اليوم عهدكم فأين الموعد
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
سند النص: قوبِل ٣٦ بيتًا من هذا النصّ على روايته في ٥ من كتب التراث، منها «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» و«الأمثال السائرة من شعر المتنبي» و«اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» · آخر مراجعة ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦
عن القصيدة
«اليوم عهدكم فأين الموعد» من شعر المتنبي، من العصر العباسي، وتقع في ٤٠ بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الدال، وغرضها المدح.
بحر الكامل: متفاعلن متفاعلن متفاعلن · قصائد أخرى رويّها الدال
من هذه القصيدة في كتب التراث
- «يتيمة الدهر»: الباب الخامس، في ذكر أبي الطيب المتنبي وما له وما عليه، البيتين ١ و٢
- «خزانة الأدب»: الشاهد الثاني والأربعون بعد المائتين، البيت ٢٢
- «خزانة الأدب»: الشاهد الرابع عشر بعد الستمائة، البيت ٣٧
- «رسائل البلغاء»: رب أعن برحمتك، البيت ٣٩
- «جواهر البلاغة»: (١-٢) فصاحة الكلام، البيت ٢٢
- «الوساطة بين المتنبي وخصومه»: شعر المتنبي، البيتين ١ و٣٩
- «الوساطة بين المتنبي وخصومه»: سرقات المتنبي، الأبيات ١٦ و٢٠ و٢٧ و٣١ وغيرها
- «زهر الآداب وثمر الألباب»: رجع إلى كلام أهل البيت، البيت ٣٢
معنى قول المتنبي
اليَومَ عَهدُكُمُ فَأَينَ المَوعِدُ
هَيهاتَ لَيسَ لِيَومِ عَهدِكُمُ غَدُ
قال الواحدي في «شرح ديوان المتنبي»: يقول للأحبة عند الوداع اليوم ألقاكم فأين موعد لقائكم ثم التفت إلى سلطان البين فقال هيهات أي بعد ما اطلبه ليس لهذا اليوم غدا أي لا أعيش بعد فراقكم فلا غد لي بعد هذا اليوم ولم قال فمتى الموعد كان أليق بما ذكر بعده لأن أين سؤال عن المكان ومتى سؤال عن الزمان يريد بقوله ليس ليوم عهدكم غد يوم عهدهم للوداع
شرح القصيدة بيتًا بيتًا
- ١
اليَومَ عَهدُكُمُ فَأَينَ المَوعِدُ
هَيهاتَ لَيسَ لِيَومِ عَهدِكُمُ غَدُ
الواحدي: العهد اللقاء يقول للأحبة عند الوداع اليوم ألقاكم فأين موعد لقائكم ثم التفت إلى سلطان البين فقال هيهات أي بعد ما اطلبه ليس لهذا اليوم غدا أي لا أعيش بعد فراقكم فلا غد لي بعد هذا اليوم ولم قال فمتى الموعد كان أليق بما ذكر بعده لأن أين سؤال عن المكان ومتى سؤال عن الزمان يريد بقوله ليس ليوم عهدكم غد يوم عهدهم للوداع
العكبري: الْإِعْرَاب نصب الْيَوْم على الظّرْف تَقْدِيره عهدكم فى هَذَا الْيَوْم وَالْيَوْم خبر لَيْسَ فَهُوَ فى مَوضِع نصب الْغَرِيب الْعَهْد اللِّقَاء وَأَيْنَ سُؤال عَن الْمَكَان وَمَتى سُؤال عَن الزَّمَان فَلَو قَالَ مَتى الْموعد لَكَانَ أَجود وَلَو قَالَ الْوَعْد كَانَ أليق وهيهات كلمة تبعيد قَالَ جرير (فهيهات هَيْهَات العقيقُ ومَن بِهِ ... وهيهات خِلّ بالعَقيق نُحاولُه) وَالتَّاء مَفْتُوحَة مثل كَيفَ وَأَصلهَا هَيْهَات وَلذَلِك وقف عَلَيْهَا أَحْمد البزى عَن ابْن كثير والكسائى بِالْهَاءِ ردهَا إِلَى الأَصْل وَقد كسرهَا جمَاعَة من الْعَرَب قَالَ حميد الأرقط يصف إبِلا قطعت بلادا حَتَّى صَارَت فى القفار (يُصْبحن بالقَفْر أتاوِيَّاتِ ... هَيْهَات مِن مُصْبَحِها هَيهاتِ) وَقد أبدلوا الْهَاء الأولى مِنْهَا همزَة فَقَالُوا أيهات كهراق وأراق قَالَ الشَّاعِر (أيْهاتَ منكَ الحياةُ أيهاتا ... ) وَقَالَ الجوهرى فى صحاحه قَالَ الكسائى من كسر التَّاء وقف عَلَيْهَا بِالْهَاءِ وَمن فتحهَا وقف عَلَيْهَا بِالتَّاءِ وَإِن شَاءَ بِالْهَاءِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن بَرى النحوى فى أَخذه على الجوهرى قَالَ أَبُو على الفارسى من فتح التَّاء وقف بِالْهَاءِ لِأَنَّهُ اسْم مُفْرد وَمن كسر وقف عَلَيْهَا بِالتَّاءِ لِأَنَّهُ جمع لهيهات الْمَفْتُوحَة وَقَالَ الْأَخْفَش يجوز فى هَيْهَات أَن تكون جمَاعَة فَتكون التَّاء الَّتِى فِيهَا تَاء الْجمع الَّتِى للتأنيث وَلَا يجوز ذَلِك فى اللات والعزى لِأَن لات وَكَيْت لَا يكون مثلهمَا جمَاعَة لِأَن التَّاء لَا تزاد فى الْجَمَاعَة إِلَّا مَعَ الْألف فَإِن جعلت الْألف وَالتَّاء زائدتين بقى الِاسْم على حرف وَاحِد الْمَعْنى يُرِيد أَن هَذَا الْيَوْم هُوَ عهد لقائكم فَمَتَى مَوْعدكُمْ باللقاء وَهُوَ يَوْم وداعهم ثمَّ الْتفت إِلَى نَفسه وَقَالَ هَيْهَات وَهُوَ الْتِفَات حسن لِأَنَّهُ استفهم ثمَّ سَأَلَ عَن الْموعد فَالْتَفت حِينَئِذٍ إِلَى يأس نَفسه من الْموعد فَقَالَ لَيْسَ ليَوْم مَوْعدكُمْ غَد لِأَن الْمَوْت أقرب إِلَى من أَن أدْرك غَدَاة غَد بل أَمُوت فى يومى هَذَا أسفا يُرِيد وداعهم وَهَذَا الْبَيْت من أحسن مَا قيل فى الْوَدَاع وَالْمعْنَى هَيْهَات أى بعد مَا أطلب لَا أعيش بعدكم
- ٢
المَوتُ أَقرَبُ مِخلَباً مِن بَينِكُم
وَالعَيشُ أَبعَدُ مِنكُمُ لا تَبعُدوا
الواحدي: المخلب يكون للمفترسة من الجوارح والسباع فاستعاره للموت لأنه باهلاكه الحيوان كأنه يفترسه يقول مخلب الموت أقرب إلى من فراقكم الذي يقع غدا أي أموت خوفا لبينكم قبل أن تفارقوني ويروي مطلبا والمعنى اطلب الموت قبل فراقكم أي لو خيرت بينهما لطلبت الموت ولم أطلب فراقكم وقوله والعيش أبعد منكم قال ابن جنى لأنه يعدم البتة وأنتم موجودون وإن كنتم بعداء عني والمعنى أن بعد العيش بالفناء وبعدكم بشسوع الدار وقوله لا تبعدوا دعاء لهم أي لا بعدتم عني ولا فارقتموني أبدا ومن روى بفتح العين فهو من البعد بمعنى الهلاك أي لا أهلككم الله ولا فرق بيني وبينكم
العكبري: الْإِعْرَاب مخلبا تَمْيِيز وحرفا الْجَرّ متعلقان بأقرب وَأبْعد وهما اسْما تَفْضِيل بِمَعْنى الْفَاعِل الْغَرِيب مخلبا هُوَ جارحة لما يفترس من سِبَاع الطير وَمن الْهَوَام واستعاره للْمَوْت لِأَنَّهُ يهْلك الْخَلَائق كلهَا فَكَأَنَّهُ بإهلاكه يفترسهم وَلَا تبعدوا من روى بِفَتْح الْعين كَانَ من الْهَلَاك بعد يبعد أى هلك وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿أَلا بعدا لمدين كَمَا بَعدت ثَمُود﴾ وَمن روى بِضَم الْعين كَانَ من الْبعد والبين الْفِرَاق الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح أَمُوت قبل أَن تفارقونى خوفًا من الْبَين وَإِذا بعدتم كَانَ الْعَيْش أبعد مِنْكُم لِأَنَّهُ لَا يعْدم الْبَتَّةَ وَأَنْتُم موجودون وَلَا تبعدوا دُعَاء لَهُم بِأَن لَا يهْلكُوا وَكَذَا نَقله الواحدى وَقَالَ يرْوى مطلبا وَمَعْنَاهُ أطلب الْمَوْت قبل فراقكم أى لَو خيرت بَينهمَا لطلبت الْمَوْت وَلم أطلب فراقكم وعَلى الرِّوَايَة الْأُخْرَى مخلب الْمَوْت أقرب إِلَى من فراقكم الذى يَقع غَدا
- ٣
إِنَّ الَّتي سَفَكَت دَمي بِجُفونِها
لَم تَدرِ أَنَّ دَمي الَّذي تَتَقَلَّدُ
الواحدي: يقول إن التي قتلتني لما نظرت إليّ ليست تدري أن دمي في عنقها وإنها باءت بإثم قتلي
العكبري: الْغَرِيب سفكت الدمع وَالدَّم أسفكه سفكا أى هرقته والسفاك السفاح وَهُوَ أَيْضا الْقَادِر على الْكَلَام وتقلدت الْأَمر أَخَذته فى عنقى وَأَصله من القلادة وَمِنْه تَقْلِيد الْقُضَاة الْقَضَاء جعله فى أَعْنَاقهم وَكَذَلِكَ تَقْلِيد الْوُلَاة وَالْفُقَهَاء الْمَعْنى يَقُول هَذِه الْمَرْأَة الَّتِى نظرت إِلَى قتلتنى بنظرها وَلَيْسَت تدرى أَنَّهَا قد باءت بإثم قَتْلَى وَأَن دمى فى عُنُقهَا
- ٤
قالَت وَقَد رَأَتِ اِصفِرارِيَ مَن بِهِ
وَتَنَهَّدَت فَأَجَيتُها المُتَنَهِّدُ
الواحدي: أي لما رأت صفرة لوني وجدا بفراقها قالت من به أي من فعل به هذا الذي أراه وقال ابن جنى أي من المطالب به.. وتنهدت أي علا صدرها لشدة تنفسها وزفرت استعظاما لما رأت فأجبتها عن سؤالها المتنهد أي المطالب بي والفاعل بي هذا الشخص أو الإنسان المتنهد
العكبري: الْإِعْرَاب يجوز أَن يكون قَالَت خبر أَن وَهُوَ مُتَعَلق بِمَا قبله وَيكون عجز الْبَيْت الأول جملَة فى مَوضِع نصب على الْحَال وَيجوز أَن يكون جَوَابا لظرف مَحْذُوف أى لما رَأَتْ اصفرارى قَالَت وَمن بِهِ الضَّمِير عَائِد عَلَيْهِ والمتنهد مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف تَقْدِيره الْفَاعِل بى هَذَا المتنهد أَو قاتلى المتنهد الْغَرِيب التنهد شدَّة التنفس والزفرات الْمَعْنى يَقُول لما رَأَتْ تغير وجهى واصفراره قَالَت من بِهِ أى من قَتله أَو من فعل بِهِ هَذَا الَّذِي أرَاهُ ثمَّ تنهدت فعلا صدرها اشدة تنفسها وزفرت استعظاما لما رَأَتْ فأجبتها عَن سؤالها المتنهد المطالب بقتلى أَو الفاعلى بى هَذَا
- ٥
فَمَضَت وَقَد صَبَغَ الحَياءُ بَياضَها
لَوني كَما صَبَغَ اللُجَينَ العَسجَدُ
الواحدي: يعني أنها استحيت فاصفر لونها والحياء لا يصفر اللون بل يحمره ولكن هذا الحياء كان مختلطا بالخوف لأنها خافت الفضيحة على نفسها أو خافت أن يسمع الرقيب هذا الكلام أو خافت إن تطالب بدمه فاستشعارها خوف ما جنت من القتل غلب سلطان الحياء فأورث صفرةً وإنما عدي الصبغ إلى مفعولين لنه تضمن معنى الإحالة كأنه قال أحال الحياء بياضها لوني وقوله كما صبغ اللجين العسجد من قول ذي الرمة، كأنها فضةٌ قد مسها ذهب،
العكبري: الْغَرِيب يجوز أَن يكون لونى مَفْعُولا ثَانِيًا كَمَا تَقول صبغت الثَّوْب أَحْمَر أى جعلته كَذَلِك وَلِأَنَّهُ فِيهِ معنى الإحالة أى حَال الْحيَاء بياضها لونى وَيجوز أَن يكون على حذف مُضَاف تَقْدِيره صبغ الْحيَاء بياضها أصفر مثل اصفرار لونى الْغَرِيب اللجين الْفضة والعسجد الذَّهَب واللون وَاحِد الألوان كالبياضا والسواد والاحمرار وَغير ذَلِك من الألوان واللون النَّوْع واللون دقل التَّمْر ١ الْمَعْنى لما سَمِعت كلامى مَضَت على استحياء وَقَالَ قوم الْحيَاء يُورث حمرَة فى الْوَجْه لَا صفرَة وَإِنَّمَا اصفر لَوْنهَا لِأَنَّهُ حَيَاء خالطه خوف لِأَنَّهَا خَافت الفضيحة على نَفسهَا أَو أَن تطالب بدمه أَو خَافت الرَّقِيب فغلب هَذَا الْخَوْف على سُلْطَان الْحيَاء فأورث صفرَة وَمعنى الْبَيْت من قَول ذى الرمة (كَأَنَّهَا فِضَّةٌ قد مَسَّها ذَهَبُ ... )
- ٦
فَرَأَيتُ قَرنَ الشَمسِ في قَمَرِ الدُجى
مُتَأَوِّداً غُصنٌ بِهِ يَتَأَوَّدُ
الواحدي: جعل بياض لونها قمرا وعارض الصفرة فيها قرن الشمس وهذا أول ما يبدو منها اصفر قال ابن جنى أي قد جمعت حسن الشمس والقمر وقوله متأوداً حال لقرن الشمس ومعناه متثنيا متمائلا ثم ذكر سبب تثنيه فقال غصن به يتأود يعني قامتها تتمايل بوجهها في حال مشيتها
العكبري: الْإِعْرَاب متأودا حَال من قرن الشَّمْس وَالْعَامِل فى الْحَال رَأَيْت وغصن يجوز أَن يكون مُبْتَدأ لِأَنَّهُ نكرَة مَوْصُوفَة وَيجوز أَن يكون خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف الْغَرِيب الْقرن على وُجُوه كَثِيرَة وَأَرَادَ هُنَا بقرن الشَّمْس أول مَا يَبْدُو مِنْهَا وفى الحَدِيث " نهى عَن الصَّلَاة عِنْد طُلُوع الشَّمْس لِأَنَّهَا تطلع بَين قرنى الشَّيْطَان " فَأَرَادَ يخرج قرنها بَين قرنى الشَّيْطَان والمتأود المتمايل الْمَعْنى يُرِيد أَن لَوْنهَا قمر وعارض الصُّفْرَة فِيهَا قرن الشَّمْس وَقَالَ أَبُو الْفَتْح قد جمعت حسن الشَّمْس وَالْقَمَر وَجعل قامتها غصنا متمايلا شَبِيها بالقضيب لاعتداله وتمايله وتثنيه وَهُوَ // معنى حسن // جمع الْبَيْت تَشْبِيها جيدا يُرِيد كَانَت كَالْقَمَرِ فى بياضها فَلَمَّا اصْفَرَّتْ خجلا صَارَت الصُّفْرَة فى بياضها كقرن الشَّمْس فى الْقَمَر وَقَالَ ابْن القطاع غُصْن مَرْفُوع بِالْحَال وَالضَّمِير فِي بِهِ يرجع لغصن وَيتَعَلَّق بقوله يتأود أى يتمايل قده بِهِ
- ٧
عَدَوِيَّةٌ بَدَوِيَّةٌ مِن دونِها
سَلبُ النُفوسِ وَنارُ حَربٍ توقَدُ
الواحدي: يقول هي من بني عديّ من أعراب البادية والنسبة إلى عديّ عدويٌّ كالنسبة إلى عليّ علويٌ والبدوية منسوبة إلى بداء والبداء بمعنى البدو والبادية والنسبة إلى البدو بدوي بجزم الدال وإلى البادية باديٌّ والمعنى إنها منيعةٌ في قومها فقبل الوصول إليها تسلب أرواح طالبيها وتوقد نيران الحروب فمن طلبها صلى بنار الحرب
العكبري: الْإِعْرَاب عدوية خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف أى هى عدوية أَو قاتلتى عدوية وَقيل بل هى رفع على خبر إِن فى قَوْله (إِن الَّتِى سفكت دمى عدوية ... ) وسلب النُّفُوس ابْتِدَاء خبْرَة مقدم عَلَيْهِ الْغَرِيب عدوية منسوبة إِلَى عدى وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ عدوى تَقول فى على علوى وبدوية منسوبة إِلَى بدا وَهُوَ بِمَعْنى البدو والبادية وَالنِّسْبَة إِلَى البدو بدوى بجزم الدَّال وَإِلَى الْبَادِيَة بادى وبدوى بِفَتْح الدَّال والبداوة بِفَتْح الْبَاء وَكسرهَا الْإِقَامَة فى الْبَادِيَة وهى خلاف الحضارة قَالَ تقلب ثَعْلَب لَا أعرف البداوة بِالْفَتْح إِلَّا عَن أَبى زيد وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا بداوى الْمَعْنى يُرِيد أَن هَذِه المحبوبة منيعة لَا يقدر أحد عَلَيْهَا لمنعة قَومهَا فدون الْوُصُول إِلَيْهَا سلب النُّفُوس وَهُوَ قتل طالبيها وتوقد نيران الْحَرْب
- ٨
وَهَواجِلٌ وَصَواهِلٌ وَمَناصِلٌ
وَذَوابِلٌ وَتَوَعُّدٌ وَتَهَدُّدُ
الواحدي: الهواجل الأرض الواسعة والصواهل الخيل والمناصل السيوف والذوابل الرماح يقول دون الوصال إليها هذه الإشياء
العكبري: الْإِعْرَاب هواجل وَمَا بعده عطف على نَار حَرْب فى الْبَيْت الأول الْغَرِيب الهواجل جمع هوجل وهى الأَرْض الواسعة والصواهل الْخُيُول والمناصل السيوف والذوابل الرماح والهواجل أَيْضا النوق وَيجوز أَن يُرِيد بهَا النوق قَالُوا ليَكُون أليق بِالْبَيْتِ لِأَن ذكر النوق مَعَ الْخَيل أشبه من ذكر الأَرْض مَعَ الْخَيل الْمَعْنى يَقُول دون الْوُصُول إِلَيْهَا هَذِه الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة لمنعتها وعزتها وَعزة قَومهَا
- ٩
أَبلَت مَوَدَّتَها اللَيالي بَعدَنا
وَمَشى عَلَيها الدَهرُ وَهوَ مُقَيَّدُ
الواحدي: أي أبلاها بعد العهد وأنساها مودتها أيانا ويروي مودتنا الليالي عندها وقوله ومشى عليها الدهر وهو مقيد مبالغة في الإبادة أي وطئها وطأ ثقيلا كوطأ المقيد وذلك إن المقيد لا يقدر على خفة المشي ورفع الرجلين فهو يطأ وطأ ثقيلا كما قال، وطأ المقيد نابت الهرم، وقال ابن جنى هذا مثل واستعارة وذلك أن المقيد يتقارب خطوه فيريد إن الدهر دب إليها فغيرها وهذا الذي قاله يفسد بقوله عليها ولو أراد ما قال لقال ومشى إليها الدهر كما قال أبو تمام، فيا حسن الرسوم وما تمشى، إليها الدهر في صور البعاد،
العكبري: الْمَعْنى يرْوى (مودتنا الليالى عِنْدهَا ... ) يُرِيد أبلاها بعد الْعَهْد وأنساها مودتها إيانا وَقَوله (وَمَشى عَلَيْهَا ... ) مُبَالغَة فى الإبادة أى وَطئهَا وطأ ثقيلا كَوَطْء الْمُقَيد لَا يقدر على خفَّة الْوَطْء وَرفع الرجلَيْن فَهُوَ يطَأ وطأ ثقيلا كَقَوْلِه (وطْءَ المَقيَّد يَابِس الهَرْمِ ١ ... ) قَالَ الواحدى قَالَ ابْن جنى هَذَا مثل واستعارة وَذَلِكَ أَن الْمُقَيد يتقارب خطوه فيريد أَن الدَّهْر دب إِلَيْهَا فغيرها والذى قَالَه يفْسد بقوله عَلَيْهَا وَلَو أَرَادَ مَا قَالَ لقَالَ إِلَيْهَا كَمَا قَالَ حبيب (فَيا حُسْنَ الرُّسُومِ ومَا تَمَشَّى ... إِلَيْهَا الدَّهْرُ فى صْوِرَ البِعادِ)
- ١٠
بَرَّحتَ يا مَرَضَ الجُفونِ بِمُمرَضٍ
مَرِضَ الطَبيبُ لَهُ وَعيدَ العُوَّدُ
الواحدي: يقال ابرح به وبرح به أي اشتد عليه والبرح والبرحاء الشدة وقال ابن جنى أبرحت تجاوزت الحد وعني بالممرض جفنها ومرض الطبيب له وعيد العود مثل أي تجاوزت يا مرض الجفون الحد حتى أحوجته إلى طبيب وعود يبالغ في شدة مرض جفنها هذا كلامه وقال ابن فورجة ابرح أبو الفتح في التعسف ومن الذي جعل مرض الجفون متناهيا وإنما يستحسن من مرض الجفون ما كان غير مبرح كقول أبي نواس، ضعيفة كر الطرف تحسب أنها، قريبة عهد بالإناقة من سقمو، ولو أراد تناهيه لقال تحسبها في برسام أو نزع روح وإنما عنى بالممرض نفسه وأنه ابرح به حبه لذلك الجفن المريض وأنه بلغ ابراحه به إن مرض طبيبه وعيد عوده رحمةً له على طريقتهم المعروفة بالتناهي في الشكوى هذا كلامه وهو على ما قال ومعنى مرض الطبيب له أي لأجله مرض الطبيب حين هاله مرضه ويدل على أن المراد بالممرض المتنبي لا الجفن قوله
العكبري: الْغَرِيب أَبْرَح بِهِ وبرح بِهِ أى اشْتَدَّ عَلَيْهِ والبرح والبرحاء الشدَّة الْمَعْنى قَالَ الواحدى قَالَ ابْن جنى أبرحت تجاوزت الْحَد وعنى بالممرض جفنها وَمرض الطَّبِيب وَعِيد الْعود مثل أى تجاوزت يَا مرض الجفون الْحَد حَتَّى أحوجت إِلَى طَبِيب وعود يُبَالغ فى شدَّة مرض جفنها وَقَالَ ابْن فورجة أَبْرَح أَبُو الْفَتْح فى التعسف وَمن الذى جعل مرض الجفون متناهيا وَإِنَّمَا يستحسن من مرض الجفون مَا كَانَ غير مبرح كَقَوْل أَبى نواس (ضعيفةُ كَرّ اللَّحظ تحسبُ أَنَّهَا ... قرِيبةَ عَهْدٍ بالإفاقة من سُقْمِ) وَلَو أَرَادَ تناهية لقَالَ تحسبها فى برسام أَو نزع روح وَإِنَّمَا عَنى بالممرض نَفسه وَأَنه أَبْرَح بِهِ حبه لذَلِك الجفن الْمَرِيض وَأَنه بلغ إبراحه بِهِ إِلَى أَن أمرض طبيبه وَعِيد عوده رَحْمَة لَهُ على طريقهم فى التناهى بالشكوى هَذَا كَلَامه وَهُوَ على مَا قَالَ وَقَوله مرض الطَّبِيب لَهُ أى لأَجله مرض حَتَّى هاله مَرضه وَالدَّلِيل على كَون الممرض هُوَ المتنبى قَوْله (فَلهُ بَنو عبد الْعَزِيز بن الرِّضَا ... ) وَقيل أبرحت بِهِ أى صرت بِهِ إِلَى البرح وَهُوَ الْأَمر الشَّديد الشاق وَقَالَ الْخَطِيب جعل مرض الجفون لِأَنَّهُ يحملهَا على الْبكاء والسهو ويروى يَا مرض الجفون بِكَسْر الرَّاء وَهُوَ قَلِيل فى الِاسْتِعْمَال إِنَّمَا يَقُولُونَ فلَان مَرِيض وَالْقِيَاس لَا يمْنَع من قَوْلك رجل مرض كسقم قَالَ الْأَعْشَى (يقضِى بهَا المَرْء حاجاته ... ويشفى عَلَيْهَا الفُؤاد السَّقِم)
- ١١
فَلَهُ بَنو عَبدِ العَزيزِ بنِ الرِضا
وَلِكُلِّ رَكبٍ عيسُهُم وَالفَدفَدُ
الواحدي: أي للممرض المذكور وهو المتنبي هؤلاء أي هم الذين يقصدهم ويبلغ بهم آماله ولسائر الناس من الراكبين المسافرين إلى غيرهم الإبل والمفازة أي لا يحصلون من سفرهم على شيء سوى التعب وقطع الطريق الناس كلهم رووا من فيك شأم لأن اسم البلد شأم وإما زيادة الألف بعد الهمزة فإنما تزاد في النسبة يقال رجل شآم كما يقال رجل يمانٍ على أن أبا الطيب قد قال في غير النسبة والعراقان بالقنا والشآم، ومن استفهام معناه الإنكار أي ليس في الخلق كلهم مقصود يمدح غير شجاع ولا تقل من فيك يا شأم أي لا تخصها بهذا الكلام فإنه ليس أوحدها فقد بل هو أوحد جميع الخلق
العكبري: الْغَرِيب العيس الْإِبِل الْبيض الَّتِى يخالط لَوْنهَا شئ من الصُّفْرَة الْوَاحِد أعيس وَالْأُنْثَى عيساء والفدفد الأَرْض المستوية الْمَعْنى فَلهُ أى للْمَرِيض الْمَذْكُور وَهُوَ المتنبى هَؤُلَاءِ الْقَوْم بَنو عبد الْعَزِيز يُرِيد أَنه قصدهم وَبلغ بهم آماله فهم لَهُ وَحده ولسائر الْمُسَافِرين الراكبين من النَّاس غَيرهم الْإِبِل والمفازة لَا يحصلون من سفرهم على شئ سوى التَّعَب وَقطع الطَّرِيق وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يُرِيد أَنه اخْتَارَهَا هَؤُلَاءِ الْقَوْم دون النَّاس وَترك الْمَقَاصِد لمن يريدها من الركْبَان وَقَالَ ابْن القطاع يُرِيد أَنهم يجودون على كل أحد فكأنهم يُعْطون لكل ركب رِكَابهمْ وأرضهم
- ١٢
مَن في الأَنامِ مِنَ الكِرامِ وَلا تَقُل
مَن فيكِ شَأمُ سِوى شُجاعٍ يُقصَدُ
العكبري: الْإِعْرَاب من اسْتِفْهَام مَعْنَاهُ الْإِنْكَار الْغَرِيب الشأم يُقَال فِيهِ بالتذكير والتأنيث فشاهد التَّذْكِير قَول الشَّاعِر (يقولونَ إنَّ الشأمَ يقتلُ أهْلَه ... فمَنْ لى إنْ لم آته بخلُود) وَشَاهد التَّأْنِيث قَول جواس بن القعطل (جِئتم مِن البَلَدِ البَعيد نِياطُهُ ... والشَّأمُ تُنْكَرُ كهلُها وفَتاها) وَرجل شأمى وشآم على فعال وشآمى أَيْضا حَكَاهُ سِيبَوَيْهٍ وَلَا تقل شأم وَمَا جَاءَ فِي ضَرُورَة الشّعْر فَمَحْمُول على أَنه اقْتصر من النِّسْبَة على ذكر الْبَلَد وَامْرَأَة شآمية بتَخْفِيف الْيَاء الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ فِي الْخلق من يقْصد بمدح سوى شُجَاع قَالَ الواحدي لَا تقل من فِيك يَا شأم أَي لَا تخصها بِهَذَا الْكَلَام فَإِنَّهُ لَيْسَ أوحدها فَقَط بل هُوَ أوحد جَمِيع الْخلق قَالَ أَبُو الْفَتْح من فى الْأَنَام من يقْصد وَلَا تقل يَا شأم أى مَا فِيك كريم غَيره وَتَقْدِيره من فى الْأَنَام من الْكِرَام يقْصد سوى شُجَاع وَلَا تقل يَا شأم من فِيك فَإِنَّهُ أوحد الدُّنْيَا كلهَا لَا وَاحِد الشأم قَالَ وَوجه آخر أَن مَعْنَاهُ الِاسْتِفْهَام وَقد حذف مِنْهُ الْفِعْل كَأَنَّهُ قَالَ قل يَا سامع من الْكِرَام وَلَا تقل ذَلِك للشأم لِأَنَّهُ قد علم أَنه لَيْسَ إِلَّا هَذَا الممدوح
- ١٣
أَعطى فَقُلتُ لِجودِهِ ما يُقتَنى
وَسَطا فَقُلتُ لِسَيفِهِ ما يولَدُ
الواحدي: يقول لما أخذ في العطاء أكثر حتى قلت في نفسي أنه سيعطي جميع ما يقتنيه الناس ولما سطا على الأعداء أكثر القتل حتى قلت أنه سيقتل كل مولود ويجوز أن يكون المعنى أعطى فقلت لجوده مخاطبا إياه لا يقتني أحد مالا لأنهم يستغنون بكل عن نالجمع والإدخار وسطا فقلت لسيفه انقطع النسل فقد الفنيت العباد ومعنى أخر أعطى فقلت جميع ما يقتنيه الناس من جوده وهباته وسطا فقلت لسيفه ما يولد بعد هذا يشير إلى إبقائه على من أبقى مع اقتداره على الافناء فجعلهم طلقاءه وعقتاءه
العكبري: الْإِعْرَاب مَا بِمَعْنى الذى وَيجوز أَن تكون مَصْدَرِيَّة أى المقتنى لجوده والولادة لسيفه الْغَرِيب يقتنى من الْقنية والإدخار وسطا قهر والسطو الْقَهْر بالبطش يُقَال سَطَا بِهِ والسطوة الْمرة المواحدة وَالْجمع السطوات وسطا الراعى على النَّاقة إِذا أَدخل يَده فى رَحمهَا ليخرج مَا فِيهَا من الوثر بِالْفَتْح وَهُوَ مَاء الْفَحْل قَالَ أَبُو الْفَتْح ظَاهره وباطنه هجاء بِمَعْنى المصراع الثانى وَأحسن مِنْهُ قَول حبيب (لم تبقَ مشركةٌ إِلَّا وَقد علمت ... إنْ لم تَتُبْ أنَّه للسَّيف مَا تلدُ) فَجعله على المشركة وَمَا ولدت واحتاط بِأَن قَالَ إِن لم تتب وَأَبُو الطّيب قَالَه على الْإِطْلَاق على الْعلمَاء والإشراف والملوك فَكَأَنَّهُ هجا الرجل وَجعله يقتل من صَادف بِلَا معنى يُوجب الْقَتْل وَقَالَ الواحدى لما أَخذ فى الْعَطاء أَكثر حَتَّى قلت فى نفسى إِنَّه يعْطى جَمِيع مَا يقتضى النَّاس وَلما سَطَا على الْأَعْدَاء أَكثر الْقَتْل حَتَّى قلت إِنَّه سيقتل كل مَوْلُود قَالَ وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى أعْطى فَقلت لجوده مُخَاطبا لَا يقتنى أحد مَالا لأَنهم يستغنون بك عَن الْجمع والادخار وسطا فَقلت لسيفه انْقَطع النَّسْل فقد أفنيت الْعباد وَوجه آخر أَعلَى فَقلت جَمِيع مَا يقتنى النَّاس من جوده وهباته وسطا فَقلت لسيفه مَا يُولد بعد هَذَا يُشِير إِلَى إبقائه على من أبقى مَعَ اقتداره على الإفناء فجعلهم طلقاءه وعتقاءه
- ١٤
وَتَحَيَّرَت فيهِ الصِفاتُ لِأَنَّها
أَلفَت طَرائِقَهُ عَلَيها تَبعُدُ
الواحدي: يقول تحيرت فيه أوصاف المادحين له لانها وجدت طرائق الممدوح ومسالكه التي تحمد بعيدةً على الصفات لا تبلغها ولا تدركها
العكبري: الْمَعْنى يَقُول تحيرت فى الممدوح أَوْصَاف المادحين فَلَا يقدرُونَ على إحصاء فضائله لِأَنَّهَا وجدت خلائقه وطرائقه الَّتِى تحمد بعيدَة على الصِّفَات لَا تبلغها وَلَا تدركها فقد وقفت لَا تقدر على ممر وَلَا مجئ إِلَّا حائرة
- ١٥
في كُلِّ مُعتَرَكٍ كُلىً مَفرِيَّةٌ
يَذمُمنَ مِنهُ ما الأَسِنَّةُ تَحمَدُ
الواحدي: المعترك موضع الحرب والمفرية المشقوقة يقول هو يقطع كلى المحاربين فالكلى تذم من الممدوح ما تحمده الاسنة وهو الاصابة في الطعن وجودة الشق والكلى تذم هذا
العكبري: الْإِعْرَاب كلى استداء تقدم خَبره وَهُوَ الْجَار وَالْمَجْرُور وَهُوَ مُتَعَلق بالاستقرار والأسنة فَاعل تحمد وَمَا بِمَعْنى الذى والعائد مَحْذُوف وَالْجُمْلَة صلَة وَمَا فى مَوضِع نصب مفعول يذممن الْغَرِيب المعترك مَوضِع الْحَرْب وَقَوله مفرية مشقوقة الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح الكلى تذمه لجودة الشق وَهُوَ الذى تحمده الأسنة وَقَالَ الواحدى النَّاس يرَوْنَ الكلى مشقوقة فيذمونه إِذْ لَا رَحْمَة لَهُ ويرون الأسنة منكسرة فيحمدونه لشجاعته فأضاف الْحَمد والذم إِلَى الكلى والأسنة لِأَنَّهُمَا السَّبَب
- ١٦
نِقَمٌ عَلى نِقَمِ الزَمانِ يَصُبُّها
نِعَمٌ عَلى النِعَمِ الَّتي لا تُجحَدُ
الواحدي: نقم على نقم الزمان يصبها الممدوح على أعدائه وهي في اوليائه نعم على نعم لا تجحد لأنه ما لم ينكب الأعداء لم يفد الأولياء ومن روى بفتح التاء جاز أن يكون خطابا وإن يكون للتأنيث
العكبري: الْإِعْرَاب نقم خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف وَمن روى نصبها جَازَ أَن تكون خطابا وَيكون نعم على هَذَا خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف أى هى وَإِن جَعلتهَا للتأنيث كَانَت نعم فاعلة لَهَا وَمن روى بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة تحتهَا فَالضَّمِير للممدوح وَنعم خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف أَيْضا الْغَرِيب انتقم الله مِنْهُ عاقبه وَالِاسْم مِنْهُ النقمَة وَالْجمع نقمات ونقم مثل كلمة وكلمات وكلم وَإِن شِئْت سكنت الْقَاف ونقلت حركتها إِلَى النُّون فَقلت نعْمَة وَالْجمع نقم مثل نعْمَة وَنعم الْمَعْنى يَقُول نقم على نقم الزَّمَان يصبهَا الممدوح على الْأَعْدَاء وهى فى أوليائه نعم لَا تجحد لِأَنَّهَا مَا لم تكبح الْأَعْدَاء لم تفد الْأَوْلِيَاء وَقَالَ أَبُو الْفَتْح هى نعم على أوليائه ونقم على أعدائه
- ١٧
في شانِهِ وَلِسانِهِ وَبَنانِهِ
وَجَنانِهِ عَجَبٌ لِمَن يَتَفَقَّدُ
العكبري: الْإِعْرَاب رفع عجب على الِابْتِدَاء وَخَبره مقدم عَلَيْهِ مُتَعَلق بالاستقرار وَاللَّام تتَعَلَّق بِالِابْتِدَاءِ الْغَرِيب فى شانه أَحْوَاله وجنانه قلبه وعقله الْمَعْنى يُرِيد فى أَحْوَاله كلهَا إِذا تفقدتها عجب لِأَنَّهَا لم تكمل فى أحد سواهُ فأى خصاله رَأَيْت حمدتها
- ١٨
أَسَدٌ دَمُ الأَسَدِ الهِزَبرِ خِضابُهُ
مَوتٌ فَريصُ المَوتِ مِنهُ تُرعَدُ
الواحدي: يقول هو شجاع يتلطخ بدم الأسد حتى يصير كالخضاب له وهو موت لأعدائه فيخافه الموت وترتعد فرائصه وهي لحمات عند الكتف تضطرب عند الخوف
العكبري: الْإِعْرَاب أَسد خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف وَدم الْأسد مُبْتَدأ وخضابه الْخَبَر وحرف الْجَرّ مُتَعَلق بترعد وَهُوَ خبر المبتدإ الثانى الْغَرِيب فريص جمع فريصة وهى لحمات عِنْد الْكَتف تضطرب عِنْد الْخَوْف والهزبر الشَّديد الْغَلَبَة الْمَعْنى يَقُول هُوَ أَسد شُجَاع يتلطخ بِدَم الْأسد حَتَّى يصير لَهُ كالخضاب وَهُوَ موت لأعدائه يخَاف الْمَوْت فترتعد فرائصه من خَوفه
- ١٩
ما مَنبِجٌ مُذ غِبتَ إِلّا مُقلَةٌ
سَهِدَت وَوَجهُكَ نَومُها وَالإِثمِدُ
الواحدي: يقول هذه البلدة مذ غبت عنها كالمقلة الساهدة ووجهك لها بمنزلة النوم والكحل وهما اللذان تصلح بهما العين أي صلاحها بحضورك
- ٢٠
فَاللَيلُ حينَ قَدِمتَ فيها أَبيَضٌ
وَالصُبحُ مُنذُ رَحَلتَ عَنها أَسوَدُ
الواحدي: يقول أبيض الليل في هذه البلدة بنورك وضيائك حين قدمت وأسود صباحها منذ خرجت منها وهذا من قول أبي تمام، وكانت وليس الصبح فيها بأبيض، فأضحت وليس الليل فيها بأسود،
العكبري: الْمَعْنى يَقُول هَذِه الْبَلدة لما قدمتها ابيض بنورك لَيْلهَا واسود صباحها مذ خرجت عَنْهَا وَهَذَا مَنْقُول من قَول الطائى (وكانتْ وليسَ الصُّبْحُ فِيهَا بأبْيَضٍ ... وأضحَتْ وليْسَ اللَّيلُ فِيهَا بأسوَدِ)
- ٢١
ما زِلتَ تَدنو وَهيَ تَعلو عِزَّةً
حَتّى تَوارى في ثَراها الفَرقَدُ
الواحدي: ويروي رفعة يقول لم تزل تقرب من منبج وهي تزداد عزة ورفعة لقربك منها حتى علت النجوم فصارت فوق الفرقدين
العكبري: الْغَرِيب الفرقد هُوَ نجم ومقابلة نجم آخر وهما فرقدان لَا يفترقان قَالَ الشَّاعِر (وكلّ أخٍ مُفارقهُ أخُوه ... لعمر أبيكَ إِلَّا الفرقدانِ) الْمَعْنى يَقُول تعلو رفْعَة أى لم تزل تقرب من هَذِه الْبَلدة وهى تزداد عزة ورفعة لقربك مِنْهَا حَتَّى علت على النُّجُوم فَصَارَت فَوق الفرقدين
- ٢٢
أَرضٌ لَها شَرَفٌ سِواها مِثلُها
لَو كانَ مِثلُكَ في سِواها يُوجَدُ
الواحدي: أرض سوى منبج لها شرف مثل شرف منبج لو وجد فيها مثلك أي إنما شرفها بك فهو وجد مثلك في غيرها لكانت تساويها في الشرف
العكبري: الْإِعْرَاب أَرض خبر ابْتِدَاء أى هى وسواها ابْتِدَاء خَبره مثلهَا وسواها فى مَوضِع جر بالظرف الْمَعْنى هى أَرض لَهَا شرف بك وسواها مثلهَا فى الشّرف يُرِيد أَرض سوى منبج لَهَا شرف مثل شرف منبج لَو وجد فِيهَا مثلك وَإِنَّمَا شرفها بحلولك فِيهَا فَلَو وجد مثلك فى غَيرهَا لكَانَتْ تساويها فى الشّرف هَذَا قَول أَبى الْفَتْح
- ٢٣
أَبدى العُداةُ بِكَ السُرورَ كَأَنَّهُم
فَرِحوا وَعِندَهُمُ المُقيمُ المُقعِدُ
الواحدي: أي أظهروا السرور لقدومك خوفا منك لا فرحا بك وعندهم من الحسد والخوف ما يزعجهم
العكبري: الْإِعْرَاب الْمُقِيم المقعد هُوَ الْأَمر الْعَظِيم الذى يُقَام لَهُ وَيقْعد وَهُوَ الْأَمر المزعج الْمَعْنى أظهر الْأَعْدَاء السرُور بقدومك خوفًا مِنْك لَا فَرحا وَعِنْدهم من الْحَسَد وَالْخَوْف مَا يزعجهم ويقلقهم
- ٢٤
قَطَّعتَهُم حَسَداً أَراهُم ما بِهِم
فَتَقَطَّعوا حَسَداً لِمَن لا يَحسُدُ
الواحدي: يردي أنهم حسدوك فماتوا بشدة حسدهم إياك فكأنك قطعتهم إرباً حتى تقطعوا حسداً لمن لا يحسد أحدا لأنه ليس فوقه أحد فيحسده ولن نالحسد ليس من اخلاقه وقوله قطعتهم حسدا هو كقولك أهلكته ضربا وأفنيته قتلا وقوله أراهم ما بهم من التقصير عنك والنقص دونك أي كشف لهم عن احوالهم وما في محل النصب لأنه مفعول أرى وقول من قال ما بهم من قولهم فلان لما به إذا اشرف على الموت ليس بشيء ولا يلتفت إليه
العكبري: الْإِعْرَاب حسدا تَمْيِيز وَمَا بهم فى مَوضِع نصب مفعول أَرَاهُم الْمَعْنى يَقُول حسدوك فماتوا بِشدَّة حسدهم حَتَّى كَأَنَّك قطعتهم حَتَّى تقطعوا حسدا لمن لَا يحْسد أحدا لِأَنَّهُ لَيْسَ أحد فَوْقه فيحسده أَو لِأَن الْحَسَد لَيْسَ من أخلاقه وَقَوله أَرَاهُم مَا بهم أى أَرَاهُم الْحَسَد مَا بهم من التَّقْصِير عَنْك وَالنَّقْص دُونك أى كشف لَهُم عَن أَحْوَالهم قَالَ الواحدى وَقَول من قَالَ مَا بهم من قَوْلهم فلَان لما بِهِ إِذا أشرف على الْمَوْت لَيْسَ بشئ وَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ
- ٢٥
حَتّى اِنثَنوا وَلَوَ أَنَّ حَرَّ قُلوبِهِم
في قَلبِ هاجِرَةٍ لَذابَ الجَلمَدُ
الواحدي: أي انصرفوا عنك وعن مباهاتك عالمين بنقصهم وفي قلوبهم من حرارة الحسد والغيظ ما لو كان في هاجرة لذاب الحجر واستعار للهاجرة قلبا لما ذكر قلوبهم
العكبري: الْإِعْرَاب وَلَو آن حرك السَّاكِن وَأسْقط الْهمزَة كَقِرَاءَة ورش من آظلم الْمَعْنى يَقُول انصرفوا عَنْك وَعَن مباهاتك عَالمين بتقصيرهم وفى قُلُوبهم من حرارة الْحَسَد والغيظ مَا لَو كَانَ فى هاجرة وهى الأَرْض الشَّدِيدَة من حرارة الشَّمْس لذاب الجلمد وَهُوَ الصخر واستعارها قلبا لما ذكر قُلُوبهم وَقَوله لذاب من الْمُبَالغَة
- ٢٦
نَظَرَ العُلوجُ فَلَم يَرَوا مَن حَولَهُم
لَمّا رَأَوكَ وَقيلَ هَذا السَيِّدُ
الواحدي: العلوج غلاظ الأجسام من الروم والعجم يقول شغلوا بالنظر إليك عن النظر إلى غيرك فصاروا كأنهم لا يرون أحدا سواك من القوم الذين حولهم ورأوا منك ما دلهم على سيادتك فقالوا هذا هو السيد وعنى بالعلوج القادة من الروم
العكبري: الْغَرِيب العلوج جمع علج وَهُوَ الغليظ الْجِسْم من الرّوم والأعجام وَالسَّيِّد الشريف الْعَظِيم الذى سوده قومه الْمَعْنى يَقُول لما نظرُوا إِلَيْك وَرَأَوا هيبتك وجموك وَأَنَّك سيد الْقَوْم لم يرَوا من حَولهمْ يُرِيد من ساداتهم وَلم يخْطر سيد لَهُم ببالهم فَقَالُوا هَذَا هُوَ السَّيِّد وَقد شغلوا بِالنّظرِ إِلَيْك عَن النّظر إِلَى غَيْرك فصاروا كَأَنَّهُمْ لَا يرَوْنَ أحدا سواك من الْقَوْم الَّذين حَولهمْ وَرَأَوا مِنْك مَا دلهم على سيادتك فَقَالُوا هَذَا هُوَ السَّيِّد والعلوج عَنى بهم قادة الرّوم وهم الْأُمَرَاء وحجاب الْمُلُوك
- ٢٧
بَقِيَت جُموعُهُمُ كَأَنَّكَ كُلُّها
وَبَقيتَ بَينَهُمُ كَأَنَّكَ مُفرَدُ
الواحدي: قال ابن جنى أي كنت وحدك مثلهم كلهم لأن ابصارهم لم تقع إلا عليك وشغلت وحدك أعينهم فقمت مقام الجماعة هذا كلامه والمعنى أنهم لصغرهم في جنبك كأنه لا وجود لهم وإذا فقدوا كنت كل من بذلك المكان ثم حقق هذا المعنى بالمصراع الثاني وأتى بكاف التشبيه دلالة على أن هذا تمثيل لا حقيقة ومعنى لا وجود
العكبري: الْمَعْنى يَقُول بقيت بَينهم مُفردا إِذْ لم يعتقدوا سيدا سواك لأَنهم لم ينْظرُوا إِلَّا إِلَيْك قَالَ أَبُو الْفَتْح كنت وَحدك مثلهم كلهم لِأَن أَبْصَارهم لم تقع إِلَّا عَلَيْك وشغلت وَحدك أَبْصَارهم فَقُمْت مقَام الْجَمَاعَة وَقَالَ الواحدى الْمَعْنى أَنهم لصغرهم فى جَنْبك كَأَنَّهُمْ لَا وجود لَهُم وَإِذا فقدوا كنت أَنْت كل من بذلك الْمَكَان ثمَّ حقق هَذَا الْمَعْنى بالمصراع الثانى وأتى بكاف التَّشْبِيه دلَالَة على أَن هَذَا تَمْثِيل لَا حَقِيقَة وَمعنى لَا وجودا هَذَا كَلَامه وَالْمعْنَى أَنَّك مُفردا مثلهم كلهم وَمثله لأبى نواس (لَيْسَ عَلى اللهِ بِمُسْتَنْكِرٍ ... أَن يَجْمع العالمَ فى واحِدِ)
- ٢٨
لَهفانَ يَستَوبي بِكَ الغَضَبَ الوَرى
لَو لَم يُنَهنِهكَ الحِجى وَالسُؤدُدُ
الواحدي: اللهف حرارة الجوف من شدة وكرب ويستوبي يستفعل من الوباء وأصله يستوبىء بالهمزة ويقال نهنهه إذا رده وكفه ويريد باللهفان المغتاظ والغضبان وهو حالٌ للممدوح من قوله وبقيت وتقدير الكلام يسوبىء الورى الغضب بك يعني الغضب الذي بك يجدونه وباءٌ مهلكا لهم لو لم ينهك سوددك وحلمك عن إهلاكهم
العكبري: الْإِعْرَاب لهفان حَال الْعَامِل فِيهِ بقيت ويستوبى يستفعل من الوباء وَأَصله الْهمزَة لكنه أبدل من الْهمزَة يَاء ضَرُورَة وَلَيْسَ تَخْفِيفًا قِيَاسا وَالْوَجْه يستوبى بِالْهَمْزَةِ وَبِك مُتَعَلق بيستوبى الْغَرِيب اللهف حرارة فى الْجوف من شدَّة كرب وَرجل لهفان وَامْرَأَة لهفى وَقوم لهاف والوباء هُوَ الْهَلَاك وَإِذا وَقع فى أَرض أهلك من فِيهَا وَنهى رَسُول الله إِذا وَقع بِأَرْض أَن لَا يخرجُوا مِنْهَا وَإِذا سمع بِهِ فى أَرض فَلَا يقدم إِلَيْهَا وينهنهك أى يردك ويثنيك والحجا الْعقل والسودد السِّيَادَة والحلم الْمَعْنى يَقُول بقيت لهفان حَتَّى كَاد يهْلك الْغَضَب الذى بك الورى فيهلكهم لَوْلَا أَن يردك عقلك وحلمك وسيادتك فالغضب الذى بك كَانُوا يجدونه وباء لَهُم أى مهْلكا لَهُم لَوْلَا عقلك يردك عَن إهلاكهم
- ٢٩
كُن حَيثُ شِئتَ تَسِر إِلَيكَ رِكابُنا
فَالأَرضُ واحِدَةٌ وَأَنتَ الأَوحَدُ
الواحدي: يقول كن في أي موضع شئت من البلاد فأنا نقصدك وأن بعدت المسافة فإن الأرض واحدة وأنت أوحدها أي فأنت الذي تزار وتقصد دون غيرك قال ابن جنى قوله فالأرض واحدة أي ليس للسفر علينا مشقة لإلفنا إياه قال العروضي ليست شعري أي مدح للممدوح في أن يألف المتنبي السفر ولكن يقول الأرض هذه التي نراها ليس أرضا غيرها وأنت اوحدها لا نظير لك في جميع الأرض وإذا كان كذلك لم يبعد السفر إليه وإن طال لعدم غيره ممن يقصد
العكبري: الْمَعْنى يَقُول كن فى أى مَوضِع شِئْت من الْبِلَاد فَإنَّا نقصدك وَإِن بَعدت الْمسَافَة فَإِن الأَرْض وَاحِدَة وَأَنت أوحدها فَأَنت الذى تزار وتقصد دون غَيْرك قَالَ الواحدى قَالَ ابْن جنى فالأرض وَاحِدَة أى لَيْسَ علينا للسَّفر مشقة لإلفنا إِيَّاه قَالَ العروضى لَيْت شعرى أى مدح للممدوح فى أَن يألف المتنبى السّفر وَلَكِن الْمَعْنى يَقُول الأَرْض الَّتِى نرَاهَا لَيْسَ أَرض غَيرهَا وَأَنت أوحدها لَا نَظِير لَك فى جَمِيع الأَرْض وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يبعد السّفر إِلَيْك وَإِن طَال لعدم غَيْرك مِمَّن يقْصد ويزار
- ٣٠
وَصُنِ الحُسامَ وَلا تُذِلهُ فَإِنَّهُ
يَشكو يَمينَكَ وَالجَماجِمُ تَشهَدُ
الواحدي: قال ابن جنى صنه لأن به يدرك الثأر ويحمى الذمار قال ابن فورجة كيف أمن أن يقول ما أذلته إلا لأدرك به ثأري وأحمي ذماري وهذا تعليل لو سكت عنه كان أحب إلى أبي الطيب وإنما يعني أنك قد أكثرت القتل فحسبك وأغمد سيفك فقال صن صيفك وإنما يريد اغمده وهذا كقوله، شم ما انتضيت، البيت
العكبري: الْغَرِيب صن اسْتُرْ وَلَا تذله تبتذله وأذاله أهانه والإذالة الإهانة يُقَال أذال فرسه وَغُلَامه إِذا أهانهما فى الحَدِيث " نهى عَن إذالة الْخَيل " وَهُوَ امتهانها بِالْعَمَلِ وَالْحمل عَلَيْهَا وفى الْمثل أخيل من مذالة وهى الْأمة لِأَنَّهَا تهان وهى تتبختر والجماجم جمع جمجمة وهى قحف الرَّأْس الْمَعْنى قَالَ ابْن جنى صنه فَإِنَّهُ بُد يدْرك الثأر وتحمى بِهِ الذمار قَالَ ابْن فورجة كَيفَ أَمن أَن يَقُول مَا أذلته إِلَّا لإدراك الثأر وإحماء الذمار وَهَذَا تَعْلِيل لَو سكت عَنهُ كَانَ أحب إِلَى أَبى الطّيب وَإِنَّمَا الْمَعْنى أكثرت الْقَتْل فحسبك وأغمد سَيْفك فَقَالَ صن سَيْفك وَإِنَّمَا يُرِيد أغمده
- ٣١
يَبِسَ النَجيعُ عَلَيهِ وَهوَ مُجَرَّدٌ
مِن غِمدِهِ وَكَأَنَّما هُوَ مُغمَدُ
الواحدي: يقول أن الدم الجاسد عليه صار كالغمد له حتى يرى مجردا كالمغمود وهذا من قول البحتري، سلبوا وأشرقت الدماء عليهم، محمرةً فكأنهم لم يسلبوا، وهو من قول الآخر، وفرقت بين أبني هشيم بطعنةٍ، لها عاند يكسو السليب إزارا،
العكبري: الْغَرِيب النجيع الدَّم الْمَعْنى يُرِيد أَن الدَّم الجامد عَلَيْهِ صَار كالغمد فَهُوَ مُجَرّد وَهُوَ مغمد وَهَذَا من قَول البحترى (سُلِبُوا وأشْرَقَتِ الدّماءُ عَلَيْهِمُ ... مُحَمَرَّةً فَكأنَّهُمْ لَمْ يُسْلَبُوا) وَمن قَول الآخر (وَفَرَّقْتُ بينَ ابنى هُشَيمٍ بطَعْنَةٍ ... لَهَا عائدٌ يكْسو السَّليبَ إزاراَ)
- ٣٢
رَيّانَ لَو قَذَفَ الَّذي أَسقَيتَهُ
لَجَرى مِنَ المُهَجاتِ بَحرٌ مُزبِدُ
الواحدي: من نصب ريان كان حالا من يبس ويريد بالمهجات دماء قلوب الاعداء يقول لو قاء ما سقيته لجرى منه بحر ذو زبد والمعنى أنك أكثرت به القتل
العكبري: الْإِعْرَاب رَيَّان فى رِوَايَة النصب حَال ١ الْعَامِل فِيهِ يبس وَاللَّام فى لجرى جَوَاب لَو وَمن رفع رَيَّان كَانَ خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف الْمَعْنى يَقُول سَيْفك رَيَّان فلوقاء الذى سقيته لجرى مِنْهُ بَحر ذُو زبد يُرِيد قد أكثرت بِهِ الْقَتْل
- ٣٣
ما شارَكَتهُ مَنِيَّةٌ في مُهجَةٍ
إِلّا وَشَفرَتُهُ عَلى يَدِها يَدُ
الواحدي: يقول لم يشارك الموت سيفه في سفك دم إلا استعان بسيفه فكان كاليد للمنية واستعار للموت والسيف اليد لأن العمل بها يحصل من الحيوان والمعنى أن لسيفه الأثر الاظهر الاقوى في القتل
العكبري: الْغَرِيب الْمنية من أَسمَاء الْمَوْت لِأَنَّهَا مقدرَة وَجَمعهَا المنايا وشفرته حَده الْمَعْنى يَقُول لم تشارك الْمنية سَيْفه فى سفك دِمَاء إِلَّا استعانت بِسَيْفِهِ وَكَانَ كَالْيَدِ للمنايا واستعار للمنية وَالسيف الْيَد لِأَن بهَا يحصل الْعَمَل من كل أحد وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يعْنى أَن لسيفه الْأَمر الْعَظِيم الْأَظْهر الْأَقْوَى على الْقَتْل
- ٣٤
إِنَّ الرَزايا وَالعَطايا وَالقَنا
حُلَفاءُ طَيٍّ غَوَّروا أَو أَنجَدوا
الواحدي: يقول لا تفارقهم هذه الإشياء أينما كانوا وذهبوا أي إنهم حيث ما كانوا كانوا رزايا ومصائب لأعدائهم وعطايا لأولياءهم وهذا من قول الطاءي، فإن المنايا والصوارم والقنا، أقاربهم في الروع دون الأقارب،
العكبري: الْمَعْنى فى طيى ثَلَاثَة أوجه طَيء بِوَزْن طيع وبوزن طيع وَهُوَ مخفف من طيع كهين وهين وميت وميت وطى على قلب الْهمزَة وإدغامها فى الْيَاء وَمن صرفه أَرَادَ الحى وَمن لم يصرفهُ أَرَادَ الْقَبِيلَة وَكَانَ الأَصْل فِيهِ فى النّسَب طيئى على وزن طيعى فقلبوا الْيَاء الأولى ألفا وحذفوا الثَّانِيَة وَهُوَ طَيء بن أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ بن حمير وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ طائى على غير قِيَاس والرزايا جمع رزية وهى الْمُصِيبَة والغور مَا انخفض من الأَرْض ونجد مَا ارْتَفع من الأَرْض وغور إِذا أَتَى الْغَوْر وأنجد إِذا أَتَى نجدا الْمَعْنى يَقُول هم رزايا الْأَعْدَاء وعطايا الْأَوْلِيَاء وهم حلفاء هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِى ذكرهَا لَا تفارقهم فهم أَصْحَابهَا وَهُوَ من قَول الطائى (فإنَّ المَنايا والصَّوَارِمَ والقَنَا ... أقارِبُهُمٍ فِى البأْسِ دُونَ الأقارِبِ)
- ٣٥
صِح يا لَجُلهُمَةٍ تُجِبكَ وَإِنَّما
أَشفارُ عَينِكَ ذابِلٌ وَمُهَنَّدُ
الواحدي: اللام في يال جلهمة لامن الاستغاثة والعرب إذا استغاثت في الحرب بقوم تقول يا لفلان وجلهمة اسم طيء وطيء لقب أي إذا دعوتهم دنوا منك برماحهم وسلاحهم فيكونون في الدنو منك كاشفار عينك وهذا معنى قول ابن جنى لأنه يقول أي تحدق بك الرماح والسيوف فتغطي عينك كما تغطيها الاشفار قال ابن فورجة ليس في لفظ البيت ما يدل على التغطية وهذا كقولك تركت زيادا وإنما عينه سماء هاطلةٌ يقول إذا صحت يال جلهمة اجتمعت إليك فهابك كل أحد حتى كأنك إذا نظرت إلى رجل بعينك اشرعت إليه رماحا وصلت عليه بسيوف هذا كلامه وتحقيقه أنهم يسرعون إليك لطاعتهم لك ويحفون بك فتصير مهيبا تقوم اشفار عينك مقام الذابل والمهند وكان الأستاذ أبو بكر يقول يريد أنهم يتنازعون إليك ويملأون الدنيا عليك سيوفا ورماحا هذا كلامه وتحقيقه حيثما وقع عليه بصرك رأيت الرماح والسيوف فتملأ من كثرتها عينك وتحيط بعينك أحاطةَ الاشفار بها
العكبري: الْإِعْرَاب اللَّام الْمَفْتُوحَة لَام الاستغاثة وَالْعرب تَقول إِذا استغاثت فى الْحَرْب يَا لفُلَان الْغَرِيب جلهمة اسْم طَيئ وطيئ لقب لَهُ الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح إِذا صحت بهم تحدق بك السيوف والرماح فتغطي عَيْنَيْك كَمَا تغطيها الأشفار وَقَالَ ابْن فورجة إِذا صحت بهم اجْتمعت إِلَيْك فهابك كل أحد حَتَّى كَأَنَّك إِذا نظرت إِلَى رجل بِعَيْنَيْك أشرعت إِلَيْهِ رماحا وسلك عَلَيْهِ سيوفا وَتَحْقِيق الْكَلَام أَنهم يسرعون إِلَيْك لطاعتهم لَك ويحفون بك فَتَصِير مهيبا تقوم أشفار عَيْنَيْك مقَام الذابل والمهند وَقَالَ الواحدى كَانَ الْأُسْتَاذ أَبُو بكر يَقُول يُرِيد أَنهم يتسارعون إِلَيْك ويمثلون الدُّنْيَا عَلَيْك رماحا وسيوفا هَذَا كَلَامه وتحقيقه حَيْثُمَا يَقع بَصرك رَأَيْت الرماح وَالسُّيُوف فتملأ من كثرتها عَيْنَيْك وتحيط بِعَيْنَيْك إحاطة الأشفار بهَا اه وَالْمعْنَى من قَول بَعضهم (وَإِذا دُعوا لِنزالِ يَوْم كَرِيهَة ... ستروا شُعاعَ الشمسِ بالخُرْصانِ)
- ٣٦
مِن كُلِّ أَكبَرَ مِن جِبالِ تِهامَةٍ
قَلباً وَمِن جَودِ الغَوادي أَجوَدُ
الواحدي: هذه صفة رجال جلهمة يقول من كل رجل أكبر قلبا من الجبال ويريد بذلك قوة قلبه وشدته لا عظمته وأجود من مطر السحاب وإنما رفع أجود بإضمار هو على تقدير ومن هو أجود من جود الغوادي وعلى هذا التقدير يرتفع قول من روى أكبر بالرفع
العكبري: الْإِعْرَاب قلبا نصب على التَّمْيِيز وأجود مَرْفُوع بإضمار مبتدإ تَقْدِيره وَهُوَ أجوز وَقد روى أكبر بِالرَّفْع فرفعه على مَا ذكرنَا الْغَرِيب تهَامَة بلد وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا تهامى وتهام أَيْضا إِذا فتحت التَّاء لم تشدد كَمَا قَالُوا رجل يمَان وشآم إِلَّا أَن الْألف فى تهام من لَفظهَا وَالْألف فى يمَان وشآم عوض من ياءى النِّسْبَة قَالَ ابْن أَحْمَر (وكنَّا وهُمْ كابنى سُباتٍ تفَرّقا ... سِوًى ثمَّ كَانَا منجدا وتِهاميا) (فألْقَى التِّهامىّ مِنْهُمَا بلَطاته ... وأحْلط هَذَا لَا أرِيم مَكانيا) فى اللِّسَان فى مَادَّة جلط وأحلط هَذَا لَا أَعُود ورائيا وَقوم تهامون كَمَا قَالُوا يمانون وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ من النَّاس من يَقُول تهامى ويمانى وشآمى بِالْفَتْح مَعَ التَّشْدِيد والغوادى جمع غادية وهى السحابة الَّتِى تطلع صباحا والجود الْمَطَر الغزير تَقول جاد الْمَطَر يجود جودا فَهُوَ جائد وَالْجمع جود مثل صَاحب وَصَحب وَقد جيدت الأَرْض فهى مجودة قَالَ الراجز (أرعيتُها أكرمَ عُودَا ... الصَّلَّ والصّفْصِلَّ واليَعْضِيدا) (والخازِباِز السَّنَمِ المُجودا ... بِحَيْثُ يدعُو عامرٌ مسعودَا) وجاد الرجل بِمَالِه يجود جودا بِضَم الْجِيم لَا غير الْمَعْنى يَقُول إِذا صحت بالجلهمة أَتَاك قوم من كل أكبر فَمن مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف قلبا من جبال تهَامَة يعْنى فى الْقُوَّة والشدة لَا فى الْقدر أَجود من جود السَّحَاب فوصفهم بالشجاعة وَالْكَرم وهما غَايَة الْمَدْح
- ٣٧
يَلقاكَ مُرتَدِياً بِأَحمَرَ مِن دَمٍ
ذَهَبَت بِخُضرَتِهِ الطُلى وَالأَكبُدُ
الواحدي: أي متقلدا بسيف قد أحمر من الدم وزالت خضرة جوهره بدماء الأعناق والأكباد
العكبري: الْإِعْرَاب يجوز تعلق الْبَاء بِالْفِعْلِ وبالحال وَمن دم صفته أَحْمَر وبخضرته مُتَعَلق بذهبت الْغَرِيب خضرَة السَّيْف يُرِيد خضرَة جوهره وَالْحَدِيد يُوصف بالخضرة والطلى الْأَعْنَاق واحدتها طلاة فى قَول أَبى عَمْرو وَالْفراء وَقَالَ الأصمعى طلية والأكبد جمع كبد وَقيل هُوَ على هَذَا الْجمع جمع كبد كَعبد وأعبد وَجمع كبد بِكَسْر الْبَاء أكباد وكبود كوتد وأوتاد الْمَعْنى يُرِيد أَنه يلقاك كل وَاحِد مِنْهُم متقلد السَّيْف قد احمر من الدَّم وزالت خضرَة جوهره بدماء الْأَعْنَاق والأكباد فَكَأَنَّهُ أبدل من الخضرة حمرَة من دم الْأَعْنَاق والأكباد وَهَذَا // معنى حسن //
- ٣٨
حَتّى يُشارَ إِلَيكَ ذا مَولاهُمُ
وَهُمُ المَوالي وَالخَليقَةُ أَعبُدُ
الواحدي: حتى يشار رواية الأستاذ أبي بكر أي حتى يشير الناس إليك فيقولوا هذا مولى طيءٍ أي رئيسهم وسيدهم وهم سادة الخلق والخلق عبيدهم وروى ابن جنى فورجة حيٌّ يريد جلهمة حيُّ يشار إليك أنك مولى لهم
العكبري: الْغَرِيب روى ابْن جنى وَجَمَاعَة حَتَّى وروى العروضى حى والأعبد جمع عبد يُقَال عبيد وأعبد وَعباد وعبدان وعبدان وعبدى وَقد بَينا هَذَا الْجمع وَمَا قيل فِيهِ فى كتَابنَا المرسوم بأنفس الاتخاذ فى إِعْرَاب الشاذ فى سُورَة الْمَائِدَة الْمَعْنى فى رِوَايَة ابْن جنى مَعْنَاهُ حَتَّى يُشِير إِلَيْك النَّاس هَذَا مَوْلَاهُم أى سيدهم أى سيد جلهمة ١ وهم سادة الْخلق والخلق عبيد لَهُم وفى رِوَايَة أَبى الْفضل هم حَتَّى يشار إِلَيْك يعْنى هم حى أَنْت سيدهم يُشِير الْخلق إِلَيْك بأنك سيدهم وهم سادوا النَّاس
- ٣٩
أَنّى يَكونُ أَبا البَرِيَّةِ آدَمٌ
وَأَبوكَ وَالثَقلانِ أَنتَ مُحَمَّدُ
الواحدي: يقول كيف يكون آدم أبا البرية وأبوك محمد وأنت الثقلان أي أنك جميع الإنس والجن يعني أنك تقوم مقامهما بغنائك وفضلك وهذا كما يروى أن أبا تمام قال لأحمد بن أبي دؤاد لما اعتذر إليه أنت جميع الناس ولا طاقة لي بغض جميع الناس فقال له ما أحسن هذا المعنى فمن أي أخذته قال من قول أبي نواس، وليس لله بمستنكرٍ، أن يجمع العالم في واحد، وفصل أبو الطيب في هذا البيت بين المبتدأ والخبر بجملة من مبتدأ وخبر وهذا تعسف
العكبري: الْإِعْرَاب فى هَذَا تعسف لِأَنَّهُ فصل بَين المتبدإ وَالْخَبَر بجملة ابتدائية أَجْنَبِيَّة وَتَقْدِير الْبَيْت كَيفَ يكون آدم أَبَا الْبَريَّة وَأَبُوك مُحَمَّد والثقلان أَنْت يُرِيد أَنْت جَمِيع الْإِنْس وَالْجِنّ الْمَعْنى يَقُول كَيفَ يكون آدم أَبَا الْبَريَّة وَأَنت ابْن مُحَمَّد وَالْجِنّ وَالْإِنْس أَنْت يعْنى أَنَّك تقوم مقامهما بِفَضْلِك وكرمك وَقيل إِن أَبَا تَمام لما اعتذر إِلَى أَحْمد بن أَبى دواد وَقَالَ لَهُ أَنْت جَمِيع النَّاس وَلَا طَاقَة لى بغضب جَمِيع النَّاس قَالَ لَهُ أَحْمد مَا أحسن هَذَا فَمن أَيْن أَخَذته قَالَ من قَول أَبى نواس (ولَيْسَ عَلى اللهِ بِمُسْتَنْكَرٍ ... أنْ يَجْمَعَ العالمَ فِى وَاحِدِ)
- ٤٠
يَفنى الكَلامُ وَلا يُحيطُ بِوَصفِكُم
أَيُحيطُ ما يَفنى بِما لا يَنفَدُ
العكبري: الْغَرِيب ينْفد يفنى وَمِنْه لنفد الْبَحْر الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح لَو اتّفق لَهُ أَن يَقُول مَا يفنى بِمَا لَا يفنى أَو مَا ينْفد بِمَا لَا ينْفد لَكَانَ أحسن فى صناعَة الشّعْر وَقد أَتَى بِالْمَعْنَى مَعَ اخْتِلَاف اللَّفْظ وَهُوَ // حسن جيد // لِأَن ينْفد بِمَعْنى يفنى وَالْمعْنَى الشّعْر يفنى وَيَنْقَطِع ووصفكم لَا يفنى وَكَيف يُحِيط مَا يفنى بِمَا لَا يفنى وَهَذَا مُبَالغَة فى الْمَدْح
هذه القصيدة بشرح الواحدي، والعكبري
أبيات مشهورة منها(٦)
- اليَومَ عَهدُكُمُ فَأَينَ المَوعِدُ ... هَيهاتَ لَيسَ لِيَومِ عَهدِكُمُ غَدُ
- أَنّى يَكونُ أَبا البَرِيَّةِ آدَمٌ ... وَأَبوكَ وَالثَقلانِ أَنتَ مُحَمَّدُ
- فَرَأَيتُ قَرنَ الشَمسِ في قَمَرِ الدُجى ... مُتَأَوِّداً غُصنٌ بِهِ يَتَأَوَّدُ
- إِنَّ الَّتي سَفَكَت دَمي بِجُفونِها ... لَم تَدرِ أَنَّ دَمي الَّذي تَتَقَلَّدُ
- فَمَضَت وَقَد صَبَغَ الحَياءُ بَياضَها ... لَوني كَما صَبَغَ اللُجَينَ العَسجَدُ
- أَرضٌ لَها شَرَفٌ سِواها مِثلُها ... لَو كانَ مِثلُكَ في سِواها يُوجَدُ
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.