من «الصناعتين: الكتابة والشعر» لأبي هلال العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)
من خفى السرق
ومن خفىّ السرق أن أبا مسلم قال لجلسائه: أى الأعراض ألام؟ فقالوا وأكثروا. فقال: ألأمها عرض لم يرتع فيه حمد ولا ذم؛ فأخذه المراغى، فقال:
هجوت زهيرا ثم إنى مدحتهوما زالت الأشراف تهجى وتمدح
وأخذ علىّ بن الجهم قول الفرزدق:
ما الباهلىّ بصادق لك وعدهومتى تعدك الباهليّة تصدق
فقال:
الرّحّجيّون لا يوفون ما وعدواوالرّحّجيّات لا يخلفن ميعادا
وسمع بعضهم قول العرب: إذا فارق القمر الثريا فقد ولّى الشتاء. فنظمه فقال:
إذا ما فارق القمر الثريّالثالثة فقد ذهب الشتاء
وسمعت قول النبى ﷺ: «يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم حيثما كانوا»؛ فقلت:
يسعى بذمّتهم أدناهم وهميد على من سواهم حيثما كانوا
وهذا يدلّك على صحّة ما تقدّم.
وسمع بعض الكتاب قول أبى تمام:
فإن يجد علة نغمّ بهاحتى ترانا نعاد من مرضه
فكتب: من نزل منزلتى من طاعتك ومشاركتك كان حقيقا أن يهنّأ بالنعمة تحدث عندك، ويعزّى على النائبة تلمّ بك. فنقل العيادة إلى المصيبة والتعزية.
وقال بعضهم: الكتابة نقض الشعر.
وقيل للعتابى: بم قدرت على البلاغة؟ فقال: بحلّ معقود الكلام.
وأحسن أبو تمام فى قوله:
إليك هتكنا جنح ليل كأنّماقد اكتحلت منه البلاد بإثمد
وزاد فيه على أبى نواس، ومنه أخذ، وهو قوله:
أبن لى كيف صرت إلى حريمىوجنح الليل مكتحل بقار
لأنّ الاكتحال يكون بالإثمد، ولا يكون بالقار.
وممن أخفى الأخذ ابن أبى عيينة فى قوله:
ما كنت إلّا كلحم ميتدعا إلى أكله اضطرار
أخذه من قول الأول:
وإنّ بقوم سوّدوك لفاقةإلى سيّد لو يظفرون بسيّد
ذكر ذلك عن المأمون.
ومما زاد فيه المتأخّر على المتقدّم فحسن معرضه، وسهل مطلعه قول ابن المعتز:
ولاح ضوء هلال كاد يفضحنامثل القلامة إذ قدّت من الظّفر
وقال الأول:
كأنّ ابن ليلته جانحافسيط لدى الأفق من خنصر
الفسيط: قلامة الظفر.
وما يعرف للمتقدّم معنى شريف إلا نازعه فيه المتأخّر وطلب الشركة فيه معه إلا بيت عنترة:
وترى الذّباب بها يغنّى وحدههزجا كفعل الشّارب المترنّم
غردا يحكّ ذراعه بذراعهقدح المكبّ على الزّناد الأجذم
فإنه ما نوزع فى هذا المعنى على جودته. وقد رامه بعض المجيدين فافتضح.
وأخذ البحترى قول الشماخ:
وقرّبت مبراة كأنّ ضلوعهامن الماسخيّات القسىّ الموتّرا
مبراة- من البرة، وهى الحلقة تجعل فى أنف الناقة فزاد عليه؛ فقال:
كالقسىّ المعطّفات بل الأسهم مبرية بل الأوتار
وهذا ترتيب مصيب من أجل أنه بدأ بالأغلظ، ثم انحطّ إلى الأدقّ؛ وقد عيب
ترتيب أبى تمام فى قوله:
أو كالخلوق أو كالملاب
فبدأ بالأنفس ثم انحطّ إلى الأخسّ؛ كما تقول: هو مثل النّجم، بل، بل الشمس؛ فترتفع من الشىء إلى ما هو أعلى منه؛ وإذا قلت: هو مثل الشمس بل القمر، بل النجم، لم يحسن.
وقال عروة بن الورد:
تقول سليمى لو أقمت بأرضناولم تدر أنّى للمقام أطوّف
أخذه أبو تمام وزاد عليه فقال:
ربّ خفض تحت السّرى وغناءمن عناء ونضرة من شحوب
وقال إبراهيم بن العباس للفضل بن سهل:
لفضل بن سهل يدتقاصر عنها المثل
فبسطتها للغنىوسطوتها للأجل
وباطنها للنّدىوظاهرها للقبل
فاتّبعه ابن الرومى فأحسن الاتّباع؛ فقال:
أصبحت بين خصاصة وتجمّلوالحرّ بينهما يموت هزيلا
فامدد إلىّ يدا تعوّد بطنهابذل النّوال وظهرها التّقبيلا
وقال بشّار:
الدّهر طلّاع بأحداثهورسله فيها المقادير
محجوبة تنفذ أحكامهاليس لنا عن ذاك تأخير
فاتّبعه ابن الرومى وأحسن الاتّباع أيضا، فقال:
يظلّ عن الحرب العوان بمعزلوآثاره فيها وإن غاب شهّد
كما احتجب المقدار والحكم حكمهعلى الخلق طرّا ليس عنه معرّد
إلّا أنّ قول بشار أكثر ماء وطلاوة.
ومما لم يسىء الاتّباع فيه قوله أيضا:
سكنت سكونا كان رهنا بوثبةعماس، كذلك اللّيث للوثب يلبد
وإنما أخذه من قول النابغة:
وقلت يا قوم إنّ اللّيث منقبضعلى براثنه للوثبة الضّارى
وكذلك قوله:
كأنّ أباه حين سمّاه صاعدارأى كيف يرقى فى المعالى ويصعد
أخذه من قول البحترى:
سماه أسرته العلاء، وإنماقصدوا بذلك أن يتمّ علاه
وزاد أبو تمام أيضا على الأفوه، والنابغة، وأبى نواس، ومسلم، فى معنى تداولوه؛ وهو قول الأفوه:
وترى الطّير على آثارنارأى عين ثقة أن ستمار
وقول النابغة:
إذا ما غزوا بالجيش حلّق فوقهمعصائب طير تهتدى بعصائب
جوانح قد أيقنّ أنّ قبيلهإذا ما التقى الجمعان أوّل غالب
وقول أبى نواس:
تتأيّى الطّير غدوتهثقة بالشّبع من جزره
وقول مسلم:
قد عوّد الطير عادات وثقن بهافهنّ يتبعنه فى كلّ مرتحل
فقال أبو تمام:
أقامت مع الرّايات حتى كأنّهامن الجيش إلّا أنّها لم تقاتل
فقوله: «أقامت مع الرايات» زيادة.
وزاد عليه بعض المحدثين، فقال:
يطمّع الطّير فيهم طول أكلهمحتى تكاد على أحيائهم تقع
وقال أبو تمام:
همّة تنطح النجوم وجدّآلف للحضيض فهو حضيض
أخذه البحترى فحسّنه وهو قوله:
متحيّر يغدو بعزم قائمفى كلّ نائبة وجدّ قاعد
ومما أخذه أيضا من أبى تمام فقسّمه تقسيما حسنا قوله:
ملك له فى كلّ يوم كريهةإقدام عزّ واعتزام مجرّب
هو من قول أبى تمام:
ومجرّبون سقاهم من بأسهفإذا لقوا فكأنهم أغمار
وقال أبو العتاهية:
كم نعمة لا يستقلّ بشكرهالله فى طىّ المكاره كامنه
أخذه أبو تمام، فقال:
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمتويبتلى الله بعض القوم بالنّعم
فزاد عليه لأنه أتى بضدّ المعنى.
وقال أبو تمام:
رأيت رجائى فيك وحدك همّةولكنّه فى سائر الناس مطمع
فأخذه البحترى فاختصره، فقال:
ثنى أملى فاحتازه عن معاشريبيتون والآمال فيهم مطامع
وأخذه ابن الرومى، فقال:
به صدّق الله الأمانى حديثهاوقد مرّ دهر والأمانى وساوس
وقال أبو تمام:
رافع كفّه لسبرى فما أحسبه جاءنى لغير اللّطام
أخذه البحترىّ فزاد عليه فى حسن اللفظ والسّبك؛ فقال:
ووعد ليس يعرف من عبوسبأوجههم أوعد أم وعيد
وقال الحنيف بن السّجف:
وفرقت بين ابنى هنيم بطعنةلها عاند يكسو السّليب إزارها
يعنى بالعاند: الدم؛ فأخذه البحترى فزاد عليه فى اللفظ، وقال:
سلبوا وأشرقت الدماء عليهممحمرّة فكأنهم لم يسلبوا
على أن «محمرة» حشو.
وقال أبو تمام:
كأنّما خامره أولقأو خالطت هامته الخندريس
وقال البحترى:
وتخال ريعان الشّباب يروعهمن حدّة أو نشوة أو أفكل
فزاد عليه.
وقال أبو تمام:
أنضرت أيكتى عطاياك حتىعاد غصنى ساقا وكان قضيبا
فقال البحترى- وزاد:
حتى يعود الذّؤيب ليثا ضيغماوالغصن ساقا والقرارة نيقا
ومثل هذا كثير وفيما أوردت كفاية إن شاء الله.
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع