من «الصناعتين: الكتابة والشعر» لأبي هلال العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)
تفضيل الإيجاز
وفى تفضيل الإيجاز يقول جعفر بن يحيى لكتّابه: إن قدرتم أن تجعلوا كتبكم توقيعات فافعلوا.
وقال بعضهم: الزيادة فى الحدّ نقصان. وقال محمد الأمين: عليكم بالإيجاز فإنّ له إفهاما، وللإطالة استبهاما. وقال شبيب بن شبة: القليل الكافى خير من كثير غير شاف. وقال آخر: إذا طال الكلام عرضت له أسباب التكلّف، ولا خير فى شىء يأتى به التكلّف. وقد قيل لبعضهم: ما البلاغة؟ فقال: الإيجاز. قيل: وما الإيجاز؟
قال: حذف الفضول، وتقريب البعيد.
وسمع رسول الله ﷺ رجلا يقول لرجل: كفاك الله ما أهمّك.
فقال: هذه البلاغة. وسمع آخر يقول: عصمك الله من المكاره. فقال: هذه البلاغة.
وقوله ﷺ: أوتيت جوامع الكلم.
وقيل لبعضهم: لم لا تطيل الشّعر؟ فقال: حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق.
وقيل ذلك لآخر، فقال: لست أبيعه مذارعة.
وقيل للفرزدق: ما صيّرك إلى القصائد القصار بعد الطوال؟ فقال: لأنى رأيتها فى الصدور أوقع، وفى المحافل أجول.
وقالت بنت الحطيئه لأبيها: ما بال قصارك أكثر من طوالك؟ فقال: لأنها فى الآذان أولج، وبالأفواه أعلق. وقال أبو سفيان لابن الزبعرى: قصرت فى شعرك؟
فقال: حسبك من الشّعر غرّة لائحة، وسمة واضحة.
وقيل للنابغة الذبيانى: الا تطيل القصائد كما أطال صاحبك ابن حجر؟ فقال:
من انتحل انتقر.
وقيل لبعض المحدثين: مالك لا تزيد على أربعة واثنين؟ قال: هنّ بالقلوب أوقع، وإلى الحفظ أسرع، وبالألسن أعلق، وللمعانى أجمع، وصاحبها أبلغ وأوجز.
وقيل لابن حازم: ألا تطيل القصائد؟ فقال:
أبى لى أن أطيل الشعر قصدىإلى المعنى وعلمى بالصّواب
وإيجازى بمختصر قريبحذفت به الفضول من الجواب
فأبعثهنّ أربعة وستّامثقفة بألفاظ عذاب
خوالد ما حدا ليل نهاراوما حسن الصّبا بأخى الشّباب
وهنّ إذا وسمت بهنّ قوماكأطواق الحمائم فى الرّقاب
وكنّ إذا أقمت مسافراتتهاداها الرّواة مع الرّكاب
وقال أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه: ما رأيت بليغا قطّ إلّا وله فى القول إيجاز، وفى المعانى إطالة.
وقيل لإياس بن معاوية: ما فيك عيب غير أنك كثير الكلام. قال: أفتسمعون صوابا أم خطأ؟ قالوا: بل صوابا. قال: فالزيادة من الخير خير. وليس كما قال؛ لأنّ للكلام غاية؛ ولنشاط السامعين نهاية؛ وما فضل عن مقدار الاحتمال دعا إلى
الاستثقال، وصار سببا للملال؛ فذلك هو الهذر والإسهاب والخطل، وهو معيب عند كل لبيب.
وقال بعضهم: البلاغة بالإيجاز أنجع من البيان بالإطناب. وقال: المكثار كحاطب الليل. وقيل لبعضهم: من أبلغ الناس؟ قال: من حلّى المعنى المزير باللفظ الوجيز، وطبّق المفصل قبل التحزيز.
المزيز: الفاضل، والمزّ: الفضل. وقوله: «وطبّق المفصل قبل التّحزيز»:
مأخوذ من كلام معاوية رضى الله عنه وهو قوله لعمرو بن العاص لما أقبل أبو موسى: يا عمرو؛ إنه قد ضمّ إليك رجل طويل اللسان، قصير الرأى والعرفان؛ فأقلل الحزّ، وطبّق المفصل، ولا تلقه بكلّ رأيك. فقال عمرو: أكثر من الطعام، وما بطن قوم إلا فقدوا بعض عقولهم.
والإيجاز: القصر والحذف.
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع