من «سر الفصاحة» لابن سنان الخفاجي (ت ٤٦٦هـ)
الكلام في المعاني مفردة
أما حصر المعاني بقوانين تستوعب أقسامها وفنونها على حسب ما ذكرناه في الألفاظ فعسير متعب لا يليق بهذا الكتاب تكلفه لأنه ثمرة علم المنطق ونتيجة صناعة الكلام ولسنا بذاهبين في هذا الكتاب إلى تلك الأغراض والمطالب. ولكن نحتاج إلى أن نومئ إلى المعاني التي تستعمل في صناعة تأليف الكلام المنظور والمنثور ونبين كيف يقع الصحيح فيها والفاسد والتام والناقص على أن من كان سليم الفكر صحيح التصور لم يخف عنه شئ مما تستر النفوس وإن كان قد يخفى عنه كثير مما ذكرناه من الكلام والألفاظ لأن في الألفاظ مواضعة واصطلاحاً يختلف الناس في المعرفة بهما بحسب اختلافهم في معرفة اللغة وفهم الاصطلاح
والمواضعة والمعاني ليس فيها شئ من ذلك. وإنما معيارها العقل والعلم وصفاء الذهن في الوجود وهي أربعة مواضع الأول وجودها في أنفسها والثاني وجودها في إفهام المتصورين لها والثالث وجودها في الألفاظ التي تدل عليها. والرابع وجودها في الخط الذي هو أشكال تلك الألفاظ المعبر بها عنه وإذا كان هذا مفهوماً فإنا في هذا الموضع إنما نتكلم على المعاني من حيث كانت موجودة في الألفاظ التي تدل عليها دون الأقسام الثلاثة المذكورة ثم ليس نتكلم عليها من حيث وجدت في جميع الألفاظ بل من حيث توجد في الألفاظ المؤلفة المنظومة على طريقة الشعر والرسائل وما يجرى مجراهما فقط إذ كان ذلك هو مقصودنا في هذا الكتاب.
وإذا بان هذا فإن الأوصاف التي تطلب من هذه المعاني: هي الصحة والكمال والمبالغة والتحرز مما يوجب الطعن والاستدلال بالتمثيل والتعليل وغيرهما وسنذكر من أمثلة ذلك ما يعرب عن قصدنا ويوضح مرادنا.
أما الصحة في التقسيم: فإن تكون الأقسام المذكورة لم يخل بشئ منها ولا تكررت ولا خدل بعضها تحت بعض ومثال هذا في النظم قول نصيب:
فقال فريق القوم لا وفريقهمنعم! وفريق قال ويحك ما ندري
فليس في أقسام الإجابة عن مطلوب إذا سئل عنه غير هذه الأقسام ومنه قول الشماخ يصف صلابة سنابك الحمار وشدة وطئه الأرض:
متى ما تقع أرساغه مطمئنةعلى حجر يرفض أو يتدحرج
فليس في أمر الوطء الشديد إلا أن يكون الذي يوطأ رخوا فيرض أو صلباً فيندفع.
ومن ذلك قول زهير بن أبي سلمى:
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا أطعنواضارب حتى إذا ما ضاروبا اعتنقا
وهذا تقسيم صحيح.
ومنه قول الحارثي:
فكذبت طرفي عنك والطرف صادقوأسمعت أذني فيك ماليس تسمع
وما أسكن الأرض التي تسكنينهالئلا يقولوا صابر ليس يجزع
فلا كمدي يغنى ولا لك ذمةولا عنك إقصار ولا فيك مطمع
لقيت أموراً فيك لم ألق مثلهاوأعظم منها منك ما أتوقع
وهذا كلها أقسام صحيحة.
ومن أمثلة ذلك في النثر قول بعضهم في كتاب له: فإنك لم تخل فيما بدأتني به من مجد أثلته أو شكر تعلجته أو أجر ادخرته أو متجر اتجرته أو من أن تكون جمعت ذلك كله فلم يبق في هذا المعنى قسم لم يأت به ولا من الأقسام شئ تكرر.
فأما الأقسام الفاسدة فكقول جرير:
صارت حنيفة أثلاثاً فثلثهممن العبيد وثلث من مواليها
فهذه قسمة فاسدة من طريق الاخلال لأنه قد أخل بقسم من الثلاثة.
قيل: إن بعض بنى حنيفة سئل من أي الأثلاث هو من بيت جرير فقال: هو من الثلث الملغي. ومنها قول أبي تمام:
قسم الزمان ربوعها بين الصباوقبولها ودبورها أثلاثاً
فهذا فاسد من طريق التكرار
لأن القبول هي الصبا على ما ذكره جماعة من أهل اللغة.
ومن ذلك أيضاً قول هذيل الأشجعي:
فما برحت تومى إلي بطرفهاوتومض أحياناً إذا خصمها غفل
لأن-تومي بطرفها وتومض-في معنى واحد.
ومنه قول الآخر:
أبادر إهلاك مستهلكلمالي أو عبث العابث
فهذا فاسد لدخول أحد القسمين في الآخر لأن عبث العابث داخل في استهلاك المستهلك.
ومن هذا الجنس: أن بعض المتخلفين سأل مرة قال علقمة بن عبدة جاهلي أو من بني تميم فضحك منه لأن الجاهلي قد يكون من بني تميم ومن بني عامر والتميمي قد يكون جاهلياً وإسلامياً. وكتب بعضهم إلى عامل من قبله: ففكرت مرة في عزلك وأخرى في صرفك وتقليد غيرك وكتب أيضاً في هذا الكتاب: فتارة تسترق الأموال وتختزلها وتارة تقتطعها وتحتجنها.
وهذا مثل الأول في التكرير. وكتب آخر في فتح فقال: فمن بين جريح مضرج بدمائه وهارب لا يلتفت إلى ورائه. وهذان القسمان يدخل كل واحد منهما في الآخر لأن الجريح قد يكون هاربا والهارب قد يكون جريحاً.
وروى أبو الفرج قدامة بن جعفر: أن ابن منارة وقع على ظهر رقعة عامل من عماله هرب من صارفه - وكتب إليه رقعة يعلم بها ما عنده
إنك لا تخلو في هربك من صارفك من أن تكون قدمت إليه اساءة خفت منه معها أو خنت في عملك خيانة رهبت تكشفه إياك عنها فإن كنت أسأت.
فأول راض سنة من يسيرها
وإن كنت خنت خيانة فلا بد من مطالبتك بها.
فكتب العامل تحت هذا التوقيع: قد بقي من الأقسام ما لم تذكره - وهو أني خفت ظلمة إياي بالبعد عنك وتكثيره على بالباطل عندك ووجدت الهرب إلى حيث يمكنني فيه دفع ما يتخرصه أنفي للظنة عني والبعد عمن لا يؤمن ظلمه أولى بالاحتياط لنفسي فوقع ابن منارة تحت ذلك: قد أصبت فصر إلينا آمناً بالاحتياط لنفسي فوقع ابن منارة تحت ذلك: قد أصبت.
فصر إلينا آمناً من ظلمة عاجلاً على أن ما يصح عليك فلا بد من مطالبتك به.
وقد ذهب أبو القاسم الآمدي إلى فساد القسمة من قول أبي عبادة البحتري:
ولا بد من ترك أحدى اثنتينإما الشباب وإما العمر
قال: لأن ها هنا قسماً آخر وهو أن يتركا معاً فيموت الإنسان شاباً.
وأجاب الشريف المرتضى ﵁ عن ذلك: بأن المراد بترك الشباب تركه بالشيب وبترك العمر تركه بالموت وهذا هو المستعمل المألوف في هذه الألفاظ فمن مات شاباً فلا يقال عنه أنه ترك الشباب لأنه لم يشب وإنما يقال عنه أنه ترك العمر فدخل في أحد القسمين. ولى في هذا الموضع نظر وتأمل.
ومن الصحة تجنب الاستحالة والتناقض: وذلك أن يجمع بين المتقابلين من جهة واحدة.
والتقابل يكون على أربع جهات أما على
طريق المضاف وهو الشيء الذي يقال بالقياس إلى غيره مثل الضعف بالقياس إلى نصفه والأب إلى ابنه والمولى إلى عبده وأما على طريق التضاد مثل الأبيض والسود والشرير والخير وأما على طريق العدم والقنية كالأعمى والبصير والأمرد وذي اللحية وأما على طريق النفي والإثبات مثل أن يقال زيد جالس زيد ليس بجالس. فإذا ورد في الكلام جمع بين متقابلين من هذه المتقابلات من جهة واحدة فهو عيب في المعنى والمراد بقولنا من جهة واحدة أن لا يكون المتقابلان من جهتين فإنهما إذا كانا من جهتين لم يكن الكلام مستحيلا مثال ذلك أن يقال: العشرة ضعف ونصف لكنها ضعف الخمسة ونصف العشرين فيكون هذا صحيحاً لأنه تقابل من جهتين فأما لو كان من جهة واحدة حتى يقال: إن العشرة ضعف الخمسة ونصفها لكان ذلك محالا وكذلك يقال في المتقابلين بالعدم والقنية زيد أعمى العين بصير القلب فيكون ذلك صحيحاً فأما لو قيل زيد أعمى العين بصير العين كان ذلك محالا وكذلك في التضاد أن يقال: الفاتر حار عند البارد وبارد عند الحار ولا يكون حاراً بادراً عند أحدهما وزيد كريم بالطعام بخيل بالثياب ولا يصح أن يقال كريم بالثياب بخيل بها.
وإذا كان هذا مفهوماً فالذي يقع في النظم والنثر من هذا التناقض على هذا النحو عيب في المعاني بغير شك وإن كانوا قد تسمحوا في الشعر أن يكون في البيت شيء وفي بيت آخر ما ينقضه حتى يذم في بيت شئ من وجه ويمدح في بيت آخر من ذلك الوجه بعينه وإنما أجازوا هذا لأنهم اعتقدوا أن كل بيت قائم بنفسه فجرى البيتان مجرى قصيدتين. فكما جاز للشاعر أن يناقض في قصيدتين كذلك جاز له أن
يناقض في بيتين ولم يختلفوا في أن البيت إذا ولى البيت وكان معنى كل واحد منهما متعلقاً بالآخر فلن يجوز أن يكون في أحدهما ما يناقض الآخر وإنما أجازوا ذلك مع عدم الاتصال والتعلق على أن تجتنب هذا في القصيدة - وإن كانوا قد أجازوه - أحسن وأولى.
وقد قال أبو عثمان الجاحظ: إن العرب تمدح الشئ وتذمه لكنهم لا يمدحون الشيء من الوجه الذي يذمونه به. وما أحسن ما قال أبو عثمان: لعمري أنهم على ذلك يتصرف قولهم وإن أبا تمام لما وصف يوم الفراق بالطول فقال:
يوم الفراق لقد خلقت طويلالم تبق لي جلداً ولا معقولا
قالوا الرحيل فما شككت بأنهانفسي من الدنيا تريد رحيلا
علل طوله بما لقي فيه من الوجد لرحيل أحبابه عنه وأبو عبادة لما وصفه بالقصر فقال:
ولقد تأملت الفراق فلم أجديوم الفراق على امرئ بطويل
قصرت مسافته على متزودمنه لدهر صبابة وغليل
علل قصره بأنه اجتمع فيه بمن يحبه للوداع وتزود منه لأيام البعد عنه. فهما وإن كان كل واحد منهما قد خالف صاحبه في مدح الفراق وذمه فقد ذكر لما ذهب إليه وجهاً يصح به وعلى هذا الطريق يحسن وقوع الخلاف في أغراض الشعراء إلا أن يكون أحد القولين صحيحاً والآخر فاسداً.
فأما المتناقض في العشر فكقول عبد الرحمن بن عبد الله القس:
أرى هجرها والقتل مثلين فأقصرواملامكم فالقتل أعفى وأيسر
فقال هذا الشاعر: إن الهجر والقتل مثلان ثم سلبهما ذلك
فقال: إن القتل أعفى وأيسر فكأنه قال إن القتل مثل الهجر وليس هو مثله وذلك متناقض ولو كان استوى له أن يقول بل القتل أعفى وأيسر لكان الشعر مستقيماً لأن لفظة بل تنفى الماضي وتثبت المستأنف كما قال زهير:
حي الديار لم يعفها القدمبلى وغيرها الأرواح والديم
على أنهم قد عابوا هذا البيت على زهير لكنه بمجيء بلى فيه لم يكن عندي فاسدا وقد يمكن فيه من التأويل وجه آخر: وهو أن زهيراً قال لم يعفها القدم وغيرتها الريح والأمطار وليس ذلك بمتناقض لأن التغير دون أن تعفو والقدم غير الريح والمطر. ومن قال: لم يقتل زيد عمراً بل ضربه بكر لم يكن متناقضا وإنما المناقضة أن يقول: لم يقتل زيد عمراً وقتله زيد ويكون الأول هو الثاني وهذا واضح.
ومن الاستدلال قول الآخر:
أليس قليلاً نظرة إن نظرتهاإليك وكلا ليس منك قليل
وقد ذهب أبو الفرج قدامة بن جعفر إلى أن قول ابن هرمة في صفة الكلب:
تراه إذا ما أبصر الضيف مقبلاًيكلمه من حبه وهو أعجم
من المتناقض لأنه اقنى الكلب الكلام في قوله يكلمه ثم أعدمه إياه عند قوله: إنه أعجم وهذا غلط من أبي الفرج طريف
لأن الأعجم ليس هو الذي قد عدم الكلام جملة كالأخرس وإنما هو الذي يتكلم بعجمة ولا يفصح قال الله ﵎: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾.
وإذا قيل: فلان يتكلم وهو أعجم لم يكن ذلك متناقضا على أن الرواية الصحيحة في بيت ابن هرمة:
يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلاً
وهذا البيت من إحسان ابن هرمة المشهور.
وكذلك ذهب أبو القاسم الآمدي إلى تناقض بيت أبي تمام في صفة الفرس:
وبشعلة تبدو كأن فلولهافي صهوتيه بدو شيب المفرق
مسود شطر مثل ما اسود الدجىمبيض شطر كابيضاض المهرق
قال: لأنه ذكر في البيت الأول إنه اشعل ثم قال في الثاني: إن نصفه أسود ونصفه أبيض وذلك هو الأبلق فكيف يكون فرس واحد أشعل أبلق وهذا من أبي القاسم تحامل على أبي تمام لأنه يصف فرساً أشعل ويريد بقوله: إنه مسود شطر ومبيض شطر أن سواده وبياضه متكافئان فلو جمع السواد لكان نصفه وكذلك البياض وهذا الوصف من تكافي السواد والبياض في الأشعل محمود حتى أن النخاسين يقولون: أشعل شعرة شعرة فعلى هذا لا يكون شعر أبي تمام من المتناقض.
ومما يعترض الشك فيه قول أبي العلاء احمد بن عبد الله بن سليمان:
ولقد سلوت عن الشباب كما سلاغيري ولكن للحزين تذكر
فيقال كيف يجوز أن يسلو وهو حزين يتذكر وقد قرأت هذا البيت عليه في جملة شعره ولم أسأله عنه والذي يحتمل عندي من التأويل أنه أراد بالسلو ها هنا اليأس ورفض الطمع فكأنه قال: قد يئست من الطمع للشباب كما أيس غيري ولكني حزين عليه أتذكره وهذا وجه قريب.
وذهب أبو الفرج قدامة بن جعفر الكاتب إلى تناقض قول أبي نواس في صفة الخمر:
كأن بقايا ما عفا من حبابهاتفاريق شيب في سواد عذار
تردت به ثم انفرى عن أديمهاتفرى ليل عن بياض نهار
وقال: إنه وصف في البيت الأول الحباب بالبياض حين شبهه بالشيب ولن يشبه الشيب في شئ إلا في بياضه ووصف الخمر بالسواد حين شبهها بسواد العذار ثم وصف الحباب في البيت الثاني بالسواد حين شبهه يتفرى الليل ووصف الخمر بالبياض حين قال بياض نهار وكون كل واحد من الحباب والخمر أسود وأبيض مستحيل.
وقد سأل أو الفرج نفسه فقال أن قيل: إنه لم يصف الحباب في البيت الثاني بالسواد وإنما شبهه بالليل في تفريه وانحساره عن النهار دون نفس اللون. وأجاب عن هذا: بأن أبا نواس قد صرح بأنه لم يرد غير اللون فقط لقوله عن بياض نهار. وفي هذا الشعر نظر وتأمل ليس هذا موضع تقصيه وإنما الغرض هنا التمثيل.
وقد فرق بين المستحيل والممتنع: بأن المستحيل هو الذي لا يمكن وجوده ولا تصوره في الوهم مثل كون الشئ أسود أبيض وطالعاً نازلاً فإن هذا لا يمكن وجوده ولا تصوره في الوهم والممتنع هو:
الذي يمكن تصوره في الوهم وإن كان لا يمكن وجوده مثل أن يتصور تركيب بعض أعضاء الحيوان من نوع في نوع آخر منه كما يتصور يد أسد في جسم إنسان فإن هذا وإن كان لا يمكن وجوده فإن تصوره في الوهم ممكن وقد يصح أن يقع الممتنع في النظم والنثر على وجه المبالغة ولا يجوز أن يقع المستحيل البتة فأما قول أبي عبادة:
لما مدحتك وأفاني نداك علىأضعاف ظني فلم أظفر ولم أخب
فليس هذا من المتناقض لأنه من جهتين على ما ذكرناه فيما تقدم ألا ترى أن معناه لم أظفر بنفس ما ظننته لأنك زدت عليه فكأن ظنى لم يصدق لأنه لو صدق لكان وقع على ما ظننته بعينه من غير زيادة عليه ولم أخب لأنك قد أعطيتني ومن أعطى فما خاب وهذا صحيح واضح.
ومن المتناقض على طريق المضاف قول عبد الرحمن بن عبد الله القس:
وإني إذا ما الموت حل بنفسهايزال بنفسي قبل ذاك فأقبر
لأنه وضع هذا القول وضع الشرط وجعل جوابه يزال بنفسي. ثم قال: قبل ذاك فكأنه قال أن نفسي تزول بعد نفسها وقبلها وهذا مثل قول القائل: إذا دخل زيد الدار دخل عمرو قبله وذلك متناقض.
وقد ذهب أبو القاسم الآمدي إلى مناقضة أبي تمام في قوله:
الرزق لا تكمد عليه فإنهيأتى ولم تبعث إليه رسولا
وقوله بعده في صفة الناقة:
لله درك أي معبر قفرةلا يوحش أنب البيضة ألا جفيلا
بنت القفار متى تخدبك لا تدعفي الصدر منك على الفلاة غليلا
قال: لأنه صرح في البيت الأول بذكر القعود عن طلب الرزق وأتبعه في البيت الثاني بلا فصل بذكر الناقة وصفتها والرحيل عليها فكان ذلك مناقضة ظاهرة.
ومن الصحة أن لا يضع الجائز موضع الممتنع فإنه يجوز أن يضع الممتنع موضع الجائز إذ كان في ذلك ضرب من الغلو والمبالغة ولا يحسن أن يوضع الجائز موضع الممتنع لأنه لا علة لجواز ذلك وهو ضد ما يحمد من الغلو والمبالغة في الشعر. ومن أمثلة هذا قول الشاعر:
وإن صورة راقتك فاخبر فربماأمر مذاق العود والعد أخضر
فبنى الكلام على أن العود في الأكثر يكون حلواً بقوله: فربما وليس الأمر كذلك بل العود الأخضر في الأكثر من وكأن هذا الشاعر وضع الأكثر موضع الأقل وذلك غلط في المعنى.
ومنه ما أنكره أبو القاسم الآمدي على أبي تمام في قوله يمدح الواثق بالله.
جعل الخلافة فيه رب قولهسبحانه للشيء كن فيكون
قال: لأن مثل هذا إنما يقال في الأمر العجب الذي لم يكن يقدر ولا يتوقع ولا يظن إنه مثله يكون فيقال إذا وقع ذلك قدرة قادرة واحد وفعل من لا يعجزه أمر وتلك واحد ومن يقول للشئ كن فيكون فأما الأمور التي لا يتعجب منها ولا تستغرب والعادات جارية بها وبما أشبهها فلا يقال فيها مثل هذا وإنما يسبح الله ﵎ وتذكر قدرته على تكوين الأشياء لو جاؤا بأبي العبر أو بجحا فجعلوه خليفة. فأما الواثق
فما وجه تسبيح أبي تمام في أن أفضت الخلافة إليه وأبوه المعتصم وجده الرشيد وجد أبيه المهدي وجد جده المنصور وأخو جد جده السفاح وعماه خليفتان الأمين والمأمون وعم أبيه الهادي فذلك ثمانية خلفاء هو تاسعهم. وهذا الذي ذكره أبو القاسم صحيح واضح.
ومن الصحة: صحة التشبيه وهو أن يقال أحد الشيئين مثل الآخر في بعض المعاني والصفات ولن يجوز أن يكون أحد الشيئين مثل الآخر من جميع الوجوه حتى لا يعقل بينهما تغاير البتى لأن هذا لو حاز لكان أحد الشيئين هو الآخر بعينه وذلك محال. وإنما الأحسن في التشبيه أن يكون أحد الشيئين يشبه الآخر في اكثر صفاته ومعانيه وبالضد حتى يكون ردئ التشبيه ما قل شبهه بالمشبه به.
وقد يكون التشبيه بحروفه كالكاف وكأن وما يجرى مجراهما وقد يكون بغير حرف على ظاهر المعنى ويستحسن ذلك لما فيه من الإيجاز.
والأصل في حسن التشبيه: أن يمثل الغائب الخفي الذي لا يعتاد بالظاهر المحسوس المعتاد فيكون حسن هذا لأجل إيضاح المعنى وبيان المراد أو يمثل الشئ بما هو أعظم وأحسن وأبلغ منه فيكون حسن ذلك لأجل الغلو والمبالغة.
ومما ورد في القرآن من ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾. وقوله
تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾.
وقوله جل وعز: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ وقوله ﵎: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. وقوله جل وعز: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾.
وهذه التشبيهات كلها على ما بيناه من تشبيه الخفي بالظاهر المحسوس والذي لا يعتاد بالمعتاد لما في ذلك من البيان إلا قوله ﵎: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾.
فانه شبه الشئ بما هو أعظم منه على وجه المبالغة.
ومن التشبيه في العشر قول النابغة الذبياني:
فإنك كالليل الذي هو مدركيوإن خلت أن المنتأى عنك واسع
وهذا التشبيه يجمع المقصودين من الظهور والمبالغة وأما الظهور فلأن علم الناس بأن الليل لا بد من إدراكه له أظهر من علمهم بأن النعمان لا بد من إدراكه له وأما المبالغة فإن تشبيهه بالليل الذي لا يصددونه حائل أعظم وأفخم وأبلغ في المدح.
ومن التشبيه أيضاً قول يزيد بن عوف العليمي يذكر صوت جرع رجل قراه اللبن:
فعب دخالا جرعه متواتركوقع السحاب بالطراف الممدد
وهذا تشبيه جيد لأنه شبه صوت اللبن على عصب المرئ من حلق الإنسان بصوت المطر على الخباء المصنوع من الأدم وذلك من أصح التشبيه لأن المرئ من جنس الأدم واللبن من جنس الماء فصوتاهما متشابهان لأن السبب في اختلاف الأصوات تخالف الأجسام التي تحدث فيها والغرض في هذا التشبيه المبالغة.
ومن التشبيه المختار قول امرئ القيس: كأن قلوب الطير رطباً ويابساً لدى وكرها العناب والحشف البالي وهذا من التشبيه المقصود به أيضا الشيء لأن مشاهد العناب والحشف البالي أكثر من مشاهد قلوب الطير رطبة ويابسة. وروى عن بشار بن برد إنه قال: ما زلت منذ سمعت بيت امرئ القيس هذا اطلب أن يقع لي تشبيهان في بيت واحد حتى قلت:
كأن مثار النقع فوق رؤسناوأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
فشبهن النقع بالليل والسيوف بالكواكب وهذا تشبيه للمبالغة والتفخيم ومن التشبيه المختار قول عدى بن الرقاع العاملي:
وكأنها بين النساء أعارهاعينيه أحور من جاذر جاسم
وسنان أقصده النعاس فرنقتفي عينه سنة وليس بنائم
وقوله أيضاً:
تزجى أغن كأن إبرة روقهقلم أصاب من الدواة مدادها
وقول عنترة:
وخلا الذباب بها فليس ببارحغردا كفعل الشارب المترنم
هزجاً يحك ذراعه بذراعهقدح المكب على الزناد الأجذم
وقول الحسين بن مطير الأسدي:
في عيش في معروفه بعد موتهكما كان بعد السيل مجراه مرتعا
وقال الطرماح:
يبدو وتضمره البلاد كأنهسيف على شرف يسل ويغمد
وقول أبي الحسن التهامي:
والصبح قد غمر النجوم كأنهسيل طغى فطفا على النوار
وقول ابي العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان:
والخل كالماء يبدي لي ضمائرهمع الصفاء ويخفيها مع الكدر
وقوله:
وسهيل كوجنة الحب في اللون وقلب المحب في الخفقان
يسرع اللمح في احمرار كما تسرع في اللحظ مقلة الغضبان
وقوله:
تراقب أظلاف الوحوش نواصلاكأصداف بحر حول أزرق مترع
وهذه تشبيهات صحاح وأمثالها كثيرة
وقد وإلى أبو القاسم محمد ابن هانئ الأندلسي التشبيه بكأن في أبيات كثيرة فقال:
كأن رقيب النجم أجدل مرقبيقلب تحت الليل في ريشه طرفا
كأن بني نعش ونعشاً مطافلبوجرة قد أضللن في مهمه خشفا
كأن سهيلاً في مطالع افقهمفارق إلف لم يجد بعده إلفا
كأن سهاها عاشق بين عودفاونة يبدو واونة يخفى
كأن معلى قطبها فارس لهلوان مركوزان قد كره الزحفا
كأن قدامى النسر والنسر واقعقصصن فلم تسم الخوافي به ضعفا
كأن أخاه حين دوم طائراًأني دون نصف البدر فاختطف النصفا
كأن الهزيع الأبنوسي آوناسرى بالنسيج الخسرواني ملتفا
كأن ظلام الليل إذا مال ميلةصريع مدام بات يشربهان صرفا
كأن عمود الصبح خاقان معشرمن الترك نادى بالنجاشي فاستخفى
كأن لواء الشمس غرة جعفررأى القرن فازدادت طلاقته ضعفا
فأما التشبيه بغير حرف التشبيه فكقول امرئ القيس:
سموت إليها بعد ما نام أهلهاسمو حباب الماء حالا على حال
وقول النابغة:
نظرت إليك بحاجة لم تقضهانظر المريض إلى وجوه العود
وقوله أيضاً:
فإنك شمس والملوك كواكبإذا طلعت لم يبد منهن كوكب
وقول أبي عبادة:
يهوى كما تهوى العقاب وقد رأتصيداً وتنتصب انتصاب الأجدل
وقول أبي نصر بن نباتة وقد يذكر في التمثيل:
خلقنا بأطراف القنا لظهورهمعيوناً لها وقع السيوف حواجب
وقول أخت ذى الكلب:
تمشى النسور إليه وهي لاهيةمشى العذارى عليهن الجلابيب
وقول ديك الجن:
سفرن بدوراً وانتقبن أهلةومسن غصوناً والتفتن جاذرا
وقول الوأواء الدمشقي:
فأسبلت لؤلؤا من نرجس وسقتورداً وعضت على العناب بالبرد
وقول أبي إسحاق الصابي يصف الطير التي تصاد بالبندق محمولة على حكم الكفار إذ يقتلون ومصيرهم إلى النار.
ومما يحتاج إليه التشبيه: أن يكون الأمر المشبه به واقعاً مشاهداً معروفاً غير مستنكر ليوافق ذلك المقصود بالتشبيه والتمثيل من الإيضاح والبيان ولهذا عاب نصيب على الكميت قوله:
كأن الغطامط من غليهاأراجيز أسلم تهجو غفارا
وقال له: أخطأت ما هجت أسلم غفارا قط وأراد نصيب من الكميت أن يكون شبه بشئ واقع معروف وهذا كما يقال: كان مناقضة فلان وفلان مناقضة جرير والفرزدق. فيكون هذا الكلام صحيحاً. ولو قيل: كأن مناقضتهما مناقضة الأحوص وعمر بن أبي ربيعة لم يكن ذلك التشبيه صحيحاً. إذ كان المشبه به لم يقع وعلى هذا أكره قول علقمة ابن عبدة:
كأن إبريقهم ظبى على شرفمقدم بسبا الكتان ملثوم
على أن يكون مقدم من صفة الظبي لأن الظبي لا يكون مقدماً بسب الكتان ملثوما فكأن التشبيه وقع بما لا يشاهد ولا يعرف وإن كان المقدم راجعاً إلى الإبريق فذلك صحيح.
وكذلك قول الحكم لعله عبد الرحمان بن الحكم وليحقق:
كانت بنو غالب لأمتهاكالغيث في كل ساعة يكف
فإن العادة لم تجر بأن الغيث يكف في كل ساعة وإن كان هذا البيت يحتمل من التأويل أن يكون معناه كان هؤلاء القوم كالغيث إلا أنه غيث يكف كل ساعة وإن لم يدل لفظه على هذا المعنى دلالة واضحة.
ومن هذا الفن. قول أيمن:
فإننا قد وجدنا أم بشركأم الأسد مذكاراً ولودا
لأن أم الأسد ليست كذلك.
وأما ردى التشبيه فكقول المرار:
وخال على خديك يبدو كأنهسنا البدر في دعجاء باد دجونها
لأن الخدود بيض والمتعارف أن يكون الخال أسود فتشبيه الخدود بالليل والخال بضوء البدر تشبيه ناقض للعادة.
فإن قيل: قد مضى في كلامكم أن المشبه به يجب أن يكون معروفاً واضحاً أبين من الشئ الذي يشبه فما تقولون في قوله تعالى في شجرة الزقوم: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ ورؤوس الشياطين غير مشاهدة.
قيل: إن الزقوم غير مشاهد ورؤس الشياطين غير مشاهدة إلا أنه قد استقر في نفوس الناس من قبح الشياطين بما صار بمنزلة المشاهد كما استقر في
نفوسهم من حسن الحور العين ما صار بمنزلة المشاهد حتى أنهم إذا شبهوا وجهاً بوجه الحور كان تشبيها صحيحاً وإن كانت الحور لم تشاهد ولم يستقر في نفوسهم قبح طلع الزقوم كما استقر في نفوسهم قبح رؤوس الشياطين فكأن المشبه به أوضح وفي رؤوس الشياطين أيضاً من المبالغة في القبح ما ليس في طلع الزقوم. وقد قيل في بعض التفاسير: إن الشياطين هنا الحيات.
وعلى هذا القول يسقط السؤال لأن الحيات مشاهدة.
ومن ظريف التشبيه قول ابن هرمة:
وإن وتركي ندى الأكرمينوقدحي بكفي زناداً شحاحا
كتاركة بيضها بالعر اءوملبسة بيض أخرى جناحا
وقول الفرزدق:
وإنك إذ تهجو تميما وترتشىسرابيل قيس أو سحوق العمائم
كمهريق ماءٍ بالفلاة وغرهسارب أذاعته رياح السمائم
فإن بيت ابن هرمة الثاني يليق بييت الفرزدق الأول وبيت الفرزدق الثاني يليق ببيت ابن هرمة الأول حتى أن ابن هرمة لو قال:
وإني وتركي ندى الأكرمين وقدحي بكفي زناداً شحاحاً
كمهريق ماء بالفلاة وغرهسراب أذاعته رياح السمائم
والفرزدق لو قال:
وإنك إذ تهجو تميما وترتشيسرابيل قيس أوسحوق العمائم
كتاركة بيضها بالعراء وملبسة بيض أخرى جناحا
لكان كل واحد منهما قد شبه تشبيهاً واضحاً صحيحاً فأما والشعر على ما هو عليه فإن التشبيه بعيد.
ومن الصحة: صحة الأوصاف في الأعراض وهو أن يمدح الإنسان بما يليق به ولا ينفر عنه فيمدح الخليفة بتأييد الدين وتقويه أمره ومحبة الناس وطاعتهم والتقى والورع والرحمة والرأفة وإقامة العدل وشرف الحسب وحسن السياسة والتدبير والاضطلاع بالأمور والحلم والعفو والعلم وحفظ الشرع والجمال والبهاء والهيبة والشجاعة وكرم الأخلاق ولينها وما يجري هذا المجرى. ويمدح الوزير والكاتب وبالعقل والحلم وسداد الرأي وحسن التدبير والبلاغة وتثمير الأموال والعدل والكرم وما يلحق بهذا. ويمدح الأمير وقائد الجيش بالشجاعة والمعرفة بالحرب وحسن النقيبة والظفر والصبر وسداد التدبير وما أشبه ذلك وعلى هذا السبيل يجرى الأمر في النسيب فيذكر فيه صدق الهوى والمحبة وشدة الوجد والصبابة وكتمان الأسرار ومخالفة العذال وما يتفرع عن ذلك ويلحق به. وكذلك في كل غرض من الأغراض الشعرية من هجاء وفخر وعتاب ووصف وغير ذلك حتى يكون كل شئ موضوعا في المكان الذي يليق به.
فأما النثر فيجرى على هذا المنهاج ويحتاج فيه إلى معرفة المواضعات في الخطاب والاصطلاحات فإن للكتب السلطانية من الطريقة ما لا يستعمل في الإخوانيات وللتوقيعات من الأساليب ما لا يحسن في التقاليد وهذا الباب أعنى المواضعة والاصطلاح في الخطاب يتغير بحسب تغير الأزمنة والدول فإن العادة القديمة قد هجرت ورفضت والتسجد الناس عادة بعد عادة حتى أن الذي يستعمل اليوم في الكتب غير ما
كان يستعمل في أيام أبي إسحاق الصابي مع قرب زمانه منا وإذا كان الأمر على هذا جارباً فليس يصح لنا أن نضع رسموماً نوجب اقتفاءها لأنا نحن في هذا الزمان قد غيرنا الرسم المتقدم لمن قبلنا وكذلك ربما جرى الأمر فيما بعدنا.
لكن أصول الأغراض في الأوصاف والمعاني مما لا تتبدل ولا تتغير فليكن الائتمام بها واقعا والاجتهاد في جريها على قانون السداد والصواب حاصلا فقد عيب أبو عبادة في مديحه الخليفة بقوله:
لا العدل يردعه ولا التعنيفعن كرم يصده
وقيل: من هو الذي يجسر على عذل الخليفة وتعنيفه وليس هذا المدح مما يصلح للملوك والأمراء فضلا عن الأئمة والخلفاء.
وعيب أبو ذؤيب الهذلي في قوله يصف الفرس:
قصر الصبوح لها فشرج لحمهابالتي فهي تثوخ فيها الإصبع
وقيل: وصف لحمها باللين وإنما يحمد صلابة لحم الفرس.
وعيب قول أبي عبادة:
ذنب كما سحب الرداء يذب عنعرف وعرف كالقناع المسبل
وقول امرئ القيس قبله:
لها ذنب مثل ذيل العرومن تسد به فرجها من دبر
وقيل: المحمود من ذنب الفرس أن يكون طويلاً ولا ينال الأرض كما قال امرؤ القيس:
كميت إذا استدبرته سد فرجهبضاف فويق الأرض ليس بأعزل
وعيب جميل في قوله:
رمى في عيني بثينة بالقذىوفي الغر من أنيابها بالقوادح
وقيل: ليس هذا كلام صادق المحبة بل هذا دعاء مبغض قد تجاوز قدر السلوة.
وعيب عبد الرحمن القس في قوله:
سلام ليت لساناً تنطقين بهقبل الذي نالني من صوته قطعا
وقيل: هذا غاية الغلظ والجفاء والمخالفة لعادة أهل الهوى.
وسمع أبو السائب المخزومي قول إسحاق الأعرج:
فلما بدالي ما رابنينزعت نزوع الأبي الكريم
فقال: قبحه الله والله ما أحبها ساعة قط.
وعيب على جرير قوله في بشر ابن مروان:
قد كان حقك أن تقول لبارقيا آل بارق فيما سب جرير
وقال بشر: أما وجد ابن اللخناء رسولا غيري.
وعيب على أبي نواس قوله في الفضل بن يحيى:
سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالدهواها لعل الفضل يجمع بيننا
وقال له الفضل: ما زاد على أن جعلني قوادا.
وعيب عل الأخطل قوله يهجو سويد بن منجوف:
وما جذع سوء خرب السوس وسطهلما حملته وائل بمطيق
وقال سويد له: أردت هجائي فمدحتني جعلت وائلا كلها حملتني أمرها وما طمعت في بني تغلب فضلا عن بكر وزدتني بني تغلب.
وعيب عليه أيضاً قوله يمدح سماكا الأسدي وهو من قوم يلقبون القيون.
قد كنت أحسبه قيناً وأنبأهفاليوم طير عن أثوابه السرر
وقال سماك: يا أخطل أردت مدحي فهجوتني كان الناس يقولون قولا فحققته.
وعيب عليه أيضاً قوله:
وقد جعل الله الخلافة فيكملأزهر لا عاري الخوان ولا جدب
وقيل: ليس يليق هذا بمدح الخلفاء إنما يصلح للطبقة السفلى من الناس.
وعيب على كثير قوله:
أريد لأنسى ذكرها فكأنماتمثل لي ليلى بكل سبيل
وقيل: لم أرد أن ينسى ذكرها حتى تتمثل له.
وعيب عليه قوله أيضاً:
فما روضة بالجون طيبة الثرىيمجح الندى جثجاثها وعرارها
بأطيب من أردان عزة موهناًوقد أوقدت بالمندل الرطب نارها
وقيل: لو أن زنجية بخرت بمندل رطب لكانت أردانها طيبة وعيب على ذي المرة قوله في الناقة:
تصغى إذا شدها بالكور جانحةحتى إذا ما استوى في غرزها تثب
وقيل: إذا كانت كما وصف رمت الراكب قبل أن يستوي على ظهرها.
وعيب على الأحوص قوله:
يقر بعيني ما يقر بعينهاوأفضل شئ ما به العين قرت
وقيل له: إنه يقر بعينها أن تنكح افيقر ذلك بعينك؟.
وعيب عليه أيضاً قوله:
فإن تصلى أصلك وإن تبينيبهجر بعد وصلك لا أبالي
وقيل له: لو كنت فحلا لباليت.
وعيب على الفرزدق قوله:
بأي رشاء يا جرير وماتحتدليت في حومات تلك القماقم
وقيل: جعل جرير أعلى من الفرزدق وقومة حين قال: إنه تدلى عليهم.
وعيب على جرير قوله:
وأوثق عند المردفات عشيةلحاقاً إذا ما جرد السيف لامع
وقيل: جعلن قد سبقن بالغداة ولحقن بالعشى.
وعيب عليه أيضاً قوله:
طرقتك صائدًة القلوب وليس ذاوقت الزيادرة فارجعي بسلام
تجرى السواك على أغر كأنهبرد تحدر من متون غمام
وقيل: أي وقت لا تصلح فيه زيارة الحبيب ولما طردها لم وصفها؟.
وعيب على زهير قوله في الضفادع:
يخرجن من شربات ماؤها طحلعلى الجذوع يخفن الغم والغرقا
وقيل: الضفادع لا تخرج من الماء خوف الغم والغرق.
وعيب على أبي العتاهية قوله:
إني أعوذ من التي شغفتمن الفؤاد بآية الكرسي
وقيل: إنما يستعاذ بآية الكرسي من الشياطين.
وعيب على أبي الطيب المتنبي قوله:
لو استطعت ركبت الناس كلهمإلى سعيد بن عبد الله بعرانا
وقيل: من جملة الناس أمه فكان ينبغي أن يركبها.
وعيب عليه أيضاً قوله:
ليت أنا إذا ارتحلت لك الخيلوأنا إذا نزلت الخيام
وقيل: الخيام تعلو على الممدوح.
وعيب على امرئ القيس قوله:
وقيل: كثرة شعر الناصية مذموم في الفرس وهو الغمم.
وعيب عليه أيضاً قوله:
أغرك منى أن حبك قاتليوإنك مهما تأمري القلب يفعل
وقيل: إذا كان هذا لا يغر فماذا الذي يغر؟.
وعيب على أبي نواس قوله في الأسد:
كأنما عينه إذا نظرتنادرة الجفن عين مخنوق
وقيل: الأسد لا يوصف بجحوظ العين إنما يوصف بغؤورها. وعيب على عبد الله بن السمط قوله:
أضحى أمام الهدى المأمون مشتغلاًبالدين والناس بالدنيا مشاغيل
وقيل: ما زاد على أن جعله عجوزاً في محرابها وإذا كان مشتغلاً عن الدنيا فمن القائم بها وهو الخليفة؟
وعيب على كعب بن زهير قوله:
ضخم مقلدها فعم مقيدهافي خلقها عن بنات الفحل تفضيل
وقيل: إنما توصف النجائب بدقة المذبح.
وعيب على المسيب قوله:
وقد أتناسى الهم عند احتضارهبناج عليه الصيعرية مكدم
وقالوا: الصيعرية للنوق لا للفجول وسمعه طرفة بن العبد وهو صبي فقال: استنوق الجمل:
وعيب على المرقش الأصغر قوله:
صحا قلبه عنها سوى أن ذكرةإذا خطرت دارت به الأرض قائماً
وقيل: هذا من المتناقض لآن من يكون إذا ذكرت دارت به الأرض قائما ليس بصاح.
وعيب على عدى بن زيد قوله في صفة الخمر:
والمشرف الهندي يسقى بهأخضر مضموماً بماء الخريص
وقيل: وصف الخمر بالخضرة وما وصفها أحد بذلك.
وعيب على الفرزدق قوله:
أبنى غدانة إنني حررتكمفوهبتكم لعطية بن جعال
لولا عطية لاجتدعت أنوفكممن بين ألأم لحية وسبال
وقيل: كيف يهبهم له وهو يهجو بهذا الهجاء.
وقال عطية حين بلغه هذا الشعر ما أسرع ما ارتجع أخي في هبته.
وعيب على أبي تمام قوله:
رقيق حواشي الحلم لو أن حلمهبكفيك ما ماريت في أنه برد
وقيل: وصف الحلم بالرقة وإنما يوصف بالعظم والثقل والرزانة.
وعيب عليه أيضاً قوله:
الود للقربى ولكن عرفهللأبعد الأوطان دون الأقرب
وقيل: لم منع ذوى القربى من عرفه وجعله في الأبعدين ودنهم؟ وهلا كان عطاؤه عاماً للقريب والعيد.
وعيب عليه أيضا قوله:
لو كان في عاجل من آجل بدللكان وعده من رفده بدل
وقيل: ولم لا يكون في العاجل من الآجل بدل. والناس كلهم على اختيار العاجل وإيثاره.
وعيب عليه أيضاً قوله:
يقظ وهو أكثر الناس إغضاءعلى نائل له مسروق
وقيل: هذا هجوا لأنه جعل نائله يؤخذ منه وجه السرقة.
وعيب على الفرزدق قوله:
ومن يأمن الحجاج والطير تتقىعقوبته إلا ضعيف العزائم
وقال له الحجاج: الطير تتقى الثوب وتتقى الصبي.
وأمثال هذا أكثر من أن تحصى مما وقع فيه فساد الأغراض والصفات.
وقد كان أبو الفرج قدامة بن جعفر الكاتب يذهب إلى أن المدح بالحسن والجمال والذم بالقبح والدمامة ليس بمدح على الحقيقة ولا ذم على الصحة ويخطئ كل من يمدح بهذا ويذم بذاك ويستدل بانكار عبد الملك بن مروان على عبد الله بن قيس الرقيات قوله فيه:
يأتلفق التاج فوقه مفرقهعلى جبين كأنه الذهب
وقوله له: تقول في هذا وتقول لمصعب:
إنما مصعب شهاب من اللهتجلت عن وجهه الظلماء
وقد أنكر هذا المذهب على أبي الفرج أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي. وقال إنه خالف فيه مذاهب الأمم كلها عربيها وأعجميتها
لأن الوجه الجيل يزيد في الهيبة ويتيمن به ويدل على الخصال المحمودة وهذا الذي ذكره أبو القاسم صحيح. ولو لم يكن في ذلك إلا ما قد جبلت النفوس عليه من الميل إلى الوجوه الحسان لكفى وأغنى فإن كان قدامة يعتقد أن ذاك ليس بفضيلة لما كان الإنسان قد خلق عليه فهذا حكم جميع الفضائل النفسانية فإن الكريم قد خلق كريما والشجاع شجاعا والعاقل عاقلا وكما لا يقدر القبيح الوجه على أن يستبدل صورة غير صورته كذلك لا يقدر الجاهل على أن يستفيد عقلاً فوق عقله. ويلزم قدامة لآن لا يجيز المدح بشرف النفس النسب وكرم الأصل لأن ذلك أيضاً يجرى مجرى الصور. ولا صنيع للممدوح في شئ منهما والأمر في هذا ظاهر.
فأما إنكار عبد الملك بن مروان على ابن قيس الرقيات مدحه له بالتاج فإنما أنكره لأن التيجان كانت من زي ملوك العجم ولم يكن خلفاء العرب يعرفونها فقال له: تمدحني كما تمدح ملوك الأعاجم وتمدح مصعباً كما تمدح الخلفاء. والأمر على ما قال عبد الملك لأن مدح الخليفة بأنه شهاب من الله تعالى أبلغ من مدحه باعتدال التاج فوق مفرقه. وهذا كما أنكر على كثير قوله فيه:
على ابن أبي العاصي دلاص حصينةأجاد المسدي نسجها فأذالها
وقال قول الأعشى:
كنت المقدم غير لابس جنةبالسيف تضرب معلماً أبطالها
أحسن من قولك فأراد عبد الملك في الموضعين المبالغة ومدحه بالأفضل والأحسن.
ومن الصحة: صحة المقابلة في المعاني وهو أن يضع مؤلف الكلام معاني يريد التوفيق بين بعضها وبعض والمخالفة فيأتي في الموافق بما يوافق وفي المخالف بما يخالف على الصحة والأصل في هذه المناسبة فإن لها تأثيراً قوياً في الحسن ومن أمثله ذلك في النظم قول الطرماح:
أسرناهم وأنعمنا عليهموأسقينا دماءهم الترابا
فما صبروا لبأس عند حربولا ادوا لحسن يد ثوابا
وهذه مقابلة صحيحة
ومن ذلك أيضاً قول الآخر:
جزى الله خيراً ذات بعل تصدقتعلى عزب حتى يكون له أهل
فإنا سنجزيها بمثل فعالهاإذا ما تزوجنا وليس لها بعل
وهذه أيضاً مقابلة صحيحة.
لأنه جعل في مقابلة أن تكون المرأة ذات بعل وهو لا زوج له أن يكون هو ذا زوج وهي لا بعل لها وقابل حاجته وهو عزب بحاجتها وهي عزبة.
ومن أمثلة ذلك في النثر قول أبي إسحاق الصابي: وأن يخلد في بطون الصحائف غلطنا وغلطك في إحساننا وإساءتك وحفظنا وإضاعتك وكتب بعضهم في كتاب له: ولو أن الأقدار إذ رمت بك من المراتب إلى أعلاهنا بلغت من أفعال السؤدد إلى ما وازاها فوازيت بمساعيك مراقيك وعادلت النعمة بك بالنعمة فيك ولكنك قابلت سمو الدرجة بدنو الهمة ورفيع الرتبة بوضيع الشيمة فعاد علوك بالاتفاق إلى حال دنوك بالاستحقاق وصار جناحك في الانتهاض إلى مثل ما
عليه قدرك في الانخفاض ولا لوم على القدر أذنت فيك وأناب وغلط فعاد إلى الصواب وهذا كلام معانيه متقابلة على الصحة ومن ذلك قول هند بنت النعمان: شكرتك يد نالتها خصاصة بعد نعمة ولا ملكتك يد نالت ثروة بعد فاقة.
فأما فساد المقابلة فكقول أبي عدى القرشي:
يا ابن خير الأخيار من عبد شمسأنت زين الدنا وغيث الجنود
فليس غيث الجنود مقابلاً لزين الدنيا ولا موافقاً.
ومن الصحة: صحة النسق والنظم وهو أن يستمر في المعنى الواحد وإذا أراد أن يستأنف معنى آخر أحسن التخلص إليه حتى يكون متعلقاً بالأول وغير منقطع عنه ومن هذا الباب خروج الشعراء من النسيب إلى المدح فإن المحدثين أجادوا التخلص حتى صار كلامهم في النسيب متعلقاً بكلامهم في المدح لا ينقطع عنه فأما العرب المتقدمون فلم يكونوا يسلكون هذه الطريقة وإنما كان أكثر خروجهم من النسيب إما منقطعاً وإما مبنياً على وصف الإبل التي ساروا إلى الممدوح عليها ومما يستحسن من خروج المحدثين قول أبي عبادة البحتري يصف الروض:
شقائق يحملن الندى فكأنهدموع التصابي في خدود الخرائد
كأن يد الفتح بن خاقان أرفلتتليها بتلك البارقات الرواعد
وقوله:
ولو أنني أعطيت فيهن المنىلسقيتهن بكف إبراهيما
وقول محمد بن وهيب:
ما زال يلثمني مراشفهويعلني الإبريق والقدح
حتى استرد الليل خلعتهوبدا خلال سواده وضح
وبدا الصباح كأن غرتهوجه الخليفة حين يمتدح
وقال الفرزدق:
وركب كأن الريح تطلب عندهملهاترة من جذبها بالعصائب
سروا يخبطون الليل هي تلفهمإلى شعب الأكوار من كل جانب
إذا آنسوا ناراً يقولون ليتهاوقد خصرت أيديهم نار غالب
ومن الخروج إلى الذم قول إسحاق بن إبراهيم:
فأما الخروج المنقطع فكقول أبي عبادة أيضاً:
تأبى رباه أن تجيب ولم تكنمستخبر ليجيب حتى يفهما
الله جار ابن المدبر كلماذكر المكارم ما أعف وأكرما
وقول أبي تمام:
لو رأى الله أن في الشيب فضلاجاورته الأبرار في الخلد شيبا
كل يوم تبدى صروف اللياليخلقاً من أبي سعيد غريبا
وأمثال هذا للمتقدمين كثير.
وأما إذا ابتدىء بالمديح أو بغيره من الأغراض فالأحسن أن يكون الابتداء دالاً على المعنى المقصود كما ابتدأ أبو الطيب المتنبي قصيدته التي مدح بها سيف الدولة واعتذر له عن ظفر الروم بجيشه وقتلهم وأسرهم جماعة منهم فقال:
غيري بأكثر هذا الناس ينخدعإن قاتلوا جبنوا وحدثوا شجعوا
فابتدأ بغرضه من أول القصيدة.
ومن الصحة التفسير وهو أن يذكر مؤلف الكلام معنى يحتاج إلى تفسيره فيأتي به على الصحة من غير زيادة ولا نقص كقول الفرزدق:
لقد جئت قوماً لو لجأت إليهمطربد دم أو حاملا ثقل مغرم
لألفيت فيهم معطيا ومطاعناوراءك شزرا بالوشيج المقوم
وهذا تفسير للأول موافق.
فأما فساد التفسير فكقول بعضهم:
وفيا أيها الحيران في ظلم الدجىومن خاف أن يلقاه بغى من العدى
تعال إليه تلق من نور وجههضياء ومن كفيه بحراً من الندى
فإن هذا الشاعر لما قدم في البيت الأول الظلم وبغى العدى كان الوجه في التفسير أن يأتي في البيت الثاني بما يليق به فأتى بالضياء بإزاء الظلم وذلك صواب وكان يجب أن يأتي بازاء بغى العدى بالنصرة أو العصمة أو ما جرى مجرى ذلك فلما جعل مكانه ذكر الندى كان التفسير فاسداً. وأما كمال المعنى: وهو أن تستوفي الأحوال التي تتم بها صحته وتكمل جودته وذلك مثل قول نافع بن خليفة الغنوي:
رجال إذا لم يقبل الحق منهمويعطوه لاذوا بالسيوف القواضب
فتمم المعنى بقوله: ويعطوه لأنه لو اقتصر على قوله إذا لم يقبل الحق منهم عاذوا بالسيوف كان المعنى ناقصاً.
ومن أمثلة ذلك في النثر قول بعضهم: فحلقت به أسباب الجلالة غير مستشعر فيها النخوة وترامت به أحوال الصرامة غير مستعمل معها السطوة هذا مع دماثة في غير حصر ولين جانب من غير خور. فكمل المعنى في هذا الكلام لأن من كمال الجلالة أن تزول عنها النخوة وكمال الصرامة أن تسلم من السطوة وتمام الدماثة أن تكون بغير حصر ولين الجانب أن يكون من غير خور ومن هذا الجنس قول عمر بن الخطاب ﵁ في الوالي: يجب أن يكون معه شدة في غير عنف ولين في غير ضعف.
وأما المبالغة في المعنى والغلو: فإن الناس مختلفون في حمد الغلو وذمه فمنهم من يختاره ويقول أحسن الشعر أكذبه ويستدل بقول النابغة وقد سئل من أشعر الناس فقال: من استجيد كذبه وأضحك رديئة.
وهذا هو مذهب اليونانيين في شعرهم. ومنهم من يكره الغلو والمبالغة التي تخرج إلى الإحالة ويختار ما قارب الحقيقة ودانى الصحة ويعيب قول أبي نواس:
وأخفت أهل الشرك حتى إنهلتخافك النطف التي لم تخلق
لما في ذلك من الغلو والإفراط الخارج عن الحقيقة والذي أذهب إليه المذهب الأول في حمد المبالغة والغلو لأن الشعر مبنى على الجواز والتسمح لكن أرى أن يستعمل في ذلك كاد وما جرى في معناها ليكون الكلام أقرب إلى حيز الصحة كما قال أبو عبادة:
أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكامن الحسن حتى كاد أن يتكلما
وقال أبو الطيب:
يطمع الطير فيهم طول أكلهمحتى تكاد على أحيائهم تقع
فهذان البيتان تضمنا غلواً لكن لما جاءت فيهما كاد قربتهما إلى الصحة.
وأما المبالغة بغير كاد فكقول أبي العلاء وأحمد بن عبد الله بن سليمان:
ونبالة من بحتر لو تعمدوابليل أناسي النواظر لم يخطوا
وقول النمر يصف السيف:
تظل تحفر عنه إن ضربت بهبعد الذراعين والساقين والهادي
وقول النابغة:
تقد السلوقي المضاعف نسجهويوقدن بالصفاح نار الحباحب
وقول ابن هاني الأندلسي:
أمديرها من حيث دار لشد مازاحمت تحت ركابه جبريلا
وأما استعمال الغلو الخارج إلى الإحالة في النثر فقليل وأكثر ما يستعمل فيه المبالغة التي تقارب الحقيقة كقول بعضهم: لهم جود كرام استعت أحوالها وبأس ليوث تتبعها أشبالها وهمم ملوك انفسحت آمالها وفخر صميم شرفت أعمامها وأخوالها فبالع لما جعل لهم جود الكرام مع اتساع الحال وبأس الليوث مع اتباع الأشبال وكذلك ما بعده من الكلام.
ومن المبالغة قول النابغة الذبياني:
وإنما كان هذا الاستثناء من المبالغة في المدح لأنه قد دل به على أنه لو كان فيهم عيب غيره لذكره وأنه لم يقصد إلا وصفهم بما فيهم على الحقيقة.
ومنه أيضاً قول أبي هفان:
ولا عيب فينا غير أن سماحناأضر بنا والبأس من كل جانب
فأفنى الردى أعمارنا غير ظالموأفنى الندى أموالنا غير عائب
أبونا أب لو كان للناس كلهمأباً واحداً أغناهم بالمناقب
ومنه قول النابغة الجعدي:
فتى كملت أخلاقه غير أنهجواد فما يبقى من المال باقيا
وأما التحزر مما يوجب الطعن: فأن يأتي بكلام لو استمر عليه لكان فيه طعن فيأتي بما يتحرز به من ذلك الطعن كقول طرفة:
فسقى ديارك غير مفسدهاصوب الربيع وديمة تهمى
فلو لم يقل: غير مفسدها لظن به أنه يريد توالي المطر عليها وفي ذلك فساد للديار ومحو لرسومها كما عابوا قول ذي الرمة:
ألا يا اسلمي يا دار مي على البلىولا زال منهلاً بجرعائك القطر
وقالوا: إذا لم يزل القطر منهلا عليها عفى آثارها ودرس معالمها فاحترز طرفة بقوله: غير ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى ولأجل هذا الغرض قال الرضى ﵀ في وصف المطر المستسقى به القبر وذكر السحابة:
تجرى وذاك الرمس غير مروعمنها وذاك الترب غير مثار
واستقبح قول أبي الطيب المتنبي في مثله:
لساحيه على الأجداث حفشكأيدي الخيل أبصرت المخالي
ومن الاحتراز أيضاً قول عبد الله بن المعتز بالله في صفة الخيل:
صببنا عليها ظالمين سياطنافطارت بها أيد سراع وأرجل
فإنه لو يقل: ظالمين لكان للمعترض عليه أن يقول: إنما
ضربت هذه الخيل لبطئها كما عابوا قول امرئ القيس:
فللزجر الهوب وللساق درةوللسوط منها وقع أخرج مهذب
وقالوا: إذا أحوج إلى هذا كله فليس بسريع فقال عبد الله: ظالمين تحرزاً من هذا الطعن.
ومن هذا أيضا قول أبي عبادة:
أقمنا أكلنا أكل استلابهناك وشربنا شرب بدار
وكأنه خاف أن يقال هذا الذي فعلتم سخف فقال:
وأما الاستدلال بالتمثيل: فإن يزيد في الكلام مغنى يدل على صحته بذكر مثال له نحو قول أبي العلاء:
لو اختصرتم من الإحسان زرتكموالعذب يهجر للإفراط في الخصر
فدل على أن الزيادة فيما يطلب ربما كانت سبباً للامتناع منه بتمثيل ذلك بالماء الذي لا يشرب لفرط برده وإن كان البرد فيه مطلوباً محمودا.
ومنه أيضاً قول أبي تمام:
أخرجتموه بكره من سجيتهوالنار قد تنتضي من ناضر السلم
وقوله:
وإذا أراد الله نشر فضيلة طويتأتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورتما كان يعرف طيب عرف العود
وقوله:
وكنا نرجيه على السخط والرضاوأنف الفتى من وجهه وهو أجدع
وقول أبي عبادة:
ويحسن دلها والموت فيهوقد يستحسن السيف الصقيل
وقوله:
مواهب ما تكلفنا السؤال لهاإن الغمام قليب ليس يحتفر
وأما قول أبى عبادة أيضاً:
ورجال جاروا خلائقك الغروليست يلامق من دروع
فليس بتمثيل جيد لأن السبق في الجري لا يليق تمثيله بتفضيل الدروع على اليلامق وغنما كان يحسن ذلك لو قال: ورجال جاروك في كونهم عصمة لي أو جنة دوني أو ما جرى هذا المجرى.
فيكون تمثيل ذلك بالدروع واليلامق موافقاً فأما على الوجه الذي ذكره فإن ذلك من رديء الاستدلال بالتمثيل:
ومن الاستدلال بالتمثيل على الوجه الصحيح قول النابغة الذبياني يخاطب النعمان:
ولكنني كنت امرأ لي جانبمن الأرض فيه مستراد ومذهب
ملوك وإخوان إذا ما لقيتهمأحكم في أموالهم وأقرب
كفعلك في قوم أراك اصطنعتهمفلم ترهم في شكر ذلك أذنبوا
فاستدل النابغة على أنه لا يستحق اللوم بمدحه آل جفنة وقد أحسنوا إليه بما مثله من القوم الذين أنعم النعمان عليهم فلما مدحوه لم يكونوا عنده ملومين.
وأما الاستدلال بالتعليل فكقول أبي الحسن التهامي:
لو لم يكن ريقته خمرةلما تثنى عطفه وهو صاح
وقوله:
لو لم يكن اقحواناً ثغر مبسمهاما كان يزداد طيباً ساعة السحر
وقول أبي عبادة:
ولو لم تكن ساخطاً لم أكنأذم الزمان وأشكو الخطوبا
وقول ابن هانئ الأندلس:
ولو لم تصافح رجلها صفحة الثرىلما كنت أدرى علة للتيمم
وقول الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ جار هذا المجرى.
فهذا مبلغ ما نقوله في المعاني مما يستدل به على غيره لأن حصرها مما لا سبيل إليه على ما بيناه وقد قدمنا ذكره.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٠٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع