من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من شعر علي ع
وقال على ﵁:
لمن راية سوداء يخفق ظلّهاإذا قيل قدّمها حضين تقدّما
فيموردها في الصّف حتى تردهاحياض المنايا تقطر الموت والدّما
جزى الله قوما قاتلوا في لقائهملدى الروع قوما ما أعزوأ كرما
وأطيب أخبارا وأفضل شيمةإذا كان أصوات الرجال تغمغما
حضين الذى ذكره هو: أبو ساسان الحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة الرقاشى وكان صاحب رايته يوم صفّين.
ويروى عنه أنه قال بعد وفاة فاطمة ﵂:
أرى علل الدنيا علىّ كثيرةوصاحبها حتى الممات عليل
لكلّ اجتماع من خليلين فرقةوإنّ الذى دون الممات قليل
وإنّ افتقادى فاطما بعد أحمددليل على ألا يدوم خليل
ولما قتل عمرو بن عبد ودّ سقط فانكشفت عورته، فتنحّى عنه وقال:
آلى ابن عبد- حين شدّ- أليّةوحلفت فاستمعوا من الكذّاب
ألّا بفرّ ولا يملل فالتقىأسدان يضطربان كلّ ضراب
اليوم يمنعنى الفرار حفيظتىومصمّم في الرّأس ليس بناب
أعرضت حين رأيته متقطّراكالجذع بين دكادك وروابى
وعففت عن أثوابه ولو اننىكنت المقطّر بزّنى أثوابى
نصر الحجارة من سفاهة رأيهونصرت دين محمد بصواب
لا تحسبنّ الله خاذل دينهونبيه يا معشر الأحزاب
فى أبيات غير هذه، وبعض الرواة ينفيها عن على ﵁.
وعمرو هذا هو: ابن عبدودّ بن نضر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى، وكان قد جزع المذاد، وهو موضع حفر فيه الخندق يوم الأحزاب، وفي ذلك يقول الشاعر:
عمرو بن ودّ كان أول فارسجزع المذاد وكان فارس يليل
ولما صار مع المسلمين في الخندق دعا [إلى] البراز، وقال:
ولقد بجحت من النداء بجمعهم هل من مبارز
ووقفت إذ نكل الشجاع بموقف البطل المناجز
إنى كذلك لم أزلمتسرّعا نحو الهزاهز
إنّ السماحة والشجاعة في الفتى خير الغرائز
فبرز على بن أبى طالب ﵁، فقال: يا عمرو! إنك عاهدت الله لقريش ألّا يدعوك أحد إلى خلّتين إلا أخذت إحداهما، فقال: أجل! قال:
فإنى أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام. قال: لا حاجة لى بذلك، قال:
فإنى أدعوك إلى المبارزة، فقال: يا ابن أخى ما أحبّ أن أقتلك! قال على:
لكنى والله أحبّ أن أقتلك، فحمى عمرو، فاقتحم عن فرسه وعرقبه ثم أقبل إلى على:
فتجاولا كغمامتين تكنّفتمتنيهما ريحا صبا وشمال
فى موقف كادت نفوس كماتهتبتز قبل تورّد الآجال
وعلت بينهما غبرة سترتهما فلم يرع المسلمين إلا التكبير؛ فعلموا أن عليّا قتله.
ولما قتل عمرو جاءت أخته فقالت: من قتله؟ فقيل: على بن أبى طالب، فقالت: كفء كريم! ثم انصرفت وهي تقول:
لو كان قاتل عمرو غير قاتلهلكنت أبكى عليه آخر الأبد
لكنّ قاتله من لا يعاب بهوكان يدعى قديما بيضة البلد
من هاشم في ذراها وهي صاعدةإلى السماء تميت الناس بالحسد
قوم أبى الله إلا أن يكون لهممكارم الدّين والدّنيا بلا أمد
يا أم كلثوم بكّيه ولا تدعىبكاء معولة حرّى على ولد
أم كلثوم: بنت عمرو بن عبدودّ. و «بيضة البلد» تمدح به العرب
وتذمّ؛ فمن مدح به جعله أصلا، كما أن البيضة أصل الطائر. ومن ذم به أراد أن لا أصل له. قال الراعى يهجو عدىّ بن الرقاع العاملى:
يا من توعّدنى جهلا بكثرتهمتى تهددنى بالعزّ والعدد
أنت امرؤ نال من عرضى وعزتهكعزة العير يرعى تلعة الأسد
لو كنت من أحد يهجى هجوتكميابن الرّفاع ولكن لست من أحد
تأبى قضاعة أن ترضى لكم نسباوابنا نزار؛ فأنتم بيضة البلد
وقال أبو عبيدة: عاملة بن عدى بن الحارث بن مرة بن أد [بن زياد] ابن يشجب، يطعن في نسبه من قحطان، ويقال: هو عاملة بن معاوية بن قاسط ابن أهيب؛ فلذلك قال الراعى هذا. ويقال: إن جندل بن الراعى قالها وقد قال يحيى بن أبى حفصة الأموى في عاملة:
ولسنا نبالى نأى عاملة التىأجدّبها من نحو بصرى انحدارها
تدافعها الأحياء حتى كأنهاثياب بدا للمشترين عوارها
قذفنا بها لمّا نأت قذف حاذفبسود حصى خفّت عليه صغارها
ويشبه قول على ﵁ «وعففت عن أثوابه» قول عنترة بن شداد العبسى:
هلّا سألت الخيل يابنة مالكإن كنت جاهلة بما لم تعلمى
يخبرك من شهد الوقيعة أننىأغشى الوغى وأعفّ عند المغنم
وقال حبيب بن أوس الطائى:
إنّ الأسود أسود الغاب همّتهايوم الكريهة في المسلوب لا السلب
والمجد يندب بهجته، ومهابط الوحى والرسالة تحنى ظهورها أسفا، ومآقى الإمامة والوصية والرسالة تذرى دموعها لهفا؛ وذلك أن حادث قضاء الله استأثر بفرع النبوة، وعنصر الدين والمروءة.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع