَّ لَهُ

    حَتّى بَلَوتُكَ وَالأَبطالُ تَمتَصِعُ

    الواحدي: يقد لم أحمدك على شجاعتك وثبوتك في الحرب إلا بعد التجربة عند قتال الأبطال.

    العكبري: الْغَرِيب الامتصاع والمماصعة شدَّة القراع بِالسُّيُوفِ وبلوتك اخبترتك وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿هُنَالك تبلو كل نفس مَا أسلفت﴾ أى تختبر فى قِرَاءَة من قَرَأَ بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَقَرَأَ حَمْزَة والكسائى تتلو بتاءين من التِّلَاوَة الْمَعْنى يَقُول لم أمدحك على إقدامك وثبوتك فى الْحَرْب إِلَّا بعد الاختبار والتجربة عِنْد الْقِتَال للأبطال وَالْمعْنَى مَا بلغت حَقِيقَة وصفك مَعَ مَا شاهدته من ثباتك والأهوال الَّتِى جمعتنى مَعَك حَتَّى بلوتك والأبطال تجالد بِالسُّيُوفِ

  48. ٤٨

    فَقَد يُظَنُّ شُجاعاً مَن بِهِ خَرَقٌ

    وَقَد يُظَنُّ جَباناً مَن بِهِ زَمَعُ

    الواحدي: يقول الظن يخطىء فالأخرق قد يظن شجاعا والشجاع الذي تعتبريه الرعدة من الغضب قد يظن جبانا وإما يتحقق الأمر عند التجربة والمعنى أني قد مدحتك بعد الخبرة ولم أخطىء ولم أكذب.

    العكبري: الْغَرِيب الْخرق الطيش والخفة وَقيل الدهش من الْخَوْف أَو الْحيَاء والزمع رعدة تعترى الشجاع من الْغَضَب الْمَعْنى يُرِيد أَن الظَّن يُخطئ فقد يرى من بِهِ دهش وخفة شجاعا وَقد يرى من تعتريه رعدة من غضب جَبَانًا وَأَنا قد تحققت من أَمرك بالتجربة فَإِذا مدحتك بعد اختبارى فَلَا أخطئ وَلَا أكذب

  49. ٤٩

    إِنَّ السِلاحَ جَميعُ الناسِ تَحمِلُهُ

    وَلَيسَ كُلُّ ذَواتِ المِخلَبِ السَبُعُ

    الواحدي: هذا مثل ضربه يقول ليس كل من يحمل السلاح شجاعا كما أن ليس كل ذي مخلب أسدا ويريد بالسبع الأسد. وقال وقد سار سيف الدولة يريد الدمستق سنة أربعين وثلثمائة.

    العكبري: الْإِعْرَاب رفع كل على الِابْتِدَاء والسبع الْخَبَر وأضمر فى لَيْسَ اسْما تَقْدِيره الشَّأْن والابتداء وَخَبره فى مَوضِع خبر لَيْسَ وَقد جَاءَ من الْعَرَب مثله تَقول لَيْسَ خلق الله مثله فتضمر الشَّأْن والقصة وَلَوْلَا ذَلِك لما ولى لَيْسَ وهى فعل آخر وَهُوَ خلق لِأَن الْأَفْعَال لَا يلى بَعْضهَا بَعْضًا وَقد ذكر مثل هَذَا سِيبَوَيْهٍ فى كِتَابه وأنشدوا الحميد الأرقط (فأصْبَحُوا والنَّوَى عالى مُعَرَّسِهِمْ ... وَلَيْسَ كُلَّ النَّوَى تُلْقِى المَساكِينُ) فنصب كل بتلقى وأضمر اسْم لَيْسَ فِيهَا الْغَرِيب المخلب للطير وَالسِّبَاع بِمَنْزِلَة الظفر للْإنْسَان الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ كل من يحمل السِّلَاح شجاعا وَلَا كل ذى مخلب سبعا يفترس بِهِ بل يُوجد ذَوَات مخالب والسبع يفضلها وَكَذَا سيف الدولة يتزيون بشكله ويشاركونه فى لبس السِّلَاح وَلَكنهُمْ يقصرون عَن فعله وَعَما يبلغ بالسلاج من الْبَطْش

هذه القصيدة بشرح الواحدي، والعكبري

أبيات مشهورة منها(٦)
التعليقات(٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.