من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
رجع إلى كلام أهل البيت
ووقع بين الحسن ومحمد بن الحنفيّة لحاء، ومشى الناس بينهما بالنّمائم، فكتب إليه محمد بن الحنفية: أمّا بعد فإن أبى وأباك علىّ بن أبى طالب؛ لا تفضلنى فيه ولا أفضلك، وأمى امرأة من بنى حنيفة، وأمّك فاطمة الزّهراء بنت رسول الله ﷺ، فلو ملئت الأرض بمثل أمى لكانت أمّك خيرا منها؛ فإذا قرأت كتابى هذا فأقدم حتى تترضّانى، فإنك أحقّ بالفضل منى.
وخطب الحسين بن علىّ رضوان الله عليهما غداة اليوم الذى استشهد فيه، فحمد الله تعالى وأثنى عليه؛ ثم قال: يا عباد الله، اتّقوا الله، وكونوا من الدنيا على حذر؛ فإنّ الدنيا لو بقيت على أحد [أو بقى عليها أحد] لكانت الأنبياء أحقّ بالبقاء، وأولى بالرّضاء، [وأرضى] بالقضاء؛ غير أنّ الله تعالى خلق الدنيا للفناء، فجديدها بال، ونعيمها مضمحلّ، وسرورها مكفهرّ، منزل تلعة، ودار قلعة؛ فتزوّدوا فإنّ خير الزاد التقوى، واتّقوا الله لعلكم تفلحون.
وكان لمعاوية بن أبى سفيان عين بالمدينة يكتب إليه بما يكون من أمور الناس وقريش، فكتب إليه: إنّ الحسين بن علىّ أعتق جارية له وتزوّجها؛ فكتب معاوية إلى الحسين: من أمير المؤمنين معاوية إلى الحسين بن علىّ.
أمّا بعد، فإنه بلغنى أنك تزوّجت جاريتك، وتركت أكفاءك من قريش، ممّن تستنجبه للولد، وتمجد به في الصّهر، فلا لنفسك نظرت، ولا لولدك انتقيت.
فكتب إليه الحسين بن على: أمّا بعد، فقد بلغنى كتابك، وتعييرك إيّاى بأنى تزوّجت مولاتى، وتركت أكفائى من قريش، فليس فوق رسول الله منتهى في شرف، ولا غاية في نسب؛ وإنما كانت ملك يمينى، خرجت عن يدى بأمر التمست فيه ثواب الله تعالى؛ ثم ارتجعتها على سنّة نبيه ﷺ، وقد رفع الله بالإسلام الخسيسة، ووضع عنّا به النقيصة؛ فلا لوم على امرىء مسلم إلّا في أمر مأثم، وإنما اللوم لوم الجاهلية.
فلما قرأ معاوية كتابه نبذه إلى يزيد فقرأه، وقال: لشدّ ما فخر عليك الحسين! قال: لا، ولكنها ألسنة بنى هاشم الحداد التي تفلق الصّخر، وتغرف من البحر! والحسين- ﵁! - هو القائل:
لعمرك إنّنى لأحبّ داراتحلّ بها سكينة والرّباب
أحبّهما وأبذل كلّ مالىوليس للائم عندى عتاب
سكينة: ابنته، والرباب: أمّها، وهي بنت امرىء القيس [بن الجرول] الكلبية.
وفي سكينة يقول عمر بن عبد الله بن أبى ربيعة المخزومى كذبا عليها:
قالت سكينة والدموع ذوارفتجرى على الخدّين والجلباب
ليت المغيرىّ الذى لم أجزهفيما أطال تصيّدى وطلابى
كانت تردّ لنا المنى أيّامناإذ لا نلام على هوى وتصاب
خبّرت ما قالت فبتّ كأنمايرمى الحشى بنوافذ النّشّاب
أسكين ما ماء الفرات وطيبهمنّى على ظمأ وفقد شراب
بألذّ منك، وإن نأيت، وقلّماترعى النساء أمانة الغيّاب
إن تبذلى لى نائلا أشفى بهداء الفؤاد فقد أطلت عذابى
وعصيت فيك أقاربى وتقطعتبينى وبينهم عرى الأسباب
فتركتنى لا بالوصال ممتّعامنهم، ولا أسعفتنى بثواب
فقعدت كالمهريق فضلة مائهفى حرّ هاجرة للمع سراب
وكانت سكينة من أجمل نساء زمانها وأعقلهنّ، وكان مصعب بن الزبير قد جمع بينها وبين عائشة بنت طلحة بن عبيد الله؛ فلما قتل مصعب قالت سكينة:
فإن تقتلوه تقتلوا الماجد الذىيرى الموت إلا بالسيوف حراما
وقبلك ما خاض الحسين منيّةإلى القوم حتى أو ردوه حماما
وقال على بن الحسين ﵀: لو كان الناس يعرفون جملة الحال فى فضل الاستبانة، وجملة الحال في فضل التبيين، لأعربوا عن كل ما بتلجلج فى صدورهم، ولوجدوا من برد اليقين ما يغنيهم عن المنازعة إلى كل حال سوى
حالهم، على أنّ إدراك ذلك كان لا يعدمهم في الأيام القليلة العدّة، والفكرة القصيرة المدّة، ولكنهم من بين مغمور بالجهل، ومفتون بالعجب، ومعدول بالهوى عن باب التثبّت، ومصروف بسوء العادة عن فضل التعلم.
وقال ﵁: المراء يفسد الصداقة القديمة، ويحلّ العقدة الوثيقة، وأقلّ ما فيه أن تكون به المغالبة، والمغالبة من أمتن أسباب القطيعة.
ومن دعائه: اللهم ارزقنى خوف الوعيد، وسرور رجاء الموعود، حتى لا أرجو إلا ما رجّيت، ولا أخاف [إلا] ما خوّفت.
وحجّ هشام بن عبد الملك، أو الوليد أخوه، فطاف بالبيت وأراد استلام الحجر فلم يقدر، فنصب له منبر فجلس عليه؛ فبينا هو كذلك إذ أقبل علىّ بن الحسين بن على بن أبى طالب ﵁ في إزار ورداء، وكان أحسن الناس وجها، وأعطرهم رائحة، وأكثرهم خشوعا، وبين عينيه سجّادة، كأنها ركبة عنز، وطاف بالبيت، وأتى ليستلم الحجر، فتنحّى له الناس هيبة وإجلالا، فغاظ ذلك هشاما؛ فقال رجل من أهل الشام: من الّذى أكرمه الناس هذا الإكرام، وأعظموه هذا الإعظام؟ فقال هشام: لا أعرفه، لئلا يعظم في صدور أهل الشام؛ فقال الفرزدق وكان حاضرا:
هذا ابن خير عباد الله كلّهمهذا النقيّ التقىّ الطاهر العلم
هذا الذى تعرف البطحاء وطأتهوالبيت يعرفه والحلّ والحرم
إذا رأته قريش قال قائلهاإلى مكارم هذا ينتهى الكرم
يكاد يمسكه عرفان راحتهركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
فى كفّه خيزران ريحه عبقفى كفّ أروع في عرنينه شمم
يغضى حياء ويغضى من مهابتهفما يكلّم إلا حين يبتسم
مشتقّة من رسول الله نبعتهطابت عناصره والخيم والشّيم
ينمى إلى ذروة العزّ التي قصرتعن نيلها عرب الإسلام والعجم
ينجاب نور الهدى عن نور غرّتهكالشمس ينجاب عن إشراقها القتم
حمّال أثقال أقوام إذا اقترحواحلو الشمائل تحلو عنده نعم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهلهبجدّه أنبياء الله قد ختموا
الله فضّله قدما وشرّفهجرى بذاك له في لوحه القلم
من جدّه دان فضل الأنبياء لهوفضل أمته دانت له الأمم
عمّ البرية بالإحسان فانقشعتعنها الغيابة والإملاق والظّلم
كلتا يديه غياث عمّ نفعهماتستوكفان ولا يعروهما العدم
سهل الخليقة لا تخشى بواردهتزينه الاثنتان الحلم والكرم
لا يخلف الوعد ميمون بغرّتهرحب الفناء أريب حين يعتزم
ما قال «لا» قطّ إلا في تشهّدهلولا التشهّد كانت لاءه نعم
من معشر حبّهم دين، وبغضهمكفر، وقربهم منجى ومعتصم
يستدفع السوء والبلوى بحبهمويستربّ به الإحسان والنّعم
مقدّم بعد ذكر الله ذكرهمفى كل بدء ومختوم به الكلم
إن عدّ أهل التّقي كانوا أئمّتهمأو قيل من خير أهل الأرض قيل هم
لا يستطيع جواد بعد غايتهمولا يدانيهم قوم وإن كرموا
هم الغيوث إذا ما أزمة أزمتالأسد أسد الشّرى والبأس محتدم
يأبى لهم أن يحلّ الذّمّ ساحتهمخيم كريم وأيد بالنّدى هضم
لا ينقص العسر بسطا من أكفّهمسيّان ذلك إن أثروا وإن عدموا
أىّ الخلائق ليست في رقابهملأوليّة هذا أو له نعم
من يعرف الله يعرف أوليّتهفالدين من بيت هذا ناله الأمم
وليس قولك من هذا بضائرهالعرب تعرف من أنكرت والعجم
وقد روى أن الحزين الكنانى وفد على عبد الله بن عبد الملك بن مروان وهو أمير على مصر فأنشده قصيدة منها:
لما وقفت عليه في الجموع ضحىوقد تعرّضت الحجّاب والخدم
حيبته بسلام وهو مرتفقوضجّة القوم عند الباب تزدحم
فى كفه خيرزان....- والبيت الذى يليه.
ويقال: إنها لداود بن سلم في قثم بن العباس بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، وهو الذى يقول فيه الأخطل:
ولقد غدوت على التّجار بمسمحهرّت عواذله هرير الأكلب
لذّ يقبّله النعيم، كأنمامسحت ترائبه بماء مذهب
لبّاس أردية الملوك تروقهمن كل مرتقب عيون الرّبرب
ينظرن من خلل السّتور إذا بدانظر الهجان إلى الفنيق المصعب
ويقال: بل قالها في على بن الحسين اللّعين المنقرى، وسمى اللعين لأن عمر سمعه ينشد شعرا والناس يصلّون، فقال: من هذا اللعين؟ فعلق به هذا الاسم وليقله من شاء، فقد أحسن ما شاد وأجاد وزاد.
وقال ذو الرمة في بلال بن أبى بردة بن أبى موسى الأشعرى:
من آل أبى موسى ترى الناس حولهكأنهم الكروان عاينّ بازيا
فما يعرفون الضّحك إلّا تبسّماولا ينبسون القول إلا تناجيا
وما الفحش منه يرهبون، ولا الخناعليه، ولكن هيبة هي ماهيا
فتى السّنّ، كهل الحلم، يسمع قولهيوازن أدناه الجبال الرّواسيا
ومن أجود ما للمحدثين في ذلك قول أبى عبادة البحترى في الفتح ابن خاقان:
ولما حضرنا سدّة الإذن أخّرترجال عن الباب الذى أنا داخله
فأفضيت من قرب إلى ذى مهابةأقابل بدر التّم حين أقابله
بدا لى محمود السجيّة شمّرتسرابيله عنه وطالت حمائله
كما انتصب الرّمح الرّدينىّ ثقّفتأنابيبه واهتزّ للطعن عامله
وكالبدر وافته لتمّ سعودهوتمّ سناه واستهلت منازله
فسلّمت فاعتاقت جنانى هيبةتنازعنى القول الذى أنا قائله
إلى مسرف في الجود لو أنّ حاتمالديه لأضحى حاتم وهو عاذله
فلما تأمّلت الطّلاقة وانثنىإلىّ ببشر آنستنى مخايله
دنوت فقبّلت النّدى من يد امرىءجميل محيّاه سباط أنامله
صفت مثل ما تصفو المدام خلالهورقّت كما رقّ النّسيم شمائله
ووقعت حرب بالجزيرة بين بنى تغلب، فتولى الإصلاح بينهم الفتح بن خاقان فقال البحترى فيما تعلّق بعضه بذكر الهيبة:
بنى تغلب أعزز علىّ بأن أرىدياركم أمست وليس لها أهل
خلت دمنة من ساكنيها وأوحشتمرابع من سنجار يهمى بها الوبل
إذا ما التقوا يوم الهياج تحاجزواوللموت فيما بينهم قسمة عدل
كفىّ من الأحياء لاقى كفيّهومثل من الأقوام زاحفه مثل
إذا ما أخ جرّ الرماح انتهى لهأخ لا بليد في الطّعان ولا وغل
تخوطهم البيض الرّقاق، وضمّرعتاق، وأنساب بها يدرك التّبل
بطعن يكبّ الدّارعين دراكهوضرب كما ترغو المخزّمة البزل
تجافى أمير المؤمنين عن التىعلمتم، وللجانين في مثلها الثّكل
وكانت يد الفتح بن خاقان عندكميد الغيث عند الأرض أجدبها المحل
ولولاه طلّت بالعقوق دماؤكمفلا قود يعطى الأذلّ ولا عقل
تلافيت يا فتح الأراقم بعد ماسقاهم بأوحى سمّه الأرقم الصّلّ
وهبت لهم بالسّلم باقى نفوسهموقد أشرفوا أن يستتمّهم القتل
أتاك وفود الشكر يثنون بالّذىتقدّم من نعماك عندهم قبل
فلم أر يوما كان أكثر سوددامن اليوم ضمّتهم إلى بابك السّبل
تراءوك من أقصى السّماط فقصّرواخطاهم، وقد جازوا السّتور وهم عجل
ولمّا قضوا صدر السلام تهافتواعلى يد بسّام سجيّته البذل
إذا شرعوا في خطبة قطعتهمجلالة طلق الوجه جانبه سهل»
إذا نكسوا أبصارهم من مهابةومالوا بلحظ خلت أنهم قبل
نصبت لهم طرفا حديدا، ومنطقاسديدا، ورأيا مثل ما انتضى النّصل
وسلّت سخيمات الصدور فعالكالكريم، وأبرا غلّها قولك الفصل
بك التأم الشّعب الذى كان بينهمعلى حين بعد منه، واجتمع الشّمل
فما برحوا حتى تعاطت أكفّهمقراك، فلا ضغن لديهم ولا ذحل
وجرّوا ذيول العصب تضفو ذيولهاعطاء كريم ما تكاءده بخل
وما عمّهم عمرو بن غنم بنسبةكما عمّهم بالأمس نائلك الجزل
فمهما رأوا من غبطة في اصطلاحهمفمنك بها النّعمى جرت ولك الفضل
عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل بن قاسط.
وللطائيين [أبى تمام والبحترى] فى ذلك أشعار كثيرة مختارة، منها قول البحترى يحذّر عاقبة الحرب:
أما لربيعة الفرس انتهاءعن الزلزال فيها والحروب
وكانوا رقّعوا أيام سلمعلى تلك الضغائن والندوب
إذا ما الجرح رمّ على فسادتبيّن فيه تفريط الطبيب
رزيّة هالك جلبت رزاياوخطب بات يكشف عن خطوب
يشقّ الجيب ثمّ يجىء أمريصغّر فيه تشقيق الجيوب
وقبر عن أيامن برقعيدإذا هي ناحرت أفق الجنوب
يسحّ ترابه أبدا عليهاعهادا من مراق دم صبيب
فهل لابنى عدىّ من رشيديردّ شريد حلمهما العزيب
أخاف عليهما إمرار مرعىمن الكلإ الذى عقباه توبى
وأعلم أنّ حربهما خبالعلى الدّاعى إليها والمجيب
لعلّ أبا المعمّر يتّليهاببعد الهمّ والصّدر الرّحيب
فكم من سؤدد قد بات يعطىعطية مكثر فيها مطيب
أهيثم يابن عبد الله، دعوىمشير بالنصيحة أو مهيب
تناس ذنوب قومك إنّ حفظ الذنوبإذا قد من من الذّنوب
فللسّهم السديد أحبّ غبّاإلى الرامى من السهم المصيب
متى أحرزت نصر بنى عبيدإلى إخلاص ودّ بنى حبيب
فقد أصبحت أغلب تغلبىّعلى أيدى العشيرة والقلوب
يناسب قوله:
إذا ما الجرح رمّ على فساد
قول أبى الطيب المتنبى لعلىّ بن إبراهيم التنوخى أحد بنى القصيص:
فلا تغررك ألسنة موالتقلّبهن أفئدة أعادى
وكن كالموت لا يرثى لباكبكى منه، ويروى وهو صاد
فإنّ الجرح ينغر بعد حينإذا كان البناء على فساد
وفي هذه القصيدة:
كأنّ الهام في الهيجا عيونوقد طبعت سيوفك من رقاد
وقد صغت الأسنّة من همومفما يخطرن إلّا في فؤاد
كأنّ البيت الأوّل من هذين ينظر إلى قول مسلم بن الوليد من طرف خفىّ
ولو أنّ قوما يخلقون منيّةمن بأسهم كانوا بنى جبريلا
قوم إذا احمرّ الهجير من الوغىجعلوا الجماجم للسيوف مقيلا
وإنما أخذه [أبو الطيب] من قول منصور النميرى، وذكر سيفا:
ذكر، برونقه الدّماء، كأنمايعلو الرجال بأرجوان ناقع
وترى مساقط شفرتيه كأنهاملح تبدّد من وراء الدّراع
وتراه معتمّا إذا جرّدتهبدم الرّجال على الأديم الناقع
وكأنّ وقعته بجمجمة الفتىخدر المدامة أو نعاس الهاجع
أردت هذا البيت، وقول النميرى:
وتراه معتّما إذا جرّدته
يشير إليه قول أبى الطيب، وذكر سيفا:
يبس النّجيع عليه فهو مجرّدمن غمده وكأنما هو مغمد
ريان لو قذف الذى أسقيتهلجرى من المهجات بحر مزبد
وبنو عبيد، وبنو حبيب- اللذان ذكرهما البحترى- هم: بنو عبيد ابن الحارث بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، وحبيب بن الهجرس ابن تيم بن سعد بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، وفيهم حبيب بن حرقة بن تغلب بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، فلا أدرى أيهما أراد!
وقال البحترى:
أسيت لاخوالى ربيعة أن عفتمصايفها منها، وأقوت ربوعها
بكرهى أن باتت خلاء ديارهاووحشا مغانيها، وشتّى جميعها
إذا افترقوا من وقعة جمعتهمدماء لأخرى ما يطلّ نجيعها
تذمّ الفتاة الرّود شيمة بعلهاإذا بات دون الثّأر وهو ضجيعها
حميّة شعب جاهلىّ وعزّةكلابية أعيا الرجال خضوعها
وفرسان هيجاء تجيش صدورهمبأحقادها حتى تضيق دروغها
تقتّل من وتر أعزّ نفوسهاعليها بأيد ما تكاد تطيعها
إذا احتربت يوما ففاضت دماؤهاتذكّرت القربى ففاضت دموعها
شواجر أرماح تقطّع بينهاشواجر أرحام ملوم قطوعها
فكنت أمين الله مولى حياتهاومولاك فتح يوم ذاك شفيعها
وقال أبو تمام الطائى:
مهلا بنى مالك لا تجلبنّ إلىحىّ الأراقم ذؤلول ابنة الرقم
لم يألكم مالك صفحا ومغفرةلو كان ينفخ قين الحيّ في فحم
أخرجتموه بكره من سجيّتهوالنار قد تنتضى من ناضر السلم
أو طأتموه على جمر العقوق، ولولم يحرج الليث لم يخرج من الأجم
لولا مناشدة القربى لغادركمحصائد المرهفين السيف والقلم
لا تجعلوا البغى ظهرا إنه جملمن القطيعة يرعى وادى النّقم
وقال أيضا:
مهلا بنى عمرو بن غنم؛ إنكمهدف الأسنّة والقنا تتحطّم
ما منكم إلا مردّى بالحجىأو مبشر بالأحوذيّة مؤدم
عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتّاب بنسعد سهمكم لا يمهم
خلقت ربيعة من لدن خلقت يداجشم بن بكر كفّها والمعصم
تغزو فتغلب تغلب مثل اسمهاوتسيح غنم في البلاد فتغنم
وستذكرون غدا صنائع مالكإن جلّ خطب أو تدوفع مغرم
مالى رأيت ثراكم ببسالةمالى أرى أطوادكم تتهدّم؟
ما هذه القربى التي لا تصطفىما هذه الرحم التي لا ترحم؟
حسد القرابة للقرابة قرحةأعيت عوائدها وجرح أقدم
تلكم قريش لم تكن آباؤهاتهفو ولا أجلامها تتقسّم
حتى إذا بعث النّبىّ محمدفيهم غدت شحناؤهم تتضرّم
عزبت عقولهم، وما من معشرإلّا وهم منه ألبّ وأحزم
لما أقام الوحى بين ظهورهمورأوا رسول الله أحمد منهم
ومن الحزامة لو تكون حزامةألّا تؤخّر من به تتقدّم
ومالك هو: ابن طوق بن مالك بن عتاب بن زفر بن مرّة بن شريح ابن عبد الله بن عمرو بن كلثوم بن مالك [بن عتاب] بن سعد بن [زهير ابن] جشم بن بكر [بن وائل] بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، وفيه يقول دعبل يهجوه:
الناس كلّهم يغدو لحاجتهمن بين ذى فرح منها ومهموم
ومالك ظلّ مشغولا بنسبتهيرمّ منها بناء غير مرموم
يبنى بيوتا خرابا لا أنيس بهاما بين طوق إلى عمرو ابن كلثوم
والتكثير من المعنى المعترض، يزيح عن ثغرة الغرض، لكنى أجرى منه إلى حلبة الإجادة، وأقصد قصد الإفادة، ثم أعود حيث أريد.
وقال ابن الخياط المكى- واسمه عبد الله بن سالم- فى باب الهيبة، فى مالك ابن أنس الفقيه، رحمة الله عليه؛ وقيل: إن هذا من قول ابن المبارك:
يابى الجواب فما يراجع هيبةوالسائلون نواكس الأذقان
أدب الوقار، وعزّ سلطان التّقى،فهو المهيب وليس ذا سلطان
وقول الفرزدق:
يكاد يمسكه عرفان راحته
قد تجاذبه جماعة من الشعراء؛ قال أشجع بن عمرو السلمى لجعفر البرمكى: لأشجع السلمى
حبّذا أنت قادما ترد الشامفتختال بين أرحل عيرك
إنّ أرضا تسرى إليها لو اسطاعتلسارت إليك من قبل سيرك
وإليه أشار أبو تمام الطائى في قوله:
ديمة سمحة القياد سكوبمستغيث بها الثّرى المكروب
لو سعت بقعة لإعظام نعمىلسعى نحوها المكان الجديب
وفى هذه القصيدة في وصف الدّيمة، ومدح محمد بن عبد الملك الزيات:
لذّ شؤيوبها وطاب فلو تسطيع قامت فعانقتها القلوب
فهو ماء يجرى وماء يليهوعزال تنشا وأخرى تصوب
أيّها الغيث حىّ أهلا بمغداك وعند السّرى وحين تؤوب
لأبى جعفر خلائق تحكيهنّ قد يشبه النجيب النجيب وأنشدها أبا جعفر بن الزيات، فقال: يا أبا تمام؛ والله إنك لتحلّى شعرك من جواهر لفظك وبدائع معانيك، ما يزيد حسنا على بهىّ الجواهر فى أجياد الكواعب؛ وما يدّخر لك شىء من جزيل المكافأة إلّا يقصر عن شعرك في الموازنة. وكان بحضرته رجل من الفلاسفة، فقال: هذا الفتى يموت شابا! فقيل له: من أين حكمت عليه بهذا؟ فقال: رأيت فيه من الحدّة والذكاء والفطنة مع لطافة الحس ما علمت به أن النفس الروحانية تأكل عمره كما يأكل السيف المهند غمده! قال الصولى: مات وقد نيّف على الثلاثين.
وقال في أبى دلف العجلى القاسم بن محمد بن عيسى:
تكاد عطاياه يجنّ جنونهاإذا لم يعوّذها بنغمة طالب
تكاد مغانيه تهشّ عراصهافتركب من شوق إلى كل راكب
وقال البحترى:
لو أنّ مشتاقا تكلف فوق مافى وسعه لمشى إليك المنبر
وقال أبو الطيب المتنبى لبدر بن عمار:
طربت مراكبنا فخلنا أنهالولا حياء عاقها رقصت بنا
لو تعقل الشجر التي قابلتهامدّت محيية إليك الأغصنا
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع