تجاوز إلى المحتوى

من «الصناعتين: الكتابة والشعر» لأبي هلال العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)

من سوء النظم

من سوء النظم

فمن سوء النّظم المعاظلة، وقد مدح عمر بن الخطاب رضى الله عنه زهيرا لمجانبتها. فقال: كان لا يعاظل بين الكلام؛ وأصل هذه الكلمة من قولهم:

تعاظلت الجرادتان إذا ركبت إحداهما الأخرى، وعاظل الرجل المرأة إذا ركبها؛ فمن المعاظلة قول الفرزدق:

تعال فإن عاهدتنى لا تخوننىتكن مثل من يا ذئب يصطحبان

وقوله:

هو السّيف الذى نصر ابن أروىبه عثمان مروان المصابا

وقوله للوليد بن عبد الملك:

إلى ملك ما أمّه من محاربأبوه ولا كانت كليب تصاهره
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إلى ملك ما أمه من محارب»

وقوله يمدح هشام بن إسماعيل:

وما مثله فى الناس إلّا مملّكاأبو أمّه حىّ أبوه يقاربه

وقوله:

الشمس طالعة ليست بكاسفةتبكى عليك نجوم اللّيل والقمرا

وقوله:

ما من ندى رجل أحقّ بما أتىمن مكرمات عظائم الأخطار
من راحتين يزيد يقدح زندهكفّاهما وأشدّ عقد إزار

وقوله:

إذا جئته أعطاك عفوا ولم يكنعلى ماله حال الردى مثل سائله
إلى ملك لا تنصف الساق نعلهأجل لا وإن كانت طوالا محامله

وقال قدامة: لا أعرف المعاظلة إلا فاحش الاستعارة؛ مثل قول أوس:

وذات هدم عار نواشرهاتصمت بالماء تولبا جدعا
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «أيتها النفس أجملي جزعا»

فسمى الصبى تولبا؛ والتّولب: ولد الحمار.

وقول الآخر:

وما رقد الولدان حتى رأيتهعلى البكر يمريه بساق وحافر

فسمّى قدم الإنسان حافرا. وهذا غلط من قدامة كبير؛ لأنّ المعاظلة فى أصل الكلام إنما هى ركوب الشىء بعضه بعضا؛ وسمى الكلام به إذا لم ينضد نضدا مستويا، وأركب بعض ألفاظه رقاب بعض، وتداخلت أجزاؤه، تشبيها بتعاظل الكلاب والجراد، على ما ذكرناه؛ وتسمية القدم بحافر ليست بمداخلة كلام فى كلام؛ وإنما هو بعد فى الاستعارة.

والدليل على ما قلنا أنك لا ترى فى شعر زهير شيئا من هذا الجنس، ويوجد فى أكثر شعر الفحول نحو ما نفاه عنه عمر رضى الله عنه وحده؛ فمما وجد منه فى شعر النابغة قوله:

يثرن الثّرى حتى يباشرن بردهإذا الشمس مجّت ريقها بالكلاكل

معناه: يثرن الثّرى حتى يباشرن برده بالكلاكل إذا الشمس مجّت ريقها.

وهذا مستهجن جدّا؛ لأنّ المعنى تعمّى فيه.

وقول الشماخ:

تخامص عن برد الوشاح إذا مشتتخامص حافى الخيل فى الأمعز الوجى
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «ألا ناديا أظعان ليلى تعرج»

معناه تخامص الحافى الوجى فى الأمعز.

وقول لبيد:

وشمول قهوة باكرتهافى التّباشير مع الصّبح الأول
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «لمن الدار كأنضاء الخلل»

أى فى التباشير الأول مع الصّبح.

وكقول ذى الرمة:

كأنّ أصوات من إيغالهنّ بناأواخر الميس أصوات الفراريج
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «يا حاديي بنت فضاض أما لكما»

يريد كأن أصوات آخر الميس أصوات الفرايج من إيغالهن.

وقوله أيضا:

نضا البرد عنه وهو من ذو جنونهأجارىّ تصهال وصوت صلاصل

كأنه من تخليطه كلام مجنون أو هجر مبرسم يريد: وهو من جنونه ذو أجارىّ.

وكقول أبى حية النميرى:

كما خطّ الكتاب بكفّ يومايهودىّ يقارب أو يزيل
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة

يريد: كما خط الكتاب بكف يهودىّ يوما يقارب أو يزيل.

وقول الآخر:

هما أخوا فى الحرب من لا أخا لهإذا خاف يوما نبوة فدعاهما
للشاعر عمرة الخثعمية، اقرأ القصيدة

يريد: أخوا من لا أخ له فى الحرب.

وليس للمحدث أن يجعل هذه الأبيات حجّة، ويبنى عليها؛ فإنه لا يعذر فى شىء منها، لاجتماع الناس اليوم على مجانبة أمثالها، واستجادة ما يصحّ من الكلام ويستبين، واسترذال ما يشكل ويستبهم.

فمن الكلام المستوى النظم، الملتئم الرّصف قول بعض العرب:

أيا شجر الخابور مالك مورقاكأنك لم تحزن على ابن طريف
فتى لا يحبّ الزّاد إلّا من التّقىولا المال إلّا من قنا وسيوف
للشاعر الفارعة بنت طريف، اقرأ القصيدة
ولا الخيل إلا كلّ جرداء شطبةوأجرد شطب فى العنان خنوف
كأنك لم تشهد طعانا ولم تقممقاما على الأعداء غير خفيف
فلا تجزعا يا بنى طريف فإنّنىأرى الموت حلّالا بكلّ شريف

والمنظوم الجيد ما خرج مخرج المنثور فى سلاسته، وسهولته واستوائه، وقلة ضروراته؛ ومن ذلك قول بعض المحدثين:

وقوفك تحت ظلال السيوفأقر الخلافة فى دارها
كأنك مطّلع فى القلوبإذا ما تناجت بأسرارها
فكرّات طرفك مردودةإليك بغامض أخبارها
وفى راحتيك الرّدى والنّدىوكلتاهما طوع ممتارها
وأقضية الله محتومةوأنت منفّذ أقدارها

ولا تكاد القصيدة تستوى أبياتها فى حسن التأليف، ولا بدّ أن تتخالف؛ فمن ذلك قول عبيد بن الأبرص:

وقد علا لمّتى شيب فودّعنىمنه الغوانى وداع الصّارم القالى
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «يا دار هند عفاها كل هطال»
وقد أسلّى همومى حين تحضرنىبجسرة كعلاة القين شملال
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «يا دار هند عفاها كل هطال»
زيّافة بقتود الرّحل ناجيةتفرى الهجير بتبغيل وإرقال
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «يا دار هند عفاها كل هطال»

وفيها:

تحتى مسوّمة جرداء عجلزةكالسّهم أرسله من كفّه الغالى
والشّيب شين لمن أرسى بساحتهلله درّ سواد اللمّة الخالى

فهذا نظم حسن وتأليف مختار.

وفيها ما هو ردىء لا خير فيه، وهو قوله:

بان الشّباب فآلى لا يلمّ بناواحتلّ بى من مشيب كل محلال

وقوله:

فبت ألعبها طورا وتلعبنىثم انصرفت وهى منّى على بال

قوله: «واحتل بى من مشيب كلّ محلال» بغيض خارج عن طريقة الاستعمال وأبغض منه قوله: «وهى منى على بال».

وفيها:

وكبش ملمومة باد نواجذهاشهباء ذات سرابيل وأبطال

السرابيل: الدروع، فلو وضع السيوف موضع الدروع لكان أجود.

وفيها:

أوجرت جفرته خرصا فمال بهكما انثنى خضد من ناعم الضّال
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «يا دار هند عفاها كل هطال»

النصف الثانى أكثر ماء من النصف الأول.

وفيها:

وقهوة كرضاب المسك طال بهافى دنّها كرّ حول بعد أحوال

هذا البيت متوسط.

باكرتها قبل أن يبدو الصّباح لنافى بيت منهمر الكفّين مفضال

النصف الثانى أجود من النصف الأول.

وقوله:

أما إذا دعيت نزال فإنهميجثون للركبات فى الأبدان
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «لمن الديار ببرقة الروحان»

هذا ردىء الرّصف.

وبعده:

فخلدت بعدهم ولست بخالدوالدهر ذو غير وذو ألوان
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «لمن الديار ببرقة الروحان»

متوسط.

وبعده:

إلّا لأعلم ما جهلت بعقبهموتذكّرى ما فات أىّ أوان

مختلّ النظم، ومعناه لست بخالد إلا لأعلم ما جهلت، وتذكرى ما فات، أىّ أوان كان.

وقول النمر بن تولب:

لعمرى لقد أنكرت نفسى ورابنىمع الشيب أبدالى التى أتبدل
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة
فضول أراها فى أديمى بعد مايكون كفاف اللّحم أو هو أفضل
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة
بطىء عن الدّاعى، فلست بآخذسلاحى إليه مثل ما كنت أفعل
كأنّ محطّا فى يدى حارثيّةصناع علت منى به الجلد من عل
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة
تدارك ما قبل الشباب وبعدهحوادث أيّام تمرّ وأغفل
يودّ الفتى طول السّلامة والغنىفكيف ترى طول السلامة تفعل
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة
يردّ الفتى بعد اعتدال وصحّةينوء إذا رام القيام ويحمل

فهذه الأبيات جيدة السبك حسنة الرصف.

وفيها:

فلا الجارة الدّنيا لها تلحينّهاولا الضيف فيها إن أناخ محوّل
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة

فالنّصف الأول مختلّ؛ لأنه خالف فيه وجه الاستعمال؛ ووجهه أن يقول:

فهى لا تلحى الجارة الدنيا، أى القريبة.

وكذلك قوله:

إذا هتكت أطناب بيت وأهلهبمعطنها لم يوردوا الماء قيّلوا
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة

هذا مضطرب لتناوله المعنى من بعيد. ووجه الكلام أن يقول: إذا دنت إبلنا من حىّ ولم ترد إبلهم الماء قيلوا من إبلنا. والقيل: شرب نصف النهار.

وأشدّ اضطرابا منه قوله:

وما قمعنا فيه الوطاب وحولنابيوت علينا كلها فوه مقبل

ووجه الكلام: أن يقول: لسنا نحقن اللبن فنجعل الأقماع فى الوطاب، لأنّ حولنا بيوت أفواههم مقبلة علينا، يرجون خيرنا؛ فاضطرب نظم هذه الأبيات لعدو لها عن وجه الاستعمال.

ومثله:

رأت أمّنا كيصا يلفّف وطبهإلى الأنس البادين فهو مزمّل
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة
فقالت فلان قد أغاث عيالهوأودى عيال آخرون فهزّلوا
ألم يك ولدان أعانوا ومجلسقريب فيجرى إذ يكفّ ويجمل

الكيص: الذى ينزل وحده. والوطب: وعاء اللبن. والأنس البادون: أهله لأنه يرده إليهم، فمنهم من يتذمم فيسقى لبنه ومنهم من يرده كيصا مثل فعل الذى ينزل وحده. مزمل: مبرد.

فهذه الأبيات سمجة الرّصف؛ لأنّ الفصيح إذا أراد أن يعبّر عن هذه المعانى، ولم يسامح نفسه عبّر عنها بخلاف ذلك.

وكان القوم لا ينتقد عليهم، فكانوا يسامحون أنفسهم فى الإساءة.

فأما مثال الحسن الرّصف من الرسائل فكما كتب بعضهم: ولولا أنّ أجود الكلام ما يدلّ قليله على كثيره، وتغنى جملته عن تفصيله، لوسّعت نطاق القول فيما أنطوى عليه من خلوص المودّة، وصفاء المحبة؛ فجال مجال الطّرف فى ميدانه، وتصرّف تصرّف الرّوض فى افتنانه؛ لكن البلاغة بالإيجاز أبلغ من البيان بالإطناب.

ومن تمام حسن الرصف أن يخرج الكلام مخرجا يكون له فيه طلاوة وماء، وربما كان الكلام مستقيم الألفاظ، صحيح المعانى؛ ولا يكون له رونق ولا رواء؛ ولذلك قال الأصمعى لشعر لبيد: كأنه طيلسان طبرانى، أى هو محكم الأصل ولا رونق له.

والكلام إذا خرج فى غير تكلّف وكد وشدّة تفكر وتعمّل كان سلسا سهلا، وكان له ماء ورواء ورقراق، وعليه فرند لا يكون على غيره مما عسر بروزه واستكره خروجه؛ وذلك مثل قول الحطيئة:

هم القوم الذين إذا ألمّتمن الأيام مظلمة أضاءوا
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «ألا أبلغ بني عوف بن كعب»

وقوله:

لهم فى بنى الحاجات أيد كأنّهاتساقط ماء المزن فى البلد القفر

وكقول أشجع:

قصر عليه تحية وسلامنشرت عليه جمالها الأيّام
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة
وإذا سيوفك صافحت هام العداطارت لهنّ عن الفراخ الهام
برقت سماؤك للعدوّ فأمطرتهاما لها ظلّ السيوف غمام
رأى الإمام وعزمه وحسامهجند وراء المسلمين قيام
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة

وكقول النمر:

خاطر بنفسك كى تصيب غنيمةإنّ الجلوس مع العيال قبيح
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة
فالمال فيه تجلّة ومهابةوالفقر فيه مذلة وقبوح
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة

وكقول الآخر:

نامت جدودهم وأسقط نجمهموالنجم يسقط والجدود تنام
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

وكقول الآخر:

لعن الإله تعلّة بن مسافرلعنا يشنّ عليه من قدّام

ففى هذه الأبيات مع جودتها رونق ليس فى غيرها مما يجرى مجراها فى صحة المعنى وصواب اللفظ.

ومن الكلام الصحيح المعنى واللفظ، القليل الحلاوة العديم الطلاوة قول الشاعر:

أرى رجالا بأدنى الدّين قد قنعواولا أراهم رضوا فى العيش بالدّون
فاستغن بالله عن دنيا الملوك كما استغنى الملوك بدنياهم عن الدّين
للشاعر عبد الله بن المبارك، اقرأ القصيدة

ومن الشعر المستحسن الرونق قول دعبل:

وإنّ امرءا أمست مساقط رحلهبأسوان لم يترك له الحرص معلما
حللت محلّا يقصر البرق دونهويعجز عنه الطيف أن يتجشّما
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «وإن امرأ أمست مساقط رحله»

النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الصناعتين: الكتابة والشعر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.