من «الصناعتين: الكتابة والشعر» لأبي هلال العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)
المساواة
ومما يدخل فى هذا الباب المساواة، وهو أن تكون المعانى بقدر الألفاظ، والألفاظ بقدر المعانى لا يزيد بعضها على بعض، وهو المذهب المتوسط بين الإيجاز والإطناب؛ وإليه أشار القائل بقوله: كأنّ ألفاظه قوالب لمعانيه؛ أى لا يزيد بعضها على بعض.
فما فى القرآن من ذلك قوله ﷿: حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ
وقوله تعالى: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ
. ومثله كثير.
ومن كلام النبى ﷺ: «لا تزال أمتى بخير ما لم تر الأمانة مغنما والزكاة مغرما». وقوله ﷺ: «إياك والمشارّة فإنها تميت الغرّة وتحيى العرّة».
ومن ألفاظ هذه الفصول ما كانت معانيه أكثر من ألفاظه، وإنما يكره تميزها كراهة الإطالة.
ومن نثر الكتّاب قول بعضهم: سألت عن خبرى وأنا فى عافية لا عيب فيها إلا فقدك، ونعمة لا مزيد فيها إلا بك.
وقوله: علمتنى نبوتك سلوتك، وأسلمنى يأسى منك إلى الصّبر عنك. وقوله:
فحفظ الله النعمة عليك وفيك، وتولّى إصلاحك والإصلاح لك، وأجزل من الخير حظّك والحظّ منك، ومنّ عليك وعلينا بك.
وقال آخر: يئست من صلاحك بى، وأخاف فسادى بك، وقد أطنب فى ذم الحمار من شبّهك به.
ومن المنظوم قول طرفة:
ستبدى لك الأيام ما كنت جاهلاويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
وقول الآخر:
تهدى الأمور بأهل الرّأى ما صلحتفإن تأبّت فبالأشرار تنقاد
وقول الآخر:
فأمّا الّذى يحصيهم فمكثّروأمّا الّذى يطريهم فمقلّل
وقول الآخر:
أهابك إجلالا وما بك قدرةعلىّ ولكن ملء عين حبيبها
وما هجرتك النّفس أنك عندهاقليل، ولكن قلّ منك نصيبها
وقول الآخر:
أصدّ بأيدى العيس عن قصد أهلهاوقلبى إليها بالمودّة قاصد
وقول الآخر:
يقول أناس لا يضيرك فقدهابلى كل ما شفّ النفوس يضيرها
وقال الآخر:
يطول اليوم لا ألقاك فيهوحول نلتقى فيه قصير
وقالوا: لا يضيرك نأى شهرفقلت لصاحبىّ: فمن يضير
قوله: «لصاحبى» يكاد يكون فضلا.
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع