تجاوز إلى المحتوى

من «الصناعتين: الكتابة والشعر» لأبي هلال العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)

تداول المعانى

ليس لأحد من أصناف القائلين غنى عن تناول المعانى ممّن تقدّمهم والصبّ على قوالب من سبقهم؛ ولكن عليهم- إذا أخذوها- أن يكسوها ألفاظا من عندهم، ويبرزوها فى معارض من تأليفهم، ويوردوها فى غير حليتها الأولى، ويزيدوها فى حسن تأليفها وجودة تركيبها وكمال حليتها ومعرضها؛ فإذا فعلوا ذلك فهم أحقّ بها ممّن سبق إليها؛ ولولا أنّ القائل يؤدّى ما سمع لما كان فى طاقته أن يقول؛ وإنما ينطق الطّفل بعد استماعه من البالغين.

وقال أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه: لولا أنّ الكلام يعاد لنفد.

وقال بعضهم: كلّ شىء ثنيته قصر إلّا الكلام فإنّك إذا ثنيته طال. على أنّ المعانى مشتركة بين العقلاء، فربما وقع المعنى الجيّد للسوقىّ والنبطى والزّنجى، وإنما تتفاضل الناس فى الألفاظ ورصفها وتأليفها ونظمها. وقد يقع للمتأخر معنى سبقه إليه المتقدّم من غير أن يلمّ به، ولكن كما وقع للأوّل وقع للآخر. وهذا أمر عرفته من نفسى، فلست أمترى فيه، وذلك أنّى عملت شيئا فى صفة النساء:

سفرن بدورا وانتقبن أهلّة

وظننت أنى سبقت إلى جمع هذين التشبيهين فى نصف بيت، إلى أن وجدته

بعينه لبعض البغداديين؛ فكثر تعجّبى، وعزمت على ألّا أحكم على المتأخّر بالسّرق من المتقدّم حكما حتما.

وسمعت ما قيل: إنّ من أخذ معنى بلفظه كان له سارقا، ومن أخذ ببعض لفظه كان له سالخا، ومن أخذه فكساه لفظا من عنده أجود من لفظه كان هو أولى به ممن تقدّمه.

وقالوا: إن أبا عذرة الكلام من سبك لفظه على معناه؛ ومن أخذ معنى بلفظه فليس له فيه نصيب.

على أنّ ابتكار المعنى والسّبق إليه ليس هو فضيلة يرجع إلى المعنى؛ وإنما هو فضيلة ترجع إلى الذى ابتكره وسبق إليه؛ فالمعنى الجيّد جيّد وإن كان مسبوقا إليه؛ والوسط وسط، والردىء ردىء، وإن لم يكونا مسبوقا إليهما.

وقد أطبق المتقدمون والمتأخرون على تداول المعانى بينهم؛ فليس على أحد فيه عيب إلّا إذا أخذه بلفظه كلّه، أو أخذه فأفسده، وقصّر فيه عمّن تقدمه، وربما أخذ الشاعر القول المشهور ولم يبال؛ كما فعل النابغة فإنه أخذ قول وهب بن الحارث ابن زهرة:

تبدو كواكبه والشمس طالعةتجرى على الكاس منه الصّاب والمقر

وقال النابغة:

تبدو كواكبه والشمس طالعةلا النّور نور ولا الإظلام إظلام
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «قالت بنو عامر خالوا بني أسد»

وأخذ قول رجل من كندة فى عمرو بن هند:

هو الشمس وافت يوم دجن فأفضلتعلى كلّ ضوء والملوك كواكب

فقال:

بأنّك شمس والملوك كواكبإذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب

وسنشبع القول فى هذا الباب.

والحاذق يخفى دبيبه إلى المعنى يأخذه فى سترة فيحكم له بالسّبق إليه أكثر من يمرّ به.

وأحد أسباب إخفاء السّرق أن يأخذ معنى من نظم فيورده فى نثر، أو من نثر فيورده فى نظم، أو ينقل المعنى المستعمل فى صفة خمر فيجعله فى مديح، أو فى مديح فينقله إلى وصف؛ إلا أنه لا يكمل لهذا إلا المبرّز، والكامل المقدّم؛ فممن أخفى دبيبه إلى المعنى وستره غاية السّتر أبو نواس فى قوله:

أعطتك ريحانها العقاروحان من ليلك انسفار
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أعطتك ريحانها العقار»

إن كان قد أخذه من قول الأعشى، على ما حكوا، فقد أخفاه غاية الإخفاء؛ وقول الأعشى:

وسبيئة ممّا تعتّق بابلكدم الذبيح سلبتها جريالها
للشاعر الأعشى، من قصيدة «رحلت سمية غدوة أجمالها»

سئل الأعشى عن «سلبتها جريالها». فقال: شربتها حمراء، وبلها بيضاء.

فبقى حسن لونها فى بدنى. ومعنى: «أعطتك ريحانها العقار»؛ أى شربتها فانتقل طيبها إليك.

وهكذا قوله:

لا ينزل الليل حيث حلّتفدهر شرّابها نهار

من قول قيس بن الخطيم:

قضى الله حين صوّرها الخالق ألّا تكنّها السّدف

وهذا المعنى منقول من الغزل إلى صفة الخمر فهو خفىّ.

ومن هذا ما نقله من قول أوس بن حجر فى صفة الفرس، فجعله فى صفة امرأة:

فجرّدها صفراء لا الطّول عابهاولا قصر أزرى بها فتعطّلا
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «صحا قلبه عن سُكره فتأملا»

وقول أبى نواس:

فوق القصيرة والطويلة فوقهادون السمين ودونها المهزول
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «رسم الكرى بين الجفون محيل»

وإن كان أخذه من قول ابن الأحمر:

تفوت القصار والطّوال تفتنهافمن يرها لم ينسها ما تكلّما

أو من قول ابن عجلان النهدى:

ومخملة باللّحم من دون ثوبهاتطول القصار والطوال تطولها
للشاعر عبد الله بن العجلان النهدي، اقرأ القصيدة

فقد أخذه بلفظه، وأحد هذين أخذه من قول أوس، والإحسان فيه له.

ومما أخذه ونقله من معنى إلى معنى قوله:

كميت جسمها معناوريّاها على سفر

وممن أخفى الأخذ أبو تمام فى قوله:

جمعت عرى أعمالها بعد فرقةإليك كما ضمّ الأنابيب عامل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «متى أنت عن ذهلية الحي ذاهل»

قالوا: هو من قول الحبال الربعى:

أولئك إخوان الصّفاء رزيتهمفما الكفّ إلّا إصبع ثمّ إصبع

وهكذا قوله- وقد نقله من معنى إلى آخر:

مكارم لجّت فى علوّ كأنّماتحاول ثأرا عند بعض الكواكب

قالوا هو من قول الأخطل:

عروف لحقّ السائلين كأنّهبعقر المتالى طالب بذنوب
للشاعر الأخطل، من قصيدة «خليلي قوما للرحيل فإنني»

وهكذا قول بشار:

يا أطيب الناس ريقا غير مختبرإلّا شهادة أطراف المساويك
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أخشى عليك من الجارات حاسدة»

من قول سليك:

وتبسم عن ألمى اللّثات مفلّجخليق الثنايا بالعذوبة والبرد

ومن قول الآخر:

وما ذقته إلا بعينى تفرّساكما شيم فى أعلى السّحابة بارق
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لعمرك إن البيت بالقبل الذي»

ومما أخده وزاد فيه عن الأول قوله:

أفناهم الصّبر إذ أبقاكم الجزع

من قول السموءل:

يقرّب حبّ الموت آجالنا لناوتكرهه آجالهم فتطول
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «قبيح بمن ضاقت عن الأرض أرضه»

أورده أبو تمام فى نصف بيت واستوفى التطبيق.

ومن هذا الضرب قوله:

علّمنى جودك السماح فماأبقيت شيئا لدىّ من صلتك
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة

من قول ابن الخياط:

لمست بكفّى كفّه أبتغى الغنىولم أدر أنّ الجود من كفّه يعدى
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «لمست بكفي كفه أبتغي الغنى»
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنىأفدت وأعدانى فأتلفت ما عندى
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «لمست بكفي كفه أبتغي الغنى»

وممن نقل المعنى من صفة إلى أخرى البحترى فإنه قال فى المتوكل:

ولو أنّ مشتاقا تكلّف غير مافى وسعه لسعى إليك المنبر

أخذه من قول العرحى فى صفة نساء:

لو كان حيّا قبلهنّ ظعائناحيّا الحطيم وجوههن وزمزم
للشاعر العرجي، من قصيدة «لو كان حيا قبلهن ظعائنا»

إلّا أنه غير خاف.

وممن أخذ المعنى فزاد على السابق إليه زيادة حسنة أبو نواس فى قوله:

يبكى فيذرى الدّرّ من نرجسويلطم الورد بعنّاب
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا قمرا أبرزه مأتم»

أخذه من قول الأسود بن يعفر:

يسعى بها ذو تومتين كأنّماقنأت أنامله من الفرصاد

وأخذ بعض المتأخرين بيت أبى نواس، فزاد عليه زيادة عجيبة، فقال:

وأسبلت لؤلؤا من نرجس فسقتوردا وعضّت على العنّاب بالبرد

فجاء بما لا يقدر أحد أن يزيد عليه.

ومن ذلك أيضا قوله- وقد زاد فيه على الأوّل:

فتمشّت فى مفاصلهمكتمشى البرء فى السّقم
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا شقيق النفس من حكم»

أخذه من قول مسلم:

تجرى محبّتها فى قلب عاشقهامجرى المعافاة فى أعضاء منتكس

وجميع ذلك مأخوذ من قول بعض ملوك اليمن:

منع البقاء تقلّب الشّمسوطلوعها من حيث لا تمسى
للشاعر قس بن ساعدة، اقرأ القصيدة
يجرى على كبد السّماء كمايجرى حمام الموت فى النّفس
للشاعر قس بن ساعدة، اقرأ القصيدة

ومن ذلك قول مسلم:

أحبّ الريح ما هبّت شمالاوأحسدها إذا هبّت جنوبا

فقسم تقسيما حسنا؛ ومعناه أنّ الشمال تجىء من ناحية حبيبه إليه فأحبّها، والجنوب تهبّ إلى الحبيب، فحسدها لمباشرتها جسمه؛ وهو مأخوذ من قول جران العود:

إذا هبّت الأرواح من نحو أرضكموجدت لريّاها على كبدى بردا

وزاد مسلم فى قوله أيضا:

ويغمد السيف بين النّحر والجيد

على أنّ السابق إلى هذا المعنى هو بعض الفرسان إذ يقول:

جعلت السيف بين اللّيت منهوبين سواد لحييه عذارا

لأن الإغماد فيه أشدّ تأثيرا من وضع العذار عليه.

وقد زاد أبو نواس على جرير فى قوله:

وقد أطول نجاد السّيف محتبيامثل الرّدينىّ هزّته الأنابيب

فقال أبو نواس:

سبط البنان إذا احتبى بنجادهغمر الجماجم والسّماط قيام
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا دار ما فعلت بك الأيام»

قوله: «غمر الجماجم» أحسن من قول جرير: «مثل الرّدينى».

وهكذا قوله:

أشمّ طوال السّاعدين كأنّمايلاث نجاذا سيفه بلواء

أحسن لفظا وسبكا من قول عنترة:

بطل كأنّ ثيابه فى سرحةيحذى نعال السّبت ليس بتوأم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

وهو أيضا أفخم لفظا من قول الآخر:

فجاءت به عبل العظام كأنماعمامته بين الرّجال لواء

ومما أخذه فجاء به أحسن لفظا وسبكا قوله فى ذنب الناقة:

أمّا إذا رفعته شامذةفتقول رنّق فوقها نسر
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا منة إمتنها السكر»

أحذه من أبى دواد:

تلوى بذى خصل ضاف تشبّههقوادما من نسور مضر حيّات
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة

ومما أخذه فجاء به أحسن رصفا، وزاد فى المعنى زيادة بيّنة قوله:

وما خبزه إلّا كليب بن وائلليالى يحمى عزّه منبت البقل
وإذ هو لا يستبّ خصمان عندهولا الصوت مرفوع بجدّ ولا هزل
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «على خبز إسماعيل واقية البخل»

أخذه من قول مهلهل:

أودى الخيار من المعاشر كلّهمواستبّ بعدك- يا كليب- المجلس

وهكذا قوله- هو محمد بن عطيّة العطوى:

ما العيش إلّا فى جنون الصّبافإن تولّى فجنون المدام
للشاعر العطوي، اقرأ القصيدة
راح إذا ما الشّيخ والى بهاخمسا تردّى برداء الغلام

أحسن رصفا من قول حسان رضى الله عنه:

إنّ شرخ الشّباب والشّعر الأسود ما لم يعاص كان جنونا
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إن شرخ الشباب والشعر الأس»

وقول أبى تمام:

نقّل فؤادك حيث شئت من الهوىما الحبّ إلّا للحبيب الأوّل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «البين جرعني نقيع الحنظل»

أبين وأدخل فى الأمثال من قول كثيّر:

إذا ما أرادت خلّة أن تزيلناأبينا وقلنا الحاجبيّة أوّل
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «صحا قلبه يا عز أو كاد يذهل»

وقد زاد أبو تمام أيضا فى قوله:

وأنجدتم من بعد إتهام داركمفيادمع أنجدنى على ساكنى نجد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي»

على الأعرابى فى قوله:

ومستنجد للحزن دمعا كأنّهعلى الخدّ ممّا ليس يرقأ حائر

بقوله: «أنجدنى على ساكنى نجد»؛ وقد زاد أيضا فى قوله:

وإن يبن حيطانا عليه فإنّماأولئك عقّالانه لا معاقله
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أجل أيها الربع الذي خف آهله»

على زهير فى قوله: «والسيوف معاقله» لما جاء به من التّجنيس فى قوله:

«عقّالاته، ومعاقله». على أنّ قول زهير فى معناه لا يلحقه لاحق، وإنما زاد عليه أبو تمام فى اللفظ.

وأخذ قول أبى تمام إبراهيم بن العباس، فقال: وأصبح ما كان يحرزهم يبرزهم؛ وما كان يعقلهم يقتلهم. ونقله إلى موضع آخر، فقال: واستنزلوه من

معقل إلى عقال، وبدّلوه آجالا من آمال. وقوله: «آجالا من آمال» مأخوذ من قول مسلم:

موف على مهج فى يوم ذى رهجكأنّه أجل يسعى إلى أمل
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أجررت حبل خليع في الصبا غزل»
ينال بالرّفق ما يعيا الرّجل بهكالموت مستعجلا يأتى على مهل

وقد أخذ أيضا قول أبى دهبل:

ما زلت فى العفو للذّنوب وإطلاق لعان بجرمه غلق
للشاعر أبو دهبل الجمحي، اقرأ القصيدة
حتّى تمنّى البراة أنّهمعندك أسرى فى القدّ والحلق

فجاء به فى بيت واحد وهو قوله:

وتكفّل الأيتام عن آبائهمحتّى وددنا أنّنا أيتام
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «دمن ألم بها فقال سلام»

وسبق أيضا من تقدّمه فى قوله حتى صار لا يلحقه فيه أحد بعده:

وركب كأطراف الأسنّة عرّسواعلى مثلها واللّيل تسطو غياهبه
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أهن عوادي يوسف وصواحبه»
لأمر عليهم أن تتمّ صدورهوليس عليهم أن تتمّ عواقبه
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أهن عوادي يوسف وصواحبه»

سبقا بيّنا بهذه المعانى؛ وإنما أخذ البيت الأول من قول البعيث:

أطافت بركب كالأسنّة هجّدبخاشعة الأصواء غير صحونها

والبيت الثانى من بعض الأعراب:

غلام وغى تقحّمها فأبلىفخان بلاءه الزّمن الخؤون
وكان على الفتى الإقدام فيهاوليس عليه ما جنت المنون

وبين القولين بون بعيد.

وزاد أيضا فى قوله:

إذا شبّ نارا أقعدت كلّ قائموقام لها من خوفه كلّ قاعد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أألله إني خالد بعد خالد»

على الآخر فى قوله:

أتانى وأهلى بالمدينة وقعةلآل تميم أقعدت كلّ قائم

فقول أبى تمام: «وقام لها من خوفه كلّ قاعد» زيادة حسنة.

وكذلك قوله فى ابنى عبد الله بن طاهر:

نجمان شاء الله ألّا يطلعاإلّا ارتداد الطّرف حتّى يأفلا
للشاعر أبو تمام، اقرأ القصيدة
إنّ الفجيعة بالرّياض نواضرالأجلّ منها بالرّياض ذوا بلا
للشاعر أبو تمام، اقرأ القصيدة
لهفى على تلك المخايل فيهمالو أمهلت حتّى تكون شمائلا
لو ينسآن لكان هذا غارباللمكرمات وكان هذا كاهلا
للشاعر أبو تمام، اقرأ القصيدة
إنّ الهلال إذا رأيت نموّهأيقنت أن سيكون بدرا كاملا
للشاعر أبو تمام، اقرأ القصيدة

أحسن وأجود مما أحذ منه هذه المعانى وهو قول الفرزدق:

وجفن سلاح قد رزيت فلم أنحعليه ولم أتعب عليه البواكيا
وفى جوفه من دارم ذو حفيظةلو انّ المنايا أنسأته لياليا

لا يقع بيت الفرزدق مع أبيات أبى تمام موقعا.

وقد أجاد أيضا فى قوله:

وقد علم القرن المساميك أنّهسيغرق فى البحر الذى أنت حائض
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «مهاة النقا لولا الشوى والمآبض»

وزاد فيه على من أخذه منه وهو لقيط بن يعمر:

إنّى أخاف عليها الأزلم الجذعا

بيت أبى تمام أكثر ماء وأبين معنى.

وأخذ قول الفرزدق:

وما أمرتنى النّفس فى رحلة لهاإلى أحد إلّا إليك ضميرها

فشرحه فقال:

وما طوّقت فى الآفاق إلّاومن جدواك راحلتى وزادى
مقيم الظّنّ عندك والأمانىوإن قلقت ركابى فى البلاد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سقى عهد الحمى سبل العهاد»

وإلى بيت الفرزدق يشير القائل:

مدحتك جهدى بالّذى أنت أهلهفقصّر عمّا فيك من صالح جهدى
فما كلّ ما فيه من الخير قلتهولا كلّ ما فيه يقول الّذى بعدى
وكنت إذا هيّأت مدحا لماجدأتانى الّذى فيه بأدنى الّذى عندى

ومن هاهنا أخذ أبو نواس قوله:

إذا نحن أثنينا عليك بصالحفأنت كما نثنى وفوق الّذى نثنى
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ملكت على طير السعادة واليمن»
وإن جرت الألفاظ يوما بمدحةلغيرك إنسانا فأنت الّذى نعنى

ويشير إلى قول الخنساء:

وما بلغ المهدون فى القول مدحةوإن أطنبوا إلّا الّذى فيك أفضل

وقال البحترى:

فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامهاومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه
للشاعر البحتري، من قصيدة «أمن أجل أن أقوى الغوير فواسطه»

أحسن لفظا وسبكا من قول أبى حية:

إذا هنّ ساقطن الحديث كأنّهسقاط حصى المرجان من سلك ناظم

وبيت البحترى أيضا أتمّ معنى؛ لأنه تضمّن ما لم يتضمّنه بيت أبى حية من تشييه الثّغر بالدّر.

وقد زاد أيضا فى قوله:

وفرسان هيجاء تجيش صدورهابأحقادها حتى يضيق ذروعها
للشاعر البحتري، من قصيدة «منى النفس في أسماء لو تستطيعها»
تقتّل من وتر أعزّ نفوسهاعليها بأيد ما تكاد تطيعها
للشاعر البحتري، من قصيدة «منى النفس في أسماء لو تستطيعها»
إذا احتربت يوما ففاظت نفوسهاتذكّرت القربى فغاضت دموعها
شواجر أرماح تقطّع بينهاشواجر أرحام ملوم قطوعها

على من قال:

ونبكى- حين نقتلكم- عليكمونقتلكم كأنّا لا نبالى

وقريب منه قول مهلهل:

لقد قتلت بنى بكر بربّهمحتى بكيت وما يبكى لهم أحد

وبيتا البحترى أجود من بيتهما بغير خلاف؛ ومن قول فليح بن زيد الفهرى أيضا:

أتبكين من قتلى وأنت قتلتنىبحبّك قتلا بيّنا ليس يشكل
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
فأنت كذبّاح المصافير دائباوعيناه من وجد عليهنّ تهمل

وبيته:

كلّ عان يترجّى فكهولذات الخال عان ما يفكّ
للشاعر البحتري، من قصيدة «هبل الواشي بها أنى أفك»

أحسن رصفا من قول زهير وهو الأصل:

وكلّ محبّ أحدث النّأى عندهسلوّ فؤاد غير حبّك ما يسلو
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو»

وهكذا قوله:

قوم إذا لبسوا الدّروع لموقفلبستهم الأحساب فيه دروعا
للشاعر البحتري، من قصيدة «فيم ابتداركم الملام ولوعا»

أتم وأجود من قول الأول:

لبسوا الدروع على القلوب مظاهرين لدفع ذلك

وقال أعرابى:

إنّ النّدى حيث ترى الضّغاطا

فأخذه بشّار وشرحه وبيّنه، فقال:

يسقط الطّير حيث ينتثر الحبّ وتغشى منازل الكرماء
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «حيِّيَا صاحِبيَّ أُمَّ الْعلاَء»

ومثله قول الآخر:

يزدحم الناس على بابهوالمنهل العذب كثير الزّحام

وأخبرنى أبو أحمد قال: أخبرنى الصولى، قال: سمعت من ينشد المبرد لسلم الخاسر:

سقتنى بعينيها الهوى وسقيتهافدبّ دبيب الخمر فى كلّ مفصل
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «سقتني بعينيها الهوى وسقيتها»

فقال له المبرد: قد حسّنه أبو نواس حيث يقول:

ويدخل حبّها فى كلّ قلبمداخل لا يغلغلها المدام

وقول البحترى:

وغابر حبّ غابر ثمّ أنجدا

أجود من قول من تقدّمه، وهو الأصل:

أغار الهوى يا عبد قيس وأنجدا

وأخذ أيضا أبو تمام خبر الشماخ مع أحيحة بن الجلاح لما أنشده الشماخ:

إذا بلّغتنى وحملت رحلىعرابة فاشرقى بدم الوتين

فقال له أحيحة: بئست المجازاة جازيتها فنقل أبو تمام هذا الخبر، فقال:

لست كشمّاخ المذمّم فىسوء مكافاته ومجترمه
أشرقها من دم الوتين لقدضلّ كريم الأخلاق عن شيمه
ذلك حكم قضى بفيصلهأحيحة بن الجلاح فى أطمه

وأخبرنا أبو أحمد قال، قال أبو العيناء: سمعت أبا نواس يقول: والله ما أحسن الشماخ حيث يقول:

إذا بلّغتنى وحملت رحلىعرابة فاشرقى بدم الوتين

هلّا قال كما قال الفرزدق:

علام تلفّتين وأنت تحتىوخير الناس كلّهم أمامى
متى تردى الرّصافة تستريحىمن التّهجير والدبر الدّوامى

وكان قول الشماخ عيبا عندى، فلما سمعت قول الفرزدق تبعته، فقلت:

وإذا المطىّ بنا بلغن محمدافظهورهنّ على الرّجال حرام
للشاعر شاعر الحمراء، من قصيدة «يا أيها المولى الذي بوجوده»
قرّبننا من خير من وطىء الحصىفلها علينا حرمة وذمام

وقلت:

أقول لناقتى إذ بلّغتنىلقد أصبحت عندى بالثّمين
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «وبكر سلافة في قعر دن»
فلم أجعلك للغربان نحلاولا قلت اشرقى بدم الوتين
حرمت على الأزمّة والولاياوأعلاق الرّحالة والوضين
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «وبكر سلافة في قعر دن»

وتبع الشماخ ذو الرمة فقال:

إذا ابن أبى موسى بلالا بلغتهفقام بفأس بين وصليك جازر

وسمع أبو تمام قول علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه للأشعث بن قيس: إنك إن صبرت جرى عليك قضاء الله وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك أمر الله وأنت موزور؛ فإنّك إن لم تسل احتسابا سلوت كما تسلو البهائم؛ فحكاه حكاية حسنة فى قوله:

وقال علىّ فى التّعازى لأشعثوخاف عليه بعض تلك المآثم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أمالك إن الحزن أحلام حالم»
أتصبر للبلوى رجاء وحسبةفتؤجر أم تسلو سلوّ البهائم
خلقنا رجالا للتجلّد والأسىوتلك الغوانى للبكا والمآتم
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «أتصبر للبلوى عزاء وحسبة»

والبيت الأخير من قول عبد الله بن الزبير لما قتل مصعب: وإنما التسليم والسّلوة لحزماء الرّجال؛ وإنّ الهلع والجزع لربّات الحجال.

وسمع قول زياد لأبى الأسود: لولا أنك ضعيف لاستعملتك. فقال أبو الأسود:

إن كنت تريدنى للصّراع فإنى لا أصلح له، وإلّا فغير شديد أن آمر وأنهى؛ فقال أبو تمام:

تعجّب أن رأت جسمى نحيفاكأن المجد يدرك بالصّراع

وزاد أبو تمام أيضا بقوله:

أطال يدى على الأيّام حتّىجزيت صروفها صاعا بصاع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «خذي عبرات عينك عن زماعي»

على أبى طالب فى قوله:

فإن يقتلا أو يمكن الله منهمانكل لهما صاعا بصاع المكايل

بيت أبى تمام أصفى وأنصع.

وكذلك قوله:

من النّكبات النّاكبات عن الهوىفمحبوبها يمشى ومكروهها يعدو
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «تجرع أسى قد أقفر الجرع الفرد»

أحسن رصفا مما أخذه منه. وهو الذى أنشدنيه أبو أحمد، قال: أنشدنا ابن دريد قال: أنشدنا الرياشى عن المعمرى- حفص بن عمر لبعض المسجونين:

وتعجبنا الرّؤيا فجلّ حديثنا،إذا نحن أصبحنا، الحديث عن الرّؤيا
فإن حسنت لم تأت عجلى وأبطأتوإن قبحت لم تحتبس وأتت عجلى
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة

وأخبرنى أبو أحمد، قال أخبرنى الصولى، قال حدّثنى أبو بكر هرون بن عبد الله المهلبى، قال: كنا فى حلقة دعبل، فجرى ذكر أبى تمام، فقال دعبل: كان يتتبّع معانىّ فيأخذها، فقال له رجل فى مجلسه: ما من ذلك أعزّك الله؟ فقال: قلت:

وإنّ امرأ أسدى إلىّ بشافعإليه ويرجو الشّكر منّى لأحمق
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «وإن امرأ أسدى إلي بشافع»
شفيعك فاشكر فى الحوائج إنّهيصونك عن مكروهها وهو يخلق
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «وإن امرأ أسدى إلي بشافع»

وقال هو، يمدح يعقوب بن أبى ربعى:

إنّ الأمير بلاك فى أحوالهفرآك أهزعه غداة نضاله
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أحواله»
فمتى أقوم بحقّ شكرك إذ جنتبالغيب كفّك لى ثمار نواله
فلقيت بين يديك حلو عطائهولقيت بين يدىّ مرّ سؤاله
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أحواله»
وإذا امرؤ أسدى إليك صنيعهمن جاهه فكأنّها من ماله
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «صدق الذي قد سار في أمثاله»

فقال الرجل: أحسن والله! فقال دعبل: كذبت قبّحك الله! قال: لئن كان سبق بهذا المعنى فتبعته لما أحسنت، وإن كان أخذه منك لقد أجاد، فصار أولى به منك! فغضب دعبل وقام.

وسمع بشّار قول المجنون:

ألا إنّما ليلى عصا خيزرانةإذا غمزوها بالأكفّ تلين
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا يا حمامات الحمى عدن عودة»

فقال: والله لو جعلها عصا من زبد أو مخّ لما أحسن؛ ألا قال كما قلت:

وحوراء المدامع من معدّكأنّ حديثها قطع الجمان
إذا قامت لسبحتها تثنّتكأنّ عظامها من خيزران

ولما قال بشّار:

من راقب الناس لم يظفر بحاجتهوفاز بالطّيّبات الفاتك اللهج
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «خشاب هل لمحب عندكم فرج»

تبعه سلم الخاسر، فقال:

من راقب النّاس مات غمّاوفاز باللّذة الجسور
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «من راقب الناس مات غما»

فلما سمع بشار هذا البيت قال: ذهب ابن الفاعلة ببيتى.

ومن حسن الاتباع أيضا قول إبراهيم بن العباس حيث كتب: إذا كان للمحسن من الثواب ما يقنعه، وللمسىء من العقاب ما يقمعه، ازداد المحسن فى الإحسان رغبة، وانقاد المسىء للحق رهبة. أخذه من قول علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه- أخبرنا به أبو أحمد، قال أخبرنا أبو بكر الجوهرى، قال: أخبرنا أبو يعلى المنقرى، قال: أخبرنا العلاء بن الفضل بن جرير قال: قال على بن أبى طالب رضى الله عنه: يجب على الوالى أن يتعهّد أموره، ويتفقّد أعوانه، حتى لا يخفى عليه إحسان محسن، ولا إساءة مسىء. ثم لا يترك واحدا منهما بغير جزاء؛ فإن ترك ذلك تهاون المحسن، واجترأ المسىء، وفسد الأمر، وضاع العمل.

وسمع بعض الكتّاب قول نصيب:

فعاجوا فأثنوا بالّذى أنت أهلهولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «أقول لركب قافلين رأيتهم»

فكتب: ولو أمسك لسانى عن شكرك لنطق على أثرك.

وفى فصل آخر:

ولو جحدتك إحسانك لأكذبتنى آثاره، ونمّت علىّ شواهده.

وقريب منه قولهم: شهادات الأحوال أعدل من شهادات الرجال، أخذه ابن الرومى فشرحه فى قوله:

حال انسداد فمى عمّا يريبكملكن فم الحال منّى غير مسدود
حال تصيح بما أوليت معلنةوكلّ ما تدّعيه غير مردود
كلى هجاء وقتلى لا يحلّ لكمفما يداريكم منى سوى الجود
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يا ابن الوزيرين سمعا من أخي طلب»

وقريب منه أيضا قول الشاعر:

أأقاتل الحجّاج عن سلطانهبيد تقرّ بأنّها مولاته
للشاعر عِمران بن حطان، اقرأ القصيدة
ماذا أقول إذا وقفت إزاءهفى الصّفّ واحتجّت له فعلاته

أخذه أبو تمام فقال:

أألبس هجر القول من لو هجوتهإذا لهجانى عنه معروفه عندى
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي»

وممن أحسن الاتباع أيضا أحمد بن يوسف- وقد سمع قول على رضى الله عنه:

لا تكوننّ كمن يعجز عن شكر ما أوتى، ويلتمس الزيادة فيما بقى. فكتب: أحق من أثبت لك العذر فى حال شغلك من لم يخل ساعة من برّك فى وقت فراغك.

وأخذه أخذا ظاهرا أحمد بن صبيح فقال: فى شكر ما تقدّم من إحسان الأمير شاغل عن استبطاء ما تأخّر منه.

وأخذه سعيد بن حميد فقال: لست مستقلا لشكر ما مضى من بلائك، فأستبطى درك ما أؤمّل من مزيدك.

ومن هذا أيضا قول أبى نواس:

لا تسدينّ إلىّ عارفةحتّى أقوم بشكر ما سلفا
للشاعر ابن جيا، من قصيدة «أنت امرؤ أو ليتني منناً»

وأخبرنى أبو أحمد، قال: أخبرنى على بن سليمان الأخفش، قال، قال أبو تمام لابن أبى داود لمّا غضب عليه: أنت الناس كلّهم، ولا طاقة لى بغضب جميع.

الناس. فقال ابن أبى دواد: ما أحسن هذا! من أين أخذته؟ قال: من قول أبى نواس:

وليس لله بمستنكرأن يجمع العالم فى واحد

ومن سمع هذا الكلام يظنه مسروقا من قول جرير:

إذا غضبت علىّ بنو تميمحسبت النّاس كلّهم غضابا

وأخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا الأخفش، قال: أخبرنا المبرد عن الجاحظ قال، سمع قليب المعتزلى أبياتا للعتبى، وهى:

أفلت بطالته وراجعهحلم وأعقبه الهوى ندما
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
ألقى عليه الدّهر كلكلهوأعاره الإقتار والعدما
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
فإذا ألمّ به أخو ثقةغضّ الجفون ومجمج الكلما
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة

فقال لبعض الملوك يستعطفه على رجل من أهله: جعلنى الله فداءك، ليس هو اليوم كما كان، إنه وحياتك أفلت بطالته، أى والله، وراجعه حلمه، وأعقبه- وحقّك- الهوى ندما؛ أنحى الدهر- والله- عليه بكلكله؛ فهو اليوم إذا رأى أخا ثقة غضّ بصره، ومجمج كلامه.

وبهذا يعرف أنّ حلّ المنظوم، ونظم المحلول أسهل من ابتدائهما؛ لأنّ المعانى إذا حلّت منظوما أو نظمت منثورا حاضرة بين يديك تزيد فيها شيئا فينحلّ، أو تنقص منها شيئا فينتظم، وإذا أردت ابتداء الكلام وجدت المعانى غائبة عنك فتحتاج إلى فكر يحضركها.

والمحلول من الشعر على أربعة أضرب؛ فضرب منها يكون بإدخال لفظة بين ألفاظه. وضرب ينحلّ بتأخير لفظة وتقديم أخرى فيحسن محلوله ويستقيم.

وضرب منه ينحلّ على هذا الوجه ولا يحسن ولا يستقيم. وضرب تكسو ما تحلّه من المعانى ألفاظا من عندك وهذا أرفع درجاتك.

فأما الضرب الأول فمثاله ما تقدّم من صدر كلام قليب المعتزلى وأما الضرب الثانى فمثاله ما ذكره بعض الكتاب من قول البحترى:

نطلب الأكثر فى الدنيا وقدنبلغ الحاجة فيها بالأقلّ
للشاعر البحتري، من قصيدة «قالتِ: الشَّيْبُ بَدا، قلتُ: أجَلْ»

ثم قال: فإذا نثرت ذلك ولم تزد فى ألفاظه شيئا قلت: نطلب فى الدنيا الأكثر، وقد نبلغ منها الحاجة بالأقل.

وقوله:

أطل جفوة الدّنيا وتهوين شأنهافما الغافل المغرور فيها بعاقل
يرجّى الخلود معشر ضلّ سعيهمودون الّذى يبتغون غول الغوائل
للشاعر البحتري، من قصيدة «تَقَضّى الصّبَا، إلاّ تَلَوّمَ رَاحِلِ»
إذا ما حريز القوم بات وما لهمن الله واق فهو بادى المقاتل
للشاعر البحتري، من قصيدة «تقضى الصبا إلا تلوم راحل»

فإذا ما نثرت ذلك من غير أن تزيد فى ألفاظه شيئا قلت: أطل تهوين شأن الدنيا وجفوتها؛ فما المغرور الغافل فيها بعاقل؛ ويرجو معشر ضلّ رأيهم الخلود، وغول الغوائل دون ما يرجون؛ وإذا بات حريز القوم ما له واق من الله فهو بادى المقاتل.

وهذا المعنى مأخوذ من قول التغلبى:

لعمرك ما يدرى الفتى كيف يتّقىإذا هو لم يجعل له الله واقيا

وأما الضرب الثالث فهو أن توضع ألفاظ البيت فى مواضع، ولا يحسن وضعها فى غيرها، فيختلّ إذا نثر بتأخير لفظ وتقديم آخر، فتحتاج فى نثره إلى النقصان

منه والزيادة فيه، كقول البحترى:

يسرّ بعمران الدّيار مضلّلوعمرانها مستأنف من خرابها
للشاعر البحتري، من قصيدة «معاد من الأيام تعذيبنا بها»
ولم أرتض الدّنيا أوان مجيئهافكيف أرتضائيها أوان ذهابها
للشاعر البحتري، من قصيدة «معاد من الأيام تعذيبنا بها»

فإذا نثر على الوجه قيل: يسر مضلّل بعمران الدنيا، ومن خرابها عمرانها مستأنف، ولم أرتض أوان مجيئها الدنيا؛ فكيف أوان ذهابها أرتضائيها.

فهذا نثر فاسد؛ فإذا غيّرت بعض ألفاظه حسن وهو أن تقول: يسرّ المضلّل بعمران الديار، وإنما تستأنف عمرانها من خرابها، وما ارتضيت الدنيا أوان مجيئها؛ فكيف أرتضيها أوان ذهابها؟

ونحن نقول: إنّ من النظم ما لا يمكن حلّه أصلا بتأخير لفظة وتقديم أخرى منه حتى يلحق به التغيير والزيادة والنقصان مثل قول الشاعر:

لسان الفتى نصف ونصف فؤادهفلم يبق إلّا صورة اللّحم والدّم
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة

فالمصراع الأول يمكن أن تؤخّر ألفاظه وتقدّم؛ فيصير نثرا مستقيما؛ وهو أن تقول: فؤاد الفتى نصف ولسانه نصف. ولا يمكن فى المصراع الثانى ذلك حتى تزيد فيه أو تنقص منه؛ فتقول: لسان الفتى نصف وفؤاده نصف، وصورته من اللحم والدم فضل لا غناء بها دونهما ولا معوّل عليها إلا معهما.

وزيادة الألفاظ التى تحصل فيه ليست بضائرة؛ لأنّ بسط الألفاظ فى أنواع المنثور سائغ؛ ألا ترى أنها تحتاج إلى الازدواج، ومن الازدواج ما يكون بتكرير كلمتين لهما معنى واحد، وليس ذلك بقبيح إلّا إذا اتّفق لفظاهما.

ويسوغ هذا فى الشعر أيضا كقول البحترى:

بودّى لو يهوى العذول ويعشقفيعلم أسباب الهوى كيف تعلق
للشاعر البحتري، من قصيدة «بودي لو يهوى العذول ويعشق»

فيهوى، ويعشق سواء فى المعنى وهو حسن؛ إلّا أنّ أكثر ما يحسن فيه إيراد المعنى على غاية ما يمكن من الإيجاز.

ومعنى قوله: «فلم يبق إلّا صورة اللّحم والدم». داخل فى قوله: «لسان الفتى نصف ونصف فؤاده». والمصراع الثانى إنما هو تذييل للمصراع الأوّل؛ فإذا أردت أن تحلّه حلّا مقتصرا بغير لفظه قلت: الإنسان شطران: لسان وجنان.

ومما لا يمكن حلّه بتقديم لفظة منه وتأخير أخرى أيضا قول أبى نواس:

ألا يابن الذين فنوا وبادواأما والله ما ذهبوا لتبقى

فتحل المصراع الأول فتقول: ألا يابن الذين ماتوا ومضوا؛ فيحسن. وتقول فى المصراع الثانى: لتبقى أما والله ما ماتوا. أو لتبقى ما ماتوا ومضوا، أما والله؛ فلا يكون ذلك شيئا؛ فتحتاج فى نثره إلى تغييره وإبدال ألفاظه؛ فتقول: ألا يابن الذين ماتوا ومضوا وظعنوا فناء؛ أما والله ما ظعنوا لتقيم، ولا راموا إلّا لتريم، ولا ماتوا لتحيا، ولا فنوا لتبقى.

وفى هذه الألفاظ طول، وليس بضائر على ما خبّرتك؛ فإن أردت اختصاره قلت: أما والله إنّ الموت لم يصبك فى أبيك إلّا ليصيبك فيك.

والضرب الرابع أن تكسو ما تحلّه من المنظوم ألفاظا من عندك؛ وهذا أرفع درجاتك.

النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الصناعتين: الكتابة والشعر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.