تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد التَّاسِع وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ

فيه ٣٣ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

وَهُوَ من شَوَاهِد س:

أَنا ابْن التّارك الْبكْرِيّ بشرا

هَذَا صدر وعجزه: عَلَيْهِ الطّير ترقبه وقوعا على أنّه عِنْد الْمبرد لَا يتبع مجرور ذِي اللَّام إلاّ مَا يُمكن وُقُوعه موقع متبوعه: فبشر

عِنْده مَنْصُوب لَا غير للْحَمْل على محلّ البكريّ.

أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ بجرّ بشر على أنّه بدل أَو عطف بَيَان للفظ البكريّ وَإِن لم يكن فِي بشر الْألف وَاللَّام. وَجَاز ذَلِك عِنْده لبعده عَن الِاسْم الْمُضَاف ولأنّه تَابع وَالتَّابِع يجوز فِيهِ مَا لَا يجوز فِي الْمَتْبُوع.

وغّلطه المبّرد وَقَالَ: الرِّوَايَة بِنصب بشر. وَاحْتج بأنّه إنّما جَازَ أَنا ابْن التارك البكريّ تَشْبِيها بالضارب الرجل فَلَمَّا جِئْت ببشر وَجَعَلته بَدَلا صَار مثل أَنا الضَّارِب زيدا الَّذِي لَا يجوز فِيهِ قَالَ الزّجّاج: الَّذِي ذهب إِلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ أَن بشرا عطف الْبَيَان الَّذِي يقوم مقَام الصّفة يجوز فِيهَا مَا لَا يجوز فِي الْمَوْصُوف: تَقول يَا زيد الظريف وَلَا يجوز يَا الظريف وَكَذَا أَقُول الضَّارِب الرجل زيدٍ وَلَا أَقُول الضَّارِب زيد.

قَالَ النّحاس: وَقد قَالَ المبّرد فِي الْكتاب الَّذِي سمّاه الشَّرْح: القَوْل فِي ذَلِك أَن قَوْله: أَنا ابْن التارك البكريّ بشرٍ عطف بَيَان وَلَا يكون بَدَلا لأنّ عطف الْبَيَان يجْرِي مجْرى النَّعْت سَوَاء ألاّ ترى بَيَان فِي بَاب النداء تَقول: يَا هَذَا زيدٌ وَإِن شِئْت زيدا على عطف الْبَيَان فيهمَا. وَإِن أردْت الْبَدَل قلت زيد. فَهَذَا وَاضح جدا لأنّك أزلت هَذَا وَجعلت زيدا مَكَانَهُ منادى.

انْتهى. وَهَذَا من الْمبرد رُجُوع إِلَى رِوَايَة سِيبَوَيْهٍ وَإِن كَانَ خَالفه فِي شَيْء آخر.

وَقد أوردهُ شرّاح ألفيّة ابْن مَالك بجرّ بشر على أنّه عطف بَيَان للبكريّ لَا بدل لِأَنَّهُ فِي حكم تنحية الْمُبدل مِنْهُ وحلوله محلّه. والتارك إِن كَانَ من التّرك الَّذِي بِمَعْنى الْجعل والتصيير فَهُوَ متعدّ لمفعولين: الأول قد وَقع مُضَافا إِلَيْهِ وَالثَّانِي هُوَ جملَة عَلَيْهِ الطّير من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر. وَإِن كَانَ من التّرْك الَّذِي بِمَعْنى التَّخْلِيَة فَهُوَ متعدّ لمفعول وَاحِد وَهُوَ الْمُضَاف إِلَيْهِ فَيكون الظّرْف أَعنِي عَلَيْهِ حَالا من الْبكْرِيّ)

وَالطير فَاعل الظّرْف أَو الطير مُبْتَدأ وَعَلِيهِ الْخَبَر وَالْجُمْلَة حَال مِنْهُ وَجُمْلَة ترقبه حَال من وأعربه الشَّارِح فِي عطف الْبَيَان فَقَالَ: عَلَيْهِ الطير ثَانِي مفعولي التارك إِن جَعَلْنَاهُ بِمَعْنى المصيّر وإلاّ فَهُوَ حَال.

وَقَوله: ترقبه حَال من الطّير إِن كَانَ فَاعِلا لعليه وَإِن كَانَ مُبْتَدأ فَهُوَ حَال من الضَّمِير المستكن فِي عَلَيْهِ. انْتهى.

وَمعنى ترقبه أَي: تنْتَظر انزهاق روحه لأنّ الطّير لَا يَقع على الْقَتِيل وَبِه رَمق فَفِيهِ حذف مُضَاف.

وَقَوله: وقوعاً فِيهِ أعاريب: أَجودهَا أَنه مفعول لَهُ أَي: تنْتَظر ازهاق روحه للوقوع عَلَيْهِ.

وَقَالَ الأعلم وَتَبعهُ ابْن خلف إِنَّه حَال من الضَّمِير فِي ترقبه. وَلَو رفع على الْخَبَر لجَاز. وقوعٌ عِنْده جمع وَاقع وَهُوَ ضدّ الطّائر. وَهَذِه الحاليّة لَا تصحّ من جِهَة الْمَعْنى لأنهّ لَا معنى للانتظار بعد الْوُقُوع على الْمَيِّت. وَلَو جعله حَالا من الطّير كَمَا قَالَه بَعضهم لَكَانَ صَحِيحا وَكَانَ حِينَئِذٍ فِيهِ بيانٌ لقَوْله عَلَيْهِ الطير.

وَقَالَ ابْن يعِيش: وقوعاً جمع وَاقع وَهُوَ إِمَّا من الضَّمِير المستكنّ فِي عَلَيْهِ وَإِمَّا من الْمُضمر الْمَرْفُوع فِي ترقبه.

وَقَالَ ابْن المستوفي فِي شرح أَبْيَات الْمفصل: وَيجوز أَن يكون مصدرا فِي مَوضِع الْحَال. وَلم يعيّن صَاحب الْحَال. وَقَالَ بعض فضلاء الْعَجم فِي إِعْرَاب أَبْيَات الْمفصل: وَلَا يبعد أَن يَجْعَل وقوعاً مصدرا وَيكون مَنْصُوبًا على الْبَدَل من الضَّمِير الرَّاجِع إِلَى بشر فِي ترقبه لأنّه فِي معنى وقوعاً عَلَيْهِ فيتخصص نوع اخْتِصَاص وَيكون من بَاب بدل الاشتمال. هَذَا كَلَامه وَهُوَ جيّد إلاّ أنّ فِيهِ حذف الضَّمِير.

وَقَالَ العينيّ: قَوْله: الطير مُبْتَدأ وَالْجُمْلَة أَعنِي قَوْله ترقبه خَبره وَقد وَقعت حَالا عَن البكريّ وَقَوله: عَلَيْهِ يتَعَلَّق بقوله وقوعاً. وَلَا يخفى مَا فِي تَعْبِيره من الاختلال وكأنّه لم يبلغهُ منع تقدّم مَعْمُول الْمصدر مَعَ هَذَا الْفضل الْكثير.

وَهَذَا الْبَيْت للمرّار بن سعيد الفقعسيّ. وَبعده:

علاهُ بضربةٍ بعثت بليلٍنوائحه وأرخصت البضوعا
للشاعر المُرّار الفَقعَسي، اقرأ القصيدة
وقاد الْخَيل عَائِدَة لكلبٍترى لوجيفها رهجاً سَرِيعا
للشاعر المُرّار الفَقعَسي، اقرأ القصيدة

)

عَجِيب لقائين صهٍ لقومٍعلاهم يفرع الشّرف الرّفيعا

بعثت أَي: نبهت من النّوم يُقَال: بَعثه أَي: أهبّه أَي: أيقظه. والنوائح: جمع نائحة من ناحت الْمَرْأَة على الْمَيِّت نوحًا إِذا بَكت عَلَيْهِ مَعَ صُرَاخ. والبضوع إمّا جمع بضعَة بِفَتْح الْمُوَحدَة وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة وَهِي الْقطعَة من اللَّحْم وإمّا جمع بضع بضمّ فَسُكُون يُطلق وَرُوِيَ بدله: البضيعا بِفَتْح فَكسر وَهِي اللَّحْم. والوجيف بِالْجِيم: مصدر وجف الْفرس إِذا عدا وأوجفته إِذا أعديته وَهُوَ الْعُنُق فِي السّير بِفتْحَتَيْنِ. والرّهج: الْغُبَار. وصهٍ أَي: اسْكُتْ سكُوتًا مَا. ويفرع بِالْفَاءِ وَالْعين الْمُهْملَة بِمَعْنى يَعْلُو يُقَال: فرعت الْجَبَل إِذا صعدته.

قَالَ ابْن السيرافيّ فِي شرح شَوَاهِد س: بشر فِي قَوْله: أَنا ابْن التارك البكريّ بشر هُوَ بشر بن عَمْرو بن مرْثَد وَقَتله رجلٌ من بني أَسد ففخر المرّار بقتْله. وَبشر هُوَ من بني بكر بن وَائِل.

وأرخصت البضوعا أَي: أرخصت الضَّرْبَة اللَّحْم على الطير. والبضوع: جمع بضعَة ويروى البضيعا وَهُوَ اللَّحْم.

وَزعم بعض الروَاة أَنه يُرِيد بالبضوع بضوع نِسَائِهِ أَي: نكاحهنّ يَقُول: لما قَتَلُوهُ سبوا نساءة فنكحوهنّ بِلَا مهر. والبضوع: النِّكَاح. وَالتَّفْسِير الأوّل أعجب إليّ.

قَالَ أَبُو مُحَمَّد الأعرابيّ الْأسود فِي فرحة الأديب وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي أوّل الْكتاب: مَا أَكثر مَا يرجّح ابْن السيرافيّ الرَّدِيء على الجيّد والزائف على الْجَائِز وَذَلِكَ أَنه مَال إِلَى القَوْل بِأَن البضوع هُنَا اللَّحْم ولعمري أنّها لَو كَانَت لُحُوم المعزى وَالْإِبِل لجَاز أَن يَقع عَلَيْهَا الرّخص والغلاء وَهَذِه غباوة تَامَّة.

وَالصَّوَاب لّما قَتَلُوهُ عرضوا نِسَاءَهُ للسّباء لِأَنَّهُ لم يبْق لهنّ من يحميهنّ ويذود عنهنّ. ثمَّ إنّه لم يذكر قَاتل بشر من أيّ قبائل بني أَسد كَانَ وَإِذا لم يعرف حَقِيقَة هَذَا وَلم يدر لأيّ شَيْء افتخر المرّار بذلك.

وقاتله سبع بن الحسحاس الفقعسيّ وَرَئِيس الْجَيْش بني أَسد ذَلِك الْيَوْم خَالِد بن نصلة الفقعسيّ وَهَذَا جدّ المرّار بن سعيد بن حبيب بن خَالِد بن نَضْلَة. انْتهى وَمن الْعَجَائِب قَول العينيّ: أَرَادَ ببشر بن عَمْرو وَكَانَ قد جرح وَلم يعلم جارحه يَقُول: أَنا ابْن الَّذِي ترك بشرا بِحَيْثُ تنْتَظر الطُّيُور أَن تقع عَلَيْهِ إِذا مَاتَ هَذَا كَلَامه.

وليت شعري كَيفَ يفتخر الشَّاعِر بقتيل جهل قَاتله فَإِن قلت: فعلى قَول الْأسود الأعرابيّ)

قَاتله سبع بن الحسحاس كَيفَ افتخر المرّار بِهِ مَعَ أَنه لَيْسَ بأب من آبَائِهِ وَلَا مّمن ينتسب إِلَيْهِ قلت: افتخاره بجده خَالِد بن نَضْلَة فَإِنَّهُ كَانَ أَمِير الْجَيْش وسبعٌ الْمَذْكُور كَانَ من أَفْرَاد عسكره ومأموراً لَهُ وَالْفِعْل لسبع وَالِاسْم لخَالِد.

قَالَ أَبُو مُحَمَّد الأعرابيّ: وَكَانَ من حَدِيث هَذَا الْيَوْم وَهُوَ يَوْم قلاب: أنّ حيّا من بني الْحَارِث بن ثَعْلَبَة بن دودان غزوا وَعَلَيْهِم خالدٌ جدّ المرّار الْمَذْكُور فَاعْترضَ بشر بن عَمْرو لآثارهم فَلَمَّا وصل إِلَيْهِم قَالَ: عَلَيْكُم الْقَوْم. قَالَ ابْنه: إنّ فِي بني الْحَارِث بن ثَعْلَبَة بني فقعس وَإِن تلقهم تلق الْقِتَال. فَقَالَ: اسْكُتْ فإنّ وَجهك شَبيه بِوَجْه أمّك عِنْد الْبناء فلمّا الْتَقَوْا هزم جَيش بشر فاتّبعه الْخَيل حتّى توالى فِي إثره ثَلَاثَة فوارس فَكَانَ أوّلهم سبع بن الحسحاس وأوسطهم عميلة بن المقتبس الوالبيّ وَآخرهمْ خَالِد بن نَضْلَة فأدركت نبل الوالبيّ الْأَوْسَط فرس بشر ابْن عَمْرو برميّة عقرته ولحقه سبعٌ فاعتنقه وَجَاء خَالِد وَقَالَ: يَا سبع لَا تقتله فإنّا لَا نطلبه بِدَم وَعِنْده مَال كثير وَهُوَ سيد من هُوَ مِنْهُ. وأتتهم الْخَيل فكلّما مرّ بِهِ رجلٌ أمره بقتْله فيزجر عَنهُ خَالِد.

ثمّ إنّ رجلا همّ أَن يوجّه إِلَيْهِ السّنان فنشر خالدٌ على رُكْبَتَيْهِ وَقَالَ: اجْتنب أسيري فَغَضب سبع أَن يدّعيه خَالِد فَدفع سبعٌ ف ينْحَر بشر فَوَقع مُسْتَلْقِيا فَأخذ

برجلة ثمَّ أتبع السَّيْف فرج الدّرع حتّى خَاضَ بِهِ كبده فَقَالَ بشر: أجيروا سراويلي فإنّي لم أستعن. وَعمد إِلَى فرسه فاقتاده. انْتهى. والمرّار بِفَتْح الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء الْمُهْملَة الأولى ينْسب تَارَة إِلَى فقعس وَهُوَ أحد آبَائِهِ الْأَقْرَبين وَتارَة إِلَى أَسد بن خُزَيْمَة بن مدركة بن إلْيَاس بن مُضر وَهُوَ جدّه الْأَعْلَى.

وَهَذِه نسبته من المؤتلف والمختلف للآمذي: المرّار بن سعيد بن حبيب ابْن خَالِد بن نَضْلَة بن الأشتر بن جحوان بِتَقْدِيم الْجِيم الْمَفْتُوحَة على الْحَاء الْمُهْملَة الساكنة بن قفعس بن طريف الشَّاعِر الْمَشْهُور.

والمرّار بن سعيد من شعراء الدولة الأموية وَقد أدْرك الدولة العبّاسيّة.

قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: كَانَ المرّار بن سعيد الأسديّ يهاجي الْمسَاوِر بن هِنْد وَكَانَ قَصِيرا مفرط الْقصر ضئيلاً. تَتِمَّة)

هَذَا الْمَعْنى أَعنِي تتبّع الطّير للجيش الْغَازِي للأعداء حتّى تتَنَاوَل من الْقَتْلَى متداولٌ بَين الشُّعَرَاء قَدِيما وحديثاً وأوّل من جَاءَ بِهِ الأفواه الأوديّ فِي قَوْله:

وَترى الطّير على آثارنارَأْي عينٍ ثِقَة أَن ستمار
للشاعر الأفوة الأودي، من قصيدة «إن ترى رأسي فيه قزعٌ»

أَي: تَأْخُذ الْميرَة من لُحُوم الْقَتْلَى. وَأَخذه النّابغة الذّيبانيّ فَقَالَ:

إِذا مَا غزا بالجيش حلّق فَوْقهمعصائب طيرٍ تهتدي بعصائب
جوانح قد أيقنّ أنّ قبيلهإِذا مَا التقى الجيشان أوّل غَالب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهم يا أميمة ناصب»
لهنّ عَلَيْهِم عادةٌ قد عرفنهاإِذا عرض الخطيّ فَوق الكواثب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهم يا أميمة ناصب»

والكاثبة من الْفرس: حَيْثُ تقع يَد الْفَارِس. وأخذهالحطيئة فَقَالَ:

ترى عافيات الطّير قد وثقت لَهَابشبعٍ من السّخل الْعتاق مَنَازِله
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «سمونا لنجران اليماني وأهله»

وَأَخذه مُسلم بن الْوَلِيد فَقَالَ: ثمَّ تبعه أَبُو نواس وَإِن كَانَ فِي عصره:

تتأيّا الطّير غدوتهثِقَة بالشّبع من جزره
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أيها المنتاب عن عفره»

ثمَّ أَخذه أَبُو تَمام فَقَالَ: طالطويل

وَقد ظلّلت عقبان راياته ضحىبعقبان طيرٍ فِي الدّماء نواهل
أَقَامَت مَعَ الرّايات حتّى كأنّهامن الْجَيْش إلاّ أنّها لم تقَاتل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «غدا الملك معمور الحمى والمنازل»

وكلّهم قصرّ عَن النَّابِغَة لأنّه زَاد فِي الْمَعْنى فَأحْسن التَّرْكِيب ودلّ على أنّ

الطير إنّما أكلت أَعدَاء الممدوح وَكَلَامهم مُحْتَمل وإنّ كَانَ أَبُو تَمام قد زَاد فِي الْمَعْنى. على أنّ الطّير إِذا شبعت مَا تسْأَل: أيّ القبيلتين الْغَالِب وَقد أحسن المتنبيّ فِي قَوْله:

لَهُ عسكرا خيلٍ وطيرٍِإذا رمىبهَا عسكراً لم تبْق إلاّ جماحمه

وَقَالَ أَبُو عَامر:

وَتَدْرِي كماة الطّير أنّ كماتهإِذا لقِيت صيد الكماة سِبَاع
وَتَطير جياعاً فَوْقه وتردّهاظباه إِلَى الأوكار وَهِي شباع

وَقد أَخذ هَذَا الْمَعْنى مَرْوَان بن أبي الْجنُوب فَقَالَ يمدح المعتصم:

عوارفاً أنّه فِي كلّ معتركٍلَا يغمد السّيف حتّى يكثر الجزرا

)

فَأَخذه بكر بن النّطاح فَقَالَ:

وَترى السّباع من الجوارح فَوق عسكرنا جوانح
للشاعر بَكرِ بنِ النَطّاح، اقرأ القصيدة
ثِقَة بِأَنا لَا نزانمير ساغبها الدّبائح
للشاعر بَكرِ بنِ النَطّاح، اقرأ القصيدة

وَأَخذه ابْن جهور فَقَالَ:

ترى جوارح طير الجوّ فَوْقهمبَين الأسنّة والرّايات تختفق

وَأَخذه آخر فَقَالَ: وَلست ترى الطّير الحوائم وقّعا من الأَرْض إلاّ حَيْثُ كَانَ مواقعا وَمِنْه قَول الْكُمَيْت بن مَعْرُوف:

وَقد سترت أسنّته المواضيحديّا الجوّ والرّخم السّغاب
للشاعر الكُمَيتِ بن معروف الأسدي، اقرأ القصيدة

وَمِنْه قَول ابْن قيس الرّقيّات:

وَالطير إِن سَار سَارَتْ فَوق موكبهعوارفاً أنّه يَسْطُو فيقريها
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة

وَأَخذه عبّاس الْخياط فَقَالَ:

يَا مطعم الطّير لُحُوم العدافكلّها تثني على بأسه

إِذا حوّمت فَوق الرّماح نسوره أطار إِلَيْهَا الضّرب مَا تنرقّب وأبدع من هَذَا كلّه قَول المتنبيّ:

يطْمع الطّير فيهم طول أكلهمحتّى تكَاد على أحيائهم تقع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

وَقد جَاءَ امْرُؤ الْقَيْس بِهَذَا الْمَعْنى بِوَجْه آخر فَقَالَ:

إِذا مَا ركبنَا قَالَ ولدان أهلناتَعَالَوْا إِلَى أَن يأتنا الصّيد نحطب

يَقُول: قد وثقوا بصيد هَذَا الْفرس فهم يهيؤون لمجيء صَيْده الْحَطب.

وَأَخذه حميد بن ثَوْر الهلاليّ الصّحابيّ فَقَالَ فِي صفة الذّئب:

ينَام بِإِحْدَى مقلتيه ويتّقيبِأُخْرَى المنايا فَهُوَ يقظان هاجع
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
إِذا مَا إِذا يَوْمًا رَأَيْت غيابةًمن الطّير ينظرن الَّذِي هُوَ صانع
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة

زأخذه ابْن المعتز بِلَفْظ امْرِئ الْقَيْس فَقَالَ: قد وثق الْقَوْم لَهُ بِمَا طلب فَهُوَ إِذا جلّى لصيدٍ واضطرب عرّوا سكاكينهم من الْقرب) وَأنْشد بعده وَهُوَ

(الشَّاهِد الموفى ثَلَاثمِائَة)

وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:

أَقَامَت على ربعيهما جارتا صفاكميتا الأعالي حونتا مصطلاهما
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «أمن دمنتين عرج الركب فيهما»

على أنّ الصّفة المشبهة قد تُضَاف إِلَى ظاهرٍ مُضَاف إِلَى ضمير صَاحبهَا.

يَنْبَغِي أَن تشرح أَولا أَلْفَاظه اللغويّة حَتَّى يظْهر مَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ من الْمَسْأَلَة النحوية فَنَقُول: هَذَا الْبَيْت للشمّاخ بن ضرار وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالتسْعين بعد الْمِائَة وَقيل هَذَا بَيت.

وَهُوَ مطلع القصيدة:

أَمن دمنتين عرّس الرّكب فيهمَابحقل الرّخامى قد أَنى لبلاهما

وَقد أوردهما مَعًا سِيبَوَيْهٍ فِي كِتَابه وبعدهما:

وإرث رمادٍ كالحمامة مائلٍونؤيان فِي مظلومتين كداهما
أَقَامَا لليلى والرّباب وزالتابِذَات السّلام قد عَفا طللاهما
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «أمن دمنتين عرج الركب فيهما»

قَوْله: امن دمنتين الْجَار متعلّق بِمَحْذُوف تَقْدِيره أتحزن أَو أتجرع من دمنتين رأيتهما فتذكرت من كَانَ يحلّ بهما. والاستفهام تقريريّ وَالْخطاب لنَفسِهِ. ذكر فِي هَذِه الأبيات أَنه رأى منَازِل حبائبه وَأَنه لم يبْق فِيهَا غير الأثافي والرماد والنؤي. والدّمنة بِالْكَسْرِ: الْموضع الَّذِي أثّر فِيهِ النَّاس بنزولهم وغقامتهم فِيهِ. والتَّعْرِيس: نزُول الْمُسَافِرين فِي آخر اللَّيْل قَلِيلا للاستراحة ثمَّ يرتحلون.

وَرُوِيَ بدله: عرّج الرّكب والتعريج: أَن يعطفوا رواحلهم فِي الْموضع ويقفوا فِيهِ. والرّكب: ركاب الْإِبِل جمع رَاكب. والحقل بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف: القراح الصّلب وَهِي المزرعة الَّتِي لَيْسَ عَلَيْهَا بِنَاء وَلَا شجر. والرّخامى بِضَم الرَّاء بعْدهَا خاء مُعْجمَة وَآخره ألف مَقْصُورَة وَهُوَ شجر مثل الضال وَهُوَ السّدر البرّيّ. وبحقل الرّخامى حَال من الضَّمِير فِي فيهمَا. وأَنى بالنُّون فعل مَاض بِمَعْنى حَان. والبلى بِكَسْر الْمُوَحدَة: الفناء والذّهاب بالمرّة وَاللَّام زَائِدَة أَي: قد حَان بلاهما.

وَقد روى كثيرٌ بدلهما: قد عَفا طللاهما وَهَذَا غير صَوَاب لِأَنَّهُ يتكررّ مَعَ مَا بعده:)

وَقَوله: أَقَامَت على ربعيهما الخ أَي: بعد ارتحال أهلهما. والرّبع: الدَّار والمنزل. وَضمير المثنّى للدمنتين خلافًا للسَّيِّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ فإنّه قَالَ: يَعْنِي بربعيهما منزلي الأمرأتين اللَّتَيْنِ ذكرهمَا مَعَ أَنه لم يقدّم ذكرهمَا بل أخرهما كَمَا رَأَيْت. وجارتا: فَاعل أَقَامَت وَهُوَ مُضَاف. والصّفا بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَالْفَاء: الصخر الأملس وَاحِدَة صفاة وَهُوَ مُضَاف إِلَيْهِ.

قَالَ السيّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ: وَيَعْنِي بجارتا صفا الأثفيّتين لأنّهما مقطوعتان من الصّفا الَّذِي هُوَ الصخر.

وَيُمكن فِي قَوْله: جارتا صفا وجهٌ آخر هُوَ أحسن من هَذَا وَهُوَ أنّ الأثقيّتين توضعان قَرِيبا قَرِيبا من الْجَبَل لتَكون حِجَارَة الْجَبَل ثَالِثَة لَهما وممسكةً للقدر مَعَهُمَا

وَلِهَذَا تَقول الْعَرَب: رَمَاه بثالثة الأثافي أَي: بالصخرة أَو الْجَبَل انْتهى.

وعَلى هَذَا الْأَخير اقْتصر ابْن السيرافيّ فِي شرح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ وَتَبعهُ الْجَمَاعَة قَالَ: الصّفا هُوَ الْجَبَل فِي هَذَا الْموضع وجارتاه: صخرتان تجعلان تَحت الْقدر وهما الأثفيّتان اللَّتَان تقربان من الْجَبَل فَيقوم الْجَبَل مقَام صَخْرَة ثَالِثَة تكون تَحت الْقدر وَمُقْتَضى الْمَعْنى أنّ فِي كلّ من الرّبعين جارتا صفا لَا أنّ فِي مَجْمُوع الربعين جارتا صفا.

وَقَوله: كميتا الأعالي.. الخ هُوَ صفة جارتا صفا وَهُوَ تركيب إضافيّ مثله وَهُوَ مثنّى كميت بِالتَّصْغِيرِ من الكمتة وَهِي الْحمرَة الشَّدِيدَة المائلة إلأى السوَاد. واراد بالأعالي أعالي الجارتين قَالَ الأعلم: يَعْنِي أنّ الأعالي من الأثفيّتين لم تسود لبعدها عَن مُبَاشرَة النَّار فَهِيَ على لون الْجَبَل.

وَكَذَلِكَ قَالَ السَّيِّد المرتضى: شبّه أعلاهما بلون الْكُمَيْت وَهُوَ لون الْحجر نَفسه لِأَن النّار لم تصل إِلَيْهِ فتسوّده.

وَقَالَ ابْن السيرافيّ وَتَبعهُ من بعده: يُرِيد أنّ أعالي الأثافي ظهر فِيهَا لون الكمتة من ارْتِفَاع النّار إِلَيْهَا. وَقَوله: جونتا مصطلاهما نعتٌ ثَان لقَوْله: جارتا صفا وَهُوَ تركيب إضافيّ أَيْضا وَلَيْسَ بمرادٍ هُنَا.

وَمن الْغَرِيب قَول النحّاس: إنّ الجون هُنَا هُوَ الْأَبْيَض. والمصطلى: اسْم مَكَان الصّلاء أَي: الاحتراق بالنّار فَيكون المصطلى مَوضِع إحراق النَّار.)

يُرِيد أَن أسافل الأثافي قد اسودّت من إيقاد النّار بَينهَا. وَالضَّمِير المثنّى فِي مصطلاهما عِنْد سِيبَوَيْهٍ لقَوْله جارتا صفا وَعند المبّرد للأعالي كَمَا يَأْتِي بيانهما. وَزعم بعض فضلاء الْعَجم فِي شَوَاهِد المفصّل أنّ الكمتة هُنَا السّواد. وَهَذَا غير صَوَاب.

وَقَوله: وإرث رماد الخ هُوَ مَعْطُوف على فَاعل أَقَامَت. وإرث كلّ شَيْء: أَصله وَهُوَ بِالْكَسْرِ وَآخره ثاء مُثَلّثَة. والحمامة هُنَا: القطاة. شبّه لون الرّماد بريش القطاة. وماثل: قَالَ شَارِح الدِّيوَان: والمظلومة: الأَرْض الغليظة الَّتِي يحْفر فِيهَا فِي غير مَوضِع حفر. والكدية بِالضَّمِّ: الأَرْض الغليظة الَّتِي ظلمت كداها أَي: حفر فِيهَا فِي غير مَوضِع حفر.

وَقَوله: أَقَامَا لليلى الخ قَالَ شَارِح الدِّيوَان: أَي: هَذَانِ الطللان أَقَامَا بعد أهلهما. أَشَارَ إِلَى أنّ اللَّام فِي لليلى بِمَعْنى بعد. وذَات السَّلَام: مَوضِع. وعَفا: تغيّر. والطّلل قَالَ الأعلم: هُوَ مَا شخص من عَلَامَات الدَّار وأشرف كالأثفية والوتد وَنَحْوهمَا وَإِن لم يكن لَهُ شخص كأئر الرماد وملاعب الغلمان فَهُوَ رسم.

وَقَوله: كأنّها عزالي الخ هُوَ جمع عزلاء بِفَتْح مهملةٍ وَسُكُون مُعْجمَة وَهِي فَم الْقرْبَة ومصبّ المَاء من المزادة. والشّعيبان: المزادتان قَالَ أَبُو عبيد: الشّعيب والمزادة وَالرِّوَايَة والسّطحية شيءٌ وَاحِد. والمخلف: المستقي. والكلى: الرّقاع الَّتِي تكون فِي المزادة وأحدها كُلية.

هَذَا. وَأما محلّ الشَّاهِد قَوْله: جونتا مصطلاهما فَإِنَّهُ أضَاف جونتا إِلَى مصطلاهما. قَالَ السيرافيّ: جونتا مثنّى وَهُوَ بِمَنْزِلَة حسنتا وَقد أضيفا إِلَى مصطلاهما ومصطلاهما يعود إِلَى جارتا صفا وَمعنى جارتا صفا الأثافيّ والصفا هُوَ الْجَبَل وَإِنَّمَا يبْنى فِي أصل الْجَبَل فِي موضِعين مَا يوضع عَلَيْهِ الْقدر وَيكون الْجَبَل هُوَ الثَّالِث فالبناء فِي موضِعين هما جارتا صفا.

وَقَوله: كميتا الأعاللي يَعْنِي أنّ الأعالي من مَوضِع الأثافيّ لم تسود لأنّ الدّخان لم يصل إِلَيْهَا فَهِيَ على لون الْجَبَل وَجعل الْأَعْلَى من الْجَبَل أعالي الجارتين. وجونتا مصطلاهما يَعْنِي مسودّتا المصطلى يَعْنِي الجارتين مسودّتا المصطلى وَهُوَ مَوضِع الْوقُود.

وَقد أنكر هَذَا على سِيبَوَيْهٍ وخرّد للبيت مَا يخرج بِهِ عَن: حسن وَجهه وحسنة

وَجههَا قَالَ: وَذَلِكَ أنّه لَا خلاف بَين النّحويين أنّ قَوْلنَا زيد حسن وَجه الْأَخ جيّد بَالغ وأنّه يجوز أَن يكنى عَن الْأَخ فَنَقُول زيد حسن وَجه الْأَخ جميل وَجهه فالهاء تعود إِلَى الْأَخ لَا إلأى زيد فكأنا قُلْنَا زيد حسن وَجه الْأَخ. جميل وَجه الْأَخ.)

قَالَ: فعلى هَذَا قَوْله كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما كَأَنَّهُ قَالَ جونتا مصطلى الأعالي فَالضَّمِير فِي الصطلى يعود إِلَى الأعالي لَا إِلَى الجارتين فَيصير بِمَنْزِلَة قَوْلك: الهندان حسنتا الْوُجُوه مليحتا خدودهما. فَإِن أردْت بالضمير فِي خدودهما الْوُجُوه كَانَ كلَاما مُسْتَقِيمًا كأنّك قلت حسنتا الْوُجُوه مليحتا خدود الْوُجُوه. فَإِن أردْت بالضمير الهندين فَالْمَسْأَلَة فَاسِدَة فَكَذَلِك جونتا مصطلاهما إِن أردْت بالضمير الأعالي فَهُوَ صَحِيح وَإِن أردْت بالضمير الجارتين فَهُوَ رَدِيء لأنّه مثل قَوْلك هِنْد حَسَنَة وَجههَا.

قَالَ: فَإِن قَالَ قَائِل: فَإِذا كَانَ الضَّمِير فِي مصطلاهما يعود إِلَى الأعالي فَلم يثنّى والأعالي جمع قيل لَهُ: الأعالي فِي معنى الأعليين فردّ الضَّمِير إِلَى الأَصْل.

مَتى مَا تلقني فردين ترجفروانف أليتيك وتستطارا
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «حولي تنفض اِستُكَ مذرويه»

فردّ تستطار إِلَى رانفتين لِأَن روانف فِي معنى رانفتين. وعَلى هَذَا يجوز أَن تَقول الهندان حسنتا الْوُجُوه جميلتا خدودهنّ لأنّ الْوُجُوه فِي معنى الْوَجْهَيْنِ فكأنّك قلت: جميلتا خدود الْوَجْهَيْنِ.

قَالَ أَبُو بكر بن ناهض القرطبيّ: هَذَا التَّأْوِيل حسن فِي إِعَادَة الضَّمِير الَّذِي فِي مصطلاهما إِلَى الأعالي لَوْلَا مَا يدْخل الْبَيْتَيْنِ من فَسَاد الْمَعْنى وَذَلِكَ أنّك إِذا قلت: كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما إنّ مَعْنَاهُ اسودّت الجارتان واصطلى أعاليهما كَمَا أَن معنى قَوْلك الهندان حسنتا الْوُجُوه مليحتا خدودهما إنّما الْمَعْنى

حسنت وُجُوههمَا وملحت خدودهما فَكَذَلِك يجب أَن يكون مصطلاهما إِذا أُعِيد الضَّمِير إِلَى الأعالي أَن يكون قد اصطلت الأعالي وَإِذا اصطلت الأعالي فقد اسودّت وَهُوَ بِخَير أنّهما لم يسودّا لأنّهما لم يصل الدّخان إِلَيْهِمَا.

وَالدَّلِيل على ذَلِك أنّه وصف الأعالي بالكمته وَلم يصفها بالسّواد كَمَا وصف الجارتين فَلَا يشبه هَذَا قَوْلك الهندان حسنتا الْوَجْه مليحتا خدودهما لأنّ كلّ واحدٍ من هذَيْن الضميرين قدج ارْتَفع بِفِعْلِهِ وَكَذَلِكَ يجب أَن يرفع ضمير الأعالي بِفِعْلِهِ فَيكون على هَذَا الأعالي قد اصطلت بالنّار وَهَذَا خلاف مَا أَرَادَ الشَّاعِر لِأَنَّهُ ذكر أَنه لم يصطل مِنْهَا غير الجارتين وأنّ الأعالي لم يصل إِلَيْهَا الدُّخان. فَهَذَا خلاف مَا نظره النحويون وقاسوه. فَلَا بدّ من الذّهاب فِي معنى الْبَيْت إِلَى مَا ذهب إِلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ من أنّ الضَّمِير فِي مصطلاهما يعود على الجارتين. انْتهى.

وَقد ردّ مَا ذهب إِلَيْهِ المبّرد ابْن جنّي أَيْضا بِوَجْه غير هَذَا قَالَ فِي بَاب الْحمل على الْمَعْنى من)

الخصائص: اعْلَم أنّ الْعَرَب إِذا حملت على الْمَعْنى لم تكد تراجع اللَّفْظ كَقَوْلِك شكرت من أَحْسنُوا إليّ على فعله.

وَلَو قلت شكرت من أحسن إِلَيّ على فعلهم جَازَ وَلِهَذَا ضعف عندنَا أَن يكون هما من مصطلاهما فِي قَوْله: كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما عَائِدًا على الأعالي فِي الْمَعْنى إِذا كَانَا فاعلين اثْنَيْنِ لأنّه مَوضِع قد ترك فِيهِ لفظ التَّثْنِيَة حملا على الْمَعْنى لأنّه جعل كلّ جِهَة مِنْهُمَا أَعلَى كَقَوْلِهِم: شابت مُفَارقَة وَهَذَا بعيرٌ ذُو عثانين وَنَحْو ذَلِك. أَو لأنّ الأعليين شَيْئَانِ من شَيْئَيْنِ فَإِذا كَانَ قد انْصَرف عَن اللَّفْظ إِلَى غَيره ضعفت معاودته إيّاه لأنّه انتكاث وتراجع فَجرى ذَلِك مجْرى إدغام الملحق وتوكيد مَا حذف. على أنّه قد جَاءَ مِنْهُ شَيْء قَالَ: رُؤُوس كبيريهنّ ينتطحان وَأما قَوْله:

كِلَاهُمَا حِين جدّ الجري بَينهمَاقد أقلعا وكلا أنفيهما رابي

فَلَيْسَ من هَذَا الْبَاب وَإِن كَانَ قد عَاد من بعد التَّثْنِيَة إِلَى الْإِفْرَاد وَذَلِكَ أَنه لم يقل كِلَاهُمَا قد أقلعا وَأَنْفه رابٍ فَيكون مَا أنكرناه لكنه قد أعَاد كلا أُخْرَى غير الأولى فعاملها على لَفظهَا. وَلم يقبح ذَلِك لأنّه قد فرغ من حَدِيث الأولى ثمَّ اسْتَأْنف من بعْدهَا أُخْرَى وَلم يَجْعَل الضميرين عائدين إِلَى كلا واحدةٍ.

وَهَذَا كَقَوْلِك: من يقومُونَ أكْرمهم وَمن يقْعد أضربه. وَلَا يحسن وَمِنْهُم من يستمع إِلَيْك حتّى إِذا خَرجُوا من عنْدك لما ذَكرْنَاهُ. وَهَذَا وَاضح فاعرفه. انْتهى.

وَهَذَا مَأْخُوذ من كَلَام أبي عليّ فِي الْمسَائِل البغداديات وَقد بسط القَوْل على هَذَا الْبَيْت فَلَا بَأْس بإبراد كَلَامه قَالَ: فَأَما قَوْله: جونتا مصطلاهما فقد قدّره سِيبَوَيْهٍ تَقْدِير حَسَنَة وَجههَا وَجعل قِيَاسه كقياسه وَكَانَ حكمه عِنْده إِن أجراد على الأَصْل دون الْحَذف أَن يَقُول: جارتا صفا جونٌ مصطلاهما فيجرى جونٌ على الجارتين فيرتفع بجريه عَلَيْهِمَا لأنّهما مرفوعتان ثمَّ يرْتَفع المصطلى بجون وَيعود ضمير التَّثْنِيَة على الجارتين فَيكون كَقَوْلِك: الهندانحسنٌ ثوبهما وَهِنْد حسنٌ وَجههَا.

وَإِن أجراه على الْحَذف دون الأَصْل أَن يَقُول: أَقَامَت على ربيعيهما جارتا صفا جونتا المصطليات فِيمَن قَالَ الهندان حسنتا الْوُجُوه وفيمن قَالَ صفا رحليهما

جونتا المصطلين)

فَيصير كَقَوْلِك الهندان حسنتا الثَّوْبَيْنِ. فَلم يَسْتَعْمِلهُ على الْإِتْمَام وَالْأَصْل وَلَا على الِاخْتِصَار والحذف وَلَكِن جعله كَقَوْلِك: هَذِه امْرَأَة حَسَنَة وَجههَا فثنّى الجونة وهما وَصفا الجارتين وأضافه مثنّى إِلَى المصطلى وَهُوَ هما فِي الْمَعْنى إلاّ أنّه وضع الْوَاحِد مَوضِع الْجمع فِيمَن قَالَ: حسان الْوُجُوه وَمَوْضِع التَّثْنِيَة فِيمَن قَالَ: صفا رحليهما وَهُوَ المصطلى أَلا ترى أنّ لكل وَاحِدَة من الجارتين مصطلى.

وَإِن وجّهته على أنّ المصطلى يكون جَمِيع ذَلِك وَأحد لم يضع وَاحِدًا مَوضِع جمع ثمَّ أضَاف مصطلى إِلَى ضمير الجارتين كَمَا أضَاف الْوَجْه فِي قَوْله هَذِه امْرَأَة حَسَنَة وَجههَا إلأى ضمير الْمَرْأَة بعد إِضَافَة حسن الَّذِي هُوَ الْوَجْه فِي الْمَعْنى إِلَى الْوَجْه. فعلى هَذَا وضع سِيبَوَيْهٍ هَذَا الْبَيْت.

وَقد يحْتَمل غير مَا تأوّله وَهُوَ مَا ذكره بَعضهم: من أنّ الشَّاعِر إنّما ردّ الضَّمِير المثنّى فِي قَوْله مصطلاهما إِلَى الأعالي لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَة اثْنَان.

وَهَذَا مثل قَوْله:

رَأَتْ جبلا فَوق الْجبَال إِذا الْتَقترُؤُوس كبيريهنّ ينتطحان

وَلست أعرف من قَائِل هَذَا القَوْل إلاّ أنّه لَيْسَ بممتنع. وَيخرج الْكَلَام بِهِ من أَن يكون على قَوْلك: هِنْد حَسَنَة وَجههَا لأنّ الضَّمِير المثنّى على هَذَا فِي قَوْله مصطلاهما لَيْسَ يرجع إِلَى الجارتين إنّما يرجع إِلَى الأعالي لأنّ الأعالي وَإِن كَانَ مجموعاً فِي اللَّفْظ فَهُوَ اثْنَان فِي الْمَعْنى فَحَمله على ذَلِك فَكَأَنَّهُ قَالَ جونتا مصطلاهما الأعالي.

وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يكن على حَسَنَة وَجههَا لِأَن الجونة لم تضف إِلَى اسْم يتّصل بِهِ ضمير يعود من الِاسْم الَّذِي بعد الصّفة فِي قَوْلك هِنْد حَسَنَة وَجههَا ضميرٌ يعود إِلَى هِنْد لكَون الضَّمِير الْعَائِد إِلَى الجارتين محذوفاً كَمَا أنّ الضَّمِير من هِنْد حَسَنَة الْوَجْه ودعد حَسَنَة وَجه الْأَب مَحْذُوف فَلذَلِك أنّث جونة من قَوْله جونتا مصطلاهما كَمَا أنّث حَسَنَة فِي قَوْلك هِنْد حَسَنَة الْوَجْه لِأَنَّهُ لم يعد فِيهِ إِلَى هِنْد ضمير.

وَقِيَاس هَذَا إِذا رفع الِاسْم بِالصّفةِ وَلم تصف الصّفة إِلَى مَا هُوَ فاعلها فِي الْمَعْنى كحسنٌ وجهٌ حسنٌ الْوَجْه أَن يُقَال جارتا صفا جونٌ مصطلاهما أعاليهما أَو أعلييهما فمصطلاهما فِي مَوضِع رفع مثل قَوْلك هَاتَانِ امْرَأَتَانِ حسنٌ غُلَام أبويهما. وعيب هَذَا القَوْل الَّذِي قَالَه هَذَا الْقَائِل هُوَ أنّ التَّثْنِيَة حملت على أنّها جمع وَذَلِكَ بعيد لأَنا وجدناهم يجْعَلُونَ الِاثْنَيْنِ على لفظ)

الْجمع فِي نَحْو قَوْله ﷿: إِذْ تسوّروا الْمِحْرَاب وقد صغت قُلُوبكُمَا وبابه وَلم نرهم يجْعَلُونَ لفظ التَّثْنِيَة للْجمع.

إلاّ أنّه لَا يمْتَنع ذَلِك فِي هَذَا الْموضع لأنّ الْمَجْمُوع الَّذِي هُوَ قَوْلنَا: الأعالي هُنَا اثْنَان فِي الْحَقِيقَة فَحَمله على الْمَعْنى أَو اسْتعْمل اللغتين فِي نَحْو هَذَا جَمِيعًا فَحمل الأوّل على قَوْله: فقد صنعت قُلُوبكُمَا وَالثَّانِي على صفا رحليهما. وَلَيْسَ ذَلِك بِحسن لأنّ الرَّاجِع أَن يكون على لفظ المرجوع إِلَيْهِ أحسن إلاّ أَن ذَلِك لَا يمْتَنع.

فَفِي هَذَا التَّأْوِيل تَخْلِيص للشعر من عيب وإدخاله فِي عيب آخر. انْتهى كَلَام أبي عليّ.

وَمثله لِابْنِ السّرّاج فِي الْأُصُول قَالَ: وَقد حكى سِيبَوَيْهٍ أنّ بَعضهم يَقُول زيد حسن وَجهه شبهوه بِحسن الْوَجْه واحتجّ بقوله جونتا مصطلاهما فَجعل المصطلى هَاهُنَا فِي مَوضِع خفض وَالْهَاء وَالْمِيم رَاجِعَة إِلَى الِاثْنَيْنِ وهما جارتا صفا. وَكَانَ حقّه أَن يَقُول جونتا المصطلين.

وَقَالَ غَيره: لَيْسَ الْمَعْنى على هَذَا وَالْهَاء وَالْمِيم ترجع إِلَى الأعالي وَإِن كَانَت جمعا لأنّ مَعْنَاهُمَا معنى اثْنَيْنِ وإنّما جمعت لأنّها من اثْنَيْنِ كَمَا قَالَ: ظهراهما مثل ظُهُور التّرسين.

فَكَانَ معنى الشّعْر مصطلى الأعالي. وَنَظِير هَذَا: هِنْد فارهة العَبْد حَسَنَة وَجهه. تُرِيدُ حَسَنَة وَجه العَبْد. وَلَو قلت حَسَنَة وَجههَا كنت قد أضفت الشَّيْء إِلَى نَفسه. وسيبويه إنّما ذكر هَذَا الْبَيْت على ضَرُورَة الشَّاعِر والغلط عِنْدِي.

ثمَّ قَالَ فِي آخر الْكتاب فِي ذكر مَا جَاءَ كالشاذّ الَّذِي لَا يُقَاس عَلَيْهِ: وَهُوَ سَبْعَة مِنْهُ تَغْيِير وَجه الْأَعْرَاب للقافية تَشْبِيها بِمَا يجوز: قَالَ: ومّما يقرب من هَذَا قَوْله جونتا مصطلاهما وَإِنَّمَا الْكَلَام المصطلين فردّه إِلَى الأَصْل فِي الْمَعْنى لأنّك إِذا قلت: مَرَرْت بِرَجُل حسن الْوَجْه فَمَعْنَاه حسن وَجهه فَإِذا ثنيتقلت مَرَرْت برجلَيْن حسني الْوَجْه فَإِن رَددته إِلَى أَصله قلت برجلَيْن حسن وُجُوههمَا. فَإِذا قلت وُجُوههمَا لم يكن فِي حسن ذكرٌ مّما قبله وَإِذا أتيت بِالْألف وَاللَّام وأضفت الصّفة إِلَيْهَا كَانَ فِي الصّفة ذكر الْمَوْصُوف. فَكَانَ حق هَذَا الشَّاعِر لّما قَالَ مصطلاهما أَن يوحّد الصّفة فَيَقُول: جون مصطلاهما. انْتهى.

فقد بَان لَك مِمَّا نقلنا عَنْهُم وهم أَرْبَاب النَّقْد فِي هَذَا الْعلم أَن الرادّ عى سِيبَوَيْهٍ لَيْسَ المبّرد لَا سيّما أَبُو عليّ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا أعرف قَائِل هَذَا القَوْل. وَالشَّارِح الْمُحَقق قَالَ هُوَ المبّرد. وَفَوق كلّ)

ذِي علمك عليم. وَالله أعلم.

وَقد تكلّم على هَذَا الْبَيْت فِي بَاب الصّفة المشبّهة أَيْضا وَقَالَ: كَلَام المبّرد تكلّف وَالظَّاهِر مَعَ سِيبَوَيْهٍ.

وَأنْشد بعده وَهُوَ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»