تجاوز إلى المحتوى

من «الصناعتين: الكتابة والشعر» لأبي هلال العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)

كيف تعمل للشعر

وإذا أردت أن تعمل شعرا فأحضر المعانى التى تريد نظمها فكرك، وأخطرها على قلبك، واطلب لها وزنا يتأتّى فيه إيرادها وقافية يحتملها؛ فمن المعانى ما تتمكّن من نظمه فى قافية ولا تتمكّن منه فى أخرى، أو تكون فى هذه أقرب طريقا وأيسر كلفة منه فى تلك؛ ولأن تعلو الكلام فتأخذه من فوق فيجىء سلسا سهلا ذا طلاوة ورونق خير من أن يعلوك فيجىء كزّا فجّا ومتجعدا جلفا.

فإذا عملت القصيدة فهذّبها ونقّحها؛ بإلقاء ماغثّ من أبياتها، ورثّ ورذل، والاقتصار على ما حسن وفخم، بإبدال حرف منها بآخر أجود منه، حتى تستوى أجزاؤها وتتضارع هواديها وأعجازها.

فقد أنشدنا أبو أحمد ﵀ قال: أنشدنا أبو بكر بن دريد:

طرقتك عزّة من مزار نازحيا حسن زائرة وبعد مزار
للشاعر بيهس الغطفاني، من قصيدة «لمن الديار عرفتها وكأنها»

ثم ثال أبو بكر: لو قال: «يا قرب زائرة وبعد مزار» لكان أجود. وكذلك هو لتضمّنه الطّباق.

وأخبرنا أبو أحمد عن أبى بكر عن عبد الرحمن عن عمه عن المنتجع بن نبهان،

قال: سمعت الأشهب بن جميل يقول: أنا أوّل من ألقى الهجاء بين جرير وابن لجأ، أنشدت جريرا قوله:

تصطكّ إلحيها على دلائهاتلاطم الأزد على عطائها

حتى بلغت إلى قوله:

تجرّ بالأهون من دعائهاجزّ العجوز الثّنى من كسائها

فقال جرير: ألا قال: «جرّ الفتاة طرفى ردائها» فرجعت إلى ابن لجأ فأخبرته.

فقال: والله ما أردت إلا ضعفة العجوز؛ ووقع بينهما الشرّ. وقول جربر: «جرّ العروس طرفى ردائها». أحسن وأظرف وأحلى من قول عمرو بن لجأ: «جرّ العجوز الثنى من كسائها». وليس فى اعتذار ابن لجأ بضعفة العجوز فائدة؛ لأنّ الفتاة معها من الدلال ما يقوم فى الهوينا مقام ضعفة العجوز. وإنكار جرير قوله: «الثّنى من كسائها» نقد دقيق، وإنما أنكره لأنّ فيه شعبة من التكلف. وقول جرير:

«طرفى ردائها» أسلس وأسهل وأقلّ حروفا.

وقولك: رأيت الإيعاز بذلك أجود من قولك: رأيت أن أوعز بذلك؛ كذا وجدت حذّاق الكتّاب يقولون. وعجبت من البحترى كيف قال:

لعمر الغوانى يوم صحراء أربدلقد هيّجت وجدا على ذى توجّد

ولو قال: «على متوجد» لكان أسهل وأسلس وأحسن.

وفى غير هذه الرواية قال، فقال ابن لجأ لجرير: فقد قلت أعجب من هذا، وهو قولك:

وأوثق عند المردفات عشيّةلحاقا إذا ماجرّد السيف لامع
للشاعر جرير، من قصيدة «ذكرت وصال البيض والشيب شائع»

والله لو لم يلحقن إلا عشيّا لما لحقن حتى نكحن وأحبلن.

وقد كان هذا دأب جماعة من حذّاق الشعراء من المحدثين والقدماء، منهم زهير؛ كان يعمل القصيدة فى ستة أشهر ويهذّبها فى ستة أشهر، ثم يظهرها، فتسمّى قصائده الحوليات لذلك.

وقال بعضهم: خير الشعر الحولى المنقّح؛ وكان الحطيئة يعمل القصيدة فى شهر، وينظر فيها ثلاثة أشهر ثم يبرزها. وكان أبو نواس يعمل القصيدة ويتركها ليلة، ثم ينظر فيها فيلقى أكثرها ويقتصر على العيون منها؛ فلهذا قصر أكثر قصائده.

وكان البحترى يلقى من كل قصيدة يعملها جميع ما يرتاب به فخرج شعره مهذبا.

وكان أبو تمام لا يفعل هذا الفعل، وكان يرضى بأوّل خاطر فنعى عليه عيب كثير.

وتخيّر الألفاظ، وإبدال بعضها من بعض يوجب التئام الكلام؛ وهو من أحسن نعوته وأزين صفاته، فإن أمكن مع ذلك منظوما من حروف سهلة المخارج كان أحسن له وأدعى للقلوب إليه، وإن اتّفق له أن يكون موقعه فى الإطناب والإيجاز أليق بموقعه، وأحقّ بالمقام والحال كان جامعا للحسن، بارعا فى الفضل؛ وإن بلغ مع ذلك أن تكون موارده تنبيك عن مصادره، وأوّله يكشف قناع آخره، كان قد جمع نهاية الحسن، وبلغ أعلى مراتب التمام.

ومثاله ما أنشدنا أبو أحمد قال: أنشدنا أبو الحسن أحمد بن جعفر البرمكى، قال:

أنشدنا عبيد الله بن عبد الله بن طاهر لنفسه:

أشارت بأطراف البنان المخضّبوضنّت بما تحت النقاب المكتّب
للشاعر عبيد الله بن عبدالله بن طاهر، من قصيدة «أشارت بأطراف البنان المخضب»
وعضّت على تفاحة فى يمينهابذى أشر عذب المذاقة أشنب
للشاعر عبيد الله بن عبدالله بن طاهر، من قصيدة «أشارت بأطراف البنان المخضب»
وأومت بها نحوى فقمت مبادراإليها فقالت: هل سمعت بأشعب
للشاعر عبيد الله بن عبدالله بن طاهر، من قصيدة «أشارت بأطراف البنان المخضب»

فهذا أجود شعر سبكا وأشدّه التئاما وأكثره طلاوة وماء.

وينبغى أن تجعل كلامك مشتبها أوله بآخره، ومطابقا هاديه لعجزه، ولا تتخالف

أطرافه، ولا تتنافر أطراره، وتكون الكلمة منه موضوعة مع أختها، ومقرونة بلفقها؛ فإنّ تنافر الألفاظ من أكبر عيوب الكلام؛ ولا يكون ما بين ذلك حشو يستغنى عنه ويتم الكلام دونه.

ومثال ذلك من الكلام المتلائم الأجزاء، غير المتنافر الأطرار قول أخت عمرو ذى الكلب:

فأقسم يا عمرو لو نبّهاكإذا نبّها منك داء عضالا
للشاعر جنوب الهذلية، اقرأ القصيدة
إذا نبّها ليث عرّيسةمفيتا مفيدا نفوسا ومالا
وخرق تجاوزت مجهولهبوجناء حرف تشكّى الكلالا
للشاعر جنوب الهذلية، اقرأ القصيدة
فكنت النهار به شمسهوكنت دجى اللّيل فيه الهلالا

فجعلته الشمس بالنهار، والهلال بالليل. وقالت: مفيتا مفيدا، ثم فسرت فقالت:

نفوسا ومالا.

وقال الآخر:

وفى أربع منّى حلت منك أربعفما أنا دار أيّها هاج لى كربى
للشاعر البحتري، من قصيدة «وفي أربع مني حلت منك أربع»
أوجهك فى عينى أم الرّيق فى فمىأم النطق فى سمعى أم الحبّ فى قلبى
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «وفي أربع مني خلت منك أربع»

وأخبرنى أبو أحمد، قال: كنت أنا وجماعة من أحداث بغداد ممّن يتعاطى الأدب نختلف إلى مدرك نتعلّم منه علم الشعر، فقال لنا يوما: إذا وضعتم الكلمة مع لفقها كنتم شعراء، ثم قال: أجيزوا هذا البيت:

ألا إنّما الدنيا متاع غرور

فأجازه كلّ واحد من الجماعة بشىء فلم يرضه، فقلت:

وإن عظمت فى أنفس وصدور

فقال: هذا هو الجيّد المختار.

وأخبرنا أبو أحمد الشطنى، قال: حدّثنا أبو العباس بن عربى، قال: حدثنا حماد عن يزيد بن جبلة، قال: دفن مسلمة رجلا من أهله، وقال:

نروح ونغدو كلّ يوم وليلة

ثم قال لبعضهم: أجز، فقال:

فحتّى متى هذا الرواح مع الغدو

فقال مسلمة: لم تصنع شيئا. فقال آخر:

فيالك مغدى مرة ورواحا

فقال: لم تصنع شيئا. فقال لآخر: أجز أنت، فقال:

وعمّا قليل لا نروح ولا نغدو

فقال: الآن تمّ البيت.

ومما لم يوضع [فيه] الشىء مع لفقه من أشعار المتقدمين قول طرفة:

ولست بحلّال التّلاع مخافةولكن متى يسترفد القوم أرفد
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»

فالمصراع الثانى غير مشاكل الصورة للمصراع الأول، وإن كان المعنى صحيحا؛ لأنه أراد: ولست بحلّال التّلاع مخافة السّؤّال، ولكنّى أنزل الأمكنة المرتفعة، لينتابونى فأرفدهم، وهذا وجه الكلام؛ فلم يعبّر عنه تعبيرا صحيحا، ولكنه خلطه وحذف منه حذفا كثيرا فصار كالمتنافر؛ وأدواء الكلام كثيرة.

وهكذا قول الأعشى:

وإنّ امرءا أسرى إليك ودونهسهوب وموماة وبيداء سملق
لمحقوقة أن تستجيبى لصوتهوأن تعلمى أنّ المعان موفّق
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أرقت وما هذا السهاد المؤرق»

قوله: «وأن تعلمى أنّ المعان موفّق» غير مشاكل لما قبله.

وهكذا قول عنترة:

حرق الجناح كأنّ لحيى رأسهجلمان بالأخبار هشّ مولع
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «ظعن الذين فراقهم أتوقع»
إنّ الذين نعبت لى بفراقهمهم أسلموا ليلى التمام وأوجعوا

ليس قوله «بالأخبار هشّ مولع» فى شىء من صفة جناحه ولحييه.

وقول السموءل:

فنحن كماء المزن ما فى نصابناكهام ولا فينا يعدّ بخيل
للشاعر السموأل، من قصيدة «إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه»

ليس فى قوله: «ما فى نصابنا كهام». من قوله: «فنحن كماء المزن» فى شىء؛ إذ ليس بين ماء المزن والنصاب والكهوم مقاربة، ولو قال: ونحن ليوث الحرب، أو أولو الصرامة والنّجدة ما فى نصابنا كهام لكان الكلام مستويا. أو نحن كماء المزن صفاء أخلاق وبذل أكفّ لكان جيدا.

وجعل بعض الأدباء من هذا الجنس قول امرئ القيس:

كأنّى لم أركب جوادا للذّةولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»
ولم أسبا الزّقّ الرّوىّ ولم أقللخيلى كرّى كرّة بعد إجفال
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

قالوا: فلو وضع مصراع كل بيت من هذين البيتين فى موضع الآخر لكان أحسن وأدخل فى استواء النّسج؛ فكان يروى:

كأنّى لم أركب جوادا ولم أقللخيلى كرّى كرّة بعد إجفال
ولم أسبإ الزّقّ الرّوىّ للذّةولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال

لأنّ ركوب الجواد مع ذكر كرور الخيل أجود، وذكر الخمر مع ذكر الكواعب أحسن.

قال أبو أحمد: الذى جاء به امرؤ القيس هو الصحيح؛ وذلك أن العرب تضع الشىء مع خلافه فيقولون: الشدة والرخاء، والبؤس والنعيم، وما يجرى مع ذلك. وقالوا فى قول ابن هرمة:

وإنى وتركى ندى الأكرمينوقدحى بكفّى زندا شحاحا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «تعلقتها وإناء الشباب»
كتاركة بيضها بالعراءوملبسة بيض أخرى جناحا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «تعلقتها وإناء الشباب»

وقول الفرزدق:

وإنك إذ تهجو تميما وترتشىسرابيل قيس أو سحوق العمائم
كمهريق ماء بالفلاة وغرّهسراب أذاعته رياح السمائم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تحن بزوراء المدينة ناقتي»

كان ينبغى أن يكون بيت ابن هرمة مع بيت الفرزدق وبيت الفرزدق مع بيت ابن هرمة، فيقال:

وإنى وتركى ندى الأكرمينوقدحى بكفّى زندا شحانا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «تعلقتها وإناء الشباب»
كمهريق ماء بالفلاة وغرّهسراب أذاعته رياح السمائم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تحن بزوراء المدينة ناقتي»

[ويقال]:

وإنك إذ تهجو تميما وترتشىسرابيل قيس أو سحوق العمائم
كتاركة بيضها بالعراءوملبسة بيض أخرى جناحا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «تعلقتها وإناء الشباب»

حتى يصحّ التشبيه للشاعرين جميعا.

ومن المتنافر الصدر والأعجاز قول حبيب بن أوس:

محمد إنّ الحاسدين حشودوإنّ مصاب المزن حيث تريد

ليس النصف الأول من النصف الثانى فى شىء.

وقريب من ذلك قول الطالبى:

قوم هدى الله العباد بجدّهموالمؤثرون الضيف بالأزواد

ومن الشعر المتلائم الأجزاء المتشابه الصدور والأعجاز قول أبى النجم:

إنّ الأعادى لن تنال قديمناحتّى تنال كواكب الجوزاء
للشاعر أبو النجم العجلي، اقرأ القصيدة
كم فى لجيم من أغرّ كأنّهصبح يشقّ طيالس الظّلماء
للشاعر أبو النجم العجلي، اقرأ القصيدة
ومجرّب خضل السنان إذا التقىزحف بخاطرة الصدور ظلماء

وكقول القطامى:

يمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلةولا الصّدور على الأعجاز تتّكل
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
فهنّ معترضات والحصى رمضوالريح ساكنة والظلّ معتدل
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

إلّا أنّ هذا لو كان فى وصف نساء لكان أحسن؛ فهو كالشى الموضوع فى غير موضعه.

وينبغى أن تتجنّب إذا مدحت أو عاتبت المعانى التى يتطيّر منها ويستشنع سماعها، مثل قول أبى نواس:

سلام على الدّنيا إذا ما فقدتمبنى برمك من رائحين وغادى
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أربع البلى إن الخشوع لباد»

وإذا أردت أن تأتى بهذا المعنى فسبيلك أن تسلك سبيل أشجع السلمى فى قوله:

لقد أمسى صلاح أبى علىّلأهل الأرض كلّهم صلاحا
إذا ما الموت أخطأه فلسنانبالى الموت حيث غدا وراحا
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة

فذكر إخطاء الموت إياه وتجاوزه إلى غيره؛ فجاد المعنى وحسن المستمع. وقد أحسن القائل:

ولا تحسبنّ الحزن يبقى فإنهشهاب حريق واقد ثم خامد
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «تعجل مولود ليمهل والد»
ستألف فقدان الّذى قد فقدتهكإلفك وجدان الّذى أنت واجد
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «تعجل مولود ليمهل والد»

فجعل ما يتطيّر منه من الفقدان لنفسه وما يستحبّ من الوجدان للممدوح؛ وقد أساء أبو الوليد أرطاة بن شهبة، حين أنشد عبد الملك:

رأيت الدهر يأكل كلّ حىّكأكل الأرض ساقطة الحديد
وما تبقى المنيّة حين تغدوعلى نفس ابن آدم من مزيد
وأعلم أنها ستكرّ حتّىتوفى نذرها بأبى الوليد
للشاعر أرطأة بن سهيّة، اقرأ القصيدة

وكان عبد الملك يكنّى أبا الوليد فتطيّر منه، ومازال يرى كراهة شعره فى وجهه حتى مات.

وإذا دعت الضرورة إلى سوق خبر واقتصاص كلام، فتحتاج إلى أن تتوخّى فيه الصدق، وتتحرّى الحقّ؛ فإن الكلام حينئذ يملكك ويحوجك إلى اتّباعه والانقياد له.

وينبغى أن تأخذ فى طريق تسهل عليك حكايته فيها، وتركب قافية تطيعك فى استيفائك له، كما فعل النابغة فى قوله:

واحكم كحكم فتاة الحىّ إذ نظرتإلى حمام شراع وارد الثّمد
يحفّه جانبا نيق وتتبعهمثل الزّجاجة لم تكحل من الرّمد
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «يا دار مية بالعلياء فالسند»
قالت ألا ليتما هذا الحمام لناإلى حمامتنا أو نصفه فقد
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «يا دار مية بالعلياء فالسند»
فكمّلت مائة فيها حمامتهاوأسرعت حسبة فى ذلك العدد
للشاعر زرقاء اليمامة، اقرأ القصيدة
فحسبوه فألفوه كما حسبتتسعا وتسعين لم تنقص ولم تزد
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «يا دار مية بالعلياء فالسند»

فهذا أجود ما يذكر فى هذا الباب، وأصعب ما رامه شاعر منه؛ لأنه عمد إلى حساب دقيق، فأورده مشروحا ملخّصا، وحكاه حكاية صادقة. ولمّا احتاج إلى أن يذكر العدد والزيادة والثّمد بنى الكلام على قافية فاصلة الدال فسهل عليه طريقه، واطّرد سبيله.

ومثل ذلك ما أتاه البحترى فى القصيدة التى أولها»

هاج الخيال لنا ذكرى إذا طافاوافى يخادعنا والصبح قد وافى

وكان قد احتاج إلى ذكر الآلاف، والإسعاف، والأضعاف، والإسراف، وترك الاقتصار على الأنصاف؛ فجعل القصيدة فائية؛ فاستوى له مراده وقرب عليه مرامه، وهو قوله:

قضيت عنى ابن بسطام صنيعتهعندى وضاعفت ما أولاه أضعافا
للشاعر البحتري، من قصيدة «يهدي الخيال لنا ذكرى إذا طافا»
وكان معروفه قصدا إلىّ وماجازيته عنه تبذيرا وإسرافا
للشاعر البحتري، من قصيدة «يهدي الخيال لنا ذكرى إذا طافا»
مئون عينا تولّيت الثّواب بهاحتى انثنت لأبى العباس آلافا
للشاعر البحتري، من قصيدة «يهدي الخيال لنا ذكرى إذا طافا»
قد كان يكفيه ممّا قدّمت يدهربّا يزيد على الآحاد أنصافا
للشاعر البحتري، من قصيدة «يهدي الخيال لنا ذكرى إذا طافا»

ولا ينبغى أن يكون لفظك وحشيا بدويا، وكذلك لا يصلح أن يكون مبتذلا سوقيا.

أخبرنا أبو أحمد عن مبرمان عن أبى جعفر بن القتبى عن أبيه، قال، قال خلف الأحمر: قال شيخ من أهل الكوفة: أما عجبت أن الشاعر قال: «أنبت قيصوما

وجثجاثا» فاحتمل، وقلت أنا: أنبت إجّاصا وتفاحا- فلم يحتمل.

والمختار من الكلام ما كان سهلا جزلا لا يشوبه شىء من كلام العامة وألفاظ الحشويّة، وما لم يخالف فيه وجه الاستعمال؛ ألا ترى إلى قول المتنبى:

أين البطاريق والحلف الّذى حلفوابمفرق الملك والزّعم الّذى زعموا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

هذا قبيح جدّا، وإنما سمع قول العامّة حلف برأسه، فأراد أن يقول مثله؛ فلم يستوله، فقال: بمفرق الملك، ولو جاز هذا لجاز أن يقول: حلف بيافوخ أبيه، وبقمحدوة سيّده.

وقبح هذا يدلّ على أنّ أمثاله غير جائز فى جميع المواضع، وهذا النوع فى شعر المتنبى كبعد الاستعارة فى شعر أبى تمام.

ومن الألفاظ ما يستعمل رباعيّة وخماسيّه دون ثلاثيّه، ومنها ما هو بخلاف ذلك، فينبغى ألّا تعدل عن جهة الاستعمال فيها، ولا يغرّك أن أصولها مستعملة؛ فالخروج عن الطريقة المشهورة والنّهج المسلوك ردىء على كل حال. ألا ترى أنّ الناس يستعملون «التعاطى» فيكون منهم مقبولا، ولو استعملوا «العطو» وهو أصل هذه الكلمة وهو ثلاثىّ، والثلاثىّ أكثر استعمالا، لما كان مقبولا ولا حسنا مرضيا؛ فقس على هذا.

ومن الألفاظ ما إذا وقع نكرة قبح موضعه وحسن إذا وقع معرفة، مثل قول بعضهم:

لمّا التقينا صاح بين بيننايدنى من القرب البعاد لحاقا

فقوله: «صاح بين بيننا» متكلّف جدا. فلو قال: «البين» كان أقرب؛ على أنّ البيت كلّه ردىء، ليس من وصف البلغاء.

وينبغى أن تجتنب ارتكاب الضرورات وإن جاءت فيها رخصة من أهل العربية، فإنها قبيحة تشين الكلام وتذهب بمائه؛ وإنما استعملها القدماء فى أشعارهم لعدم علمهم بقباحتها، ولأنّ بعضهم كان صاحب بداية، والبداية مزلة، وما كان أيضا تنقد عليهم أشعارهم، ولو قد نقدت وبهرج منها المعيب كما تنقد على شعراء هذه الأزمنة ويبهرج من كلامهم ما فيه أدنى عيب لتجنّبوها، وهو كقول الشاعر:

له زجل كأنّه صوت حادإذا طلب الوسيقة أو زمير

فلم يشبع.

وقول الآخر:

ألم يأتيك والأنباء تنمىبما لاقت لبون بنى زياد

فقال: «ألم يأتيك»، فلم يجزم.

وقال ابن قيس الرقيات:

لا بارك الله فى الغوانى هليصبحن إلّا لهنّ مطّلب
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة

فحرّك حرف العلة.

وقال قعنب بن أمّ صاحب:

مهّلا أعاذل قد جرّبت من خلقىإنّى أجود لأقوام وإن ضننوا

فأظهر التضعيف.

ومثله قول العجاج:

تشكو الوجى من أظلل وأظلل

وقال جميل:

ألا لا أرى إثنين أحسن شيمةعلى حدثان الدّهر منّى ومن جمل
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي»

وقال:

إذا جاوز الإثنين سرّ فإنّهبنشر وتكثير الوشاة قمين

فقطع ألف الوصل.

وقال غيره:

من الثّعالى ووخز من أرانيها

إلى غير ذلك مما يجرى مجراه، وهو مكروه الاستعمال.

وينبغى أن تتحامى العيوب التى تعترى القوافى، مثل السّناد والإقواء والإيطاء، وهو أسهلها، والتوجيه وإن جاء فى جميع أشعار المتقدمين وأكثر أشعار المحدثين.

وينبغى أن ترتّب الألفاظ ترتيبا صحيحا؛ فتقدّم منها ما كان يحسن تقديمه، وتؤخّر منها ما يحسن تأخيره؛ ولا تقدّم منها ما يكون التأخير به أحسن، ولا تؤخّر منها ما يكون التقديم به أليق.

فمما أفسد ترتيب ألفاظه قول بعضهم:

يضحك منها كلّ عضو لهامن بهجة العيش وحسن القوام
ترفل فى الدّار لها وفرةكوفرة الملط الخليع الغلام

كان ينبغى أن يقول: كوفرة الغلام الملط الخليع، أو الغلام الخليع الملط؛ فأمّا تقديم الصفة على الموصوف فردىء فى صنعة الكلام جدّا. وقوله أيضا:

«بهجة العيش وحسن القوام» متنافر غير مقبول.

وقول ابن طباطبا:

وعجلة تشدو بألحانهاوكانت الكيّسة الخادمه
للشاعر ابن طباطبا العلوي، اقرأ القصيدة

لو قال: «وكانت الخادمة الكيّسة» لكان أجود.

وينبغى ألّا يذكر فى التشبيب اسما بغيضا؛ فقد أنشد جرير بعض ملوك بنى أميّة:

وتقول بوزع قد دببت على العصاهلّا هزئت بغيرنا يا بوزع
للشاعر جرير، من قصيدة «بان الخليط برامتين فودعوا»

فقال له الملك: أفسدتها ببوزع.

وقد يقدح فى الحسن قبح اسمه، ويزيد فى مهابة الرجل فخامة اسمه، ولهذا تكنّى البحترى بأبى عبادة، وكان يكنّى أبا الحسن؛ وشهد رجل عند شريح وكان الرجل يكنّى أبا الكويفر، فردّ شهادته، ولم يسأل عنه.

وسمع عمر بن عبد العزيز ﵀ رجلا يكنى أبا العمرين، فقال: لو كان عاقلا لكفاه أحدهما.

وأتى ظالم بن سرّاق عمر بن الخطاب رضى الله عنه ليستعمله فردّه، وقال:

أنت تظلم وأبوك يسرق؛ وظالم هذا جدّ المهلّب بن أبى صفرة.

وهذه جملة كافية إذا تدبّرت، وبالله التوفيق.

ومن عيوب الكلام تكرير الكلمة الواحدة فى كلام قصير: مثل قول سعيد ابن حميد: ومثّل خادمك بين ما يملك فلم يجد شيئا يفى بحقّك، ورأى أنّ تقريظك بما يبلغه اللسان- وإن كان مقصّرا عن حقك- أبلغ فى أداء ما يجب لك.

فكرر الحقّ فى المقدار اليسير من الكلام.

وينبغى أن يتجنّب الكاتب جميع ما يكسب الكلام تعمية؛ فيرتّب ألفاظه ترتيبا صحيحا، ويتجنّب السقيم منه، وهو مثل ما كتب بعضهم: لفلان- وله بى حرمة- مظلمة. وكان ينبغى أن يقول: لفلان وأنا أرعى حرمته مظلمة. وما يجرى هذا المجرى من الترتيب المختار البعيد من الإشكال.

النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الصناعتين: الكتابة والشعر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.