الحب ما منع الكلام الألسنا
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
عن القصيدة
«الحب ما منع الكلام الألسنا» من شعر المتنبي، من العصر العباسي، وتقع في ٤١ بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف النون، وغرضها الشوق.
بحر الكامل: متفاعلن متفاعلن متفاعلن · قصائد أخرى رويّها النون
من هذه القصيدة في كتب التراث
- «يتيمة الدهر»: الباب الخامس، في ذكر أبي الطيب المتنبي وما له وما عليه، الأبيات ١ و٢ و١٥ و٢٠ وغيرها
- «خزانة الأدب»: الشاهد السابع والثمانون بعد المائة، البيت ٢٧
- «الوساطة بين المتنبي وخصومه»: شعر المتنبي، الأبيات ١ و٤ و٥ و٦ وغيرها
- «الوساطة بين المتنبي وخصومه»: سرقات المتنبي، الأبيات ١ و١١ و١٢ و١٩ وغيرها
- «الصناعتين: الكتابة والشعر»: من عيوب الغلو، البيت ٢٠
- «زهر الآداب وثمر الألباب»: رجع إلى كلام أهل البيت، البيتين ٢٤ و٢٦
- «زهر الآداب وثمر الألباب»: الأحنف بن قيس، البيت ٣٧
- «زهر الآداب وثمر الألباب»: أيام الشباب وأيام المشيب، البيت ٦
معنى قول المتنبي
يَتَفَزَّعُ الجَبّارُ مِن بَغَتاتِهِ
فَيَظَلُّ في خَلَواتِهِ مُتَكَفِّنا
قال الواحدي في «شرح ديوان المتنبي»: يقول الرجل الجبار يخاف أن يأخذ بغتة ويهجم عليه من حيث لا يدري فيظل لابس كفنه وتوقعا لوقعته ويروي متكتنا وهو المتندم يعني أنه يندم على معاداته
شرح القصيدة بيتًا بيتًا
- ١
الْحُبُّ مَا مَنَعَ الْكَلَامَ الْأَلْسُنَا
وَأَلَذُّ شَكْوَى عَاشِقٍ مَا أَعْلَنَا
الواحدي: روى الالسنا بفتح السين ويكون ما على هذه الرواية بمعنى الذي يقول غاية الحب ما منع لسان صاحبه من الكلام فلم يقدر على وصف ما في قلبه منه كما قال المجنون ولما شكوت الحب قالت كذبتني، فما لي أرى الأعضاء منك كواسيا، فما الحب حتى يلصق الجلد بالحشا، وتخرس حتى لا تجيب المناديا، وكما قال قيس بن دريج، وما هو إلا أن أراها فجاءة، فأبهت حتى ما أكاد أجيب، ويجوز أيضا أن يكون ما بمعنى الذي على رواية من روى الالسنا بضم السين والظاهر أن ما نفى لأن المصراع الثاني حث على إعلان العشق وإما يعلن من قدر على الكلام وهو معنى قول أبي نواس، فبح باسم من تهوى ودعني من الكنى، فلا خير في اللذات من دونها ستر، ويقول علي بن الجهم، وقل ما يطيب الهوى، إلا لمنهتك الستر، وقول الموصلي، ظهر الهوى وتهتك أستاره، والحب خير سبيله إظهاره، أعصى العواذل في هواه جهارةً، فألذ عيش المستهام جهاره،
- ٢
لَيتَ الحَبيبَ الهاجِري هَجرَ الكَرى
مِن غَيرِ جُرمٍ واصِلي صِلَةَ الضَنا
العكبري: الْإِعْرَاب هجر وصلَة مصدران وحرف الْجَرّ يتَعَلَّق باسم الْفَاعِل وَتَقْدِيره الَّذِي هجرني هجر الْكرَى وواصلي فِي مَوضِع رفع خبر الْغَرِيب الجرم الذَّنب والجريمة مثله تَقول مِنْهُ جرم وأجرم واجترم وأصل الجرم الْقطع وَمِنْه جرام النّخل الْمَعْنى يَقُول متمنيا لَيْت حَبِيبِي الَّذِي قد هجرني كهجر الْكرَى من غير ذَنْب وصلني كوصل الضنى جَسَدِي من أجل بعده عَن وصده يُرِيد أَن الضنى ملازم لَهُ فتمنى أَن يكون وصل الحبيب ملازما لَهُ مُلَازمَة الضنى جسده وَهُوَ معنى حسن ومطابقة جَيِّدَة بَين الهجر والوصل
- ٣
بِنّا فَلَو حَلَّيتَنا لَم تَدرِ ما
أَلوانُنا مِمّا اِمتُقِعنَ تَلَوُّنا
الواحدي: يقول فارقنا احبابنا ولو أردت أن تثبت حليتنا لم تدر الواننا لتغيرها عند الفراقفكنت لاتدري بأي لون تصفنا
العكبري: الْإِعْرَاب نصب تلونا على التَّفْسِير وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يجوز أَن يكون مَفْعُولا لَهُ وَقَالَ الْخَطِيب على الْمصدر وَإِذا كَانَ قَوْلهم جَاءَ زيد مشيا ينْتَصب على الْحَال فأحرى أَن يكون تلونا كَذَلِك الْغَرِيب بِنَا تفرقنا من الْبَين وَهُوَ الْفِرَاق وحليتنا وصفتنا وَيُقَال حليت الرجل إِذا أظهرت حليته وامتقع لَونه إِذا تغير حَيَاء أَو خيفة الْمَعْنى يَقُول تفرقنا فلعظم مَا نالنا من ألم الْفِرَاق لَو أردْت أَن تصفنا مَا قدرت لتغير ألواننا فَكنت لَا تَدْرِي بِأَيّ لون تصفنا
- ٤
وَتَوَقَّدَت أَنفاسُنا حَتّى لَقَد
أَشفَقتُ تَحتَرِقُ العَواذِلُ بَينَنا
الواحدي: أي لشدة حرارة الوجد صارت أنفاسنا كالنار المتوقدة حتى خفت على العواذل أن يحترقن فيما بيننا وإنما خاف ذلك لأنه كان ينم على ما في قلوبهم من حرارة الهوى
العكبري: الْإِعْرَاب أَرَادَ أَن تحترق فَحذف أَن وبقى الْفِعْل مَرْفُوعا وَيجوز نَصبه بإضمار أَن على مَذْهَبنَا وروايتنا قَول طرفَة (أَلا أيُّهذا الزَّاجِرِي أحْضُرَ الوَغَى ... ) بِنصب أحضر مَعَ إِسْقَاط الناصب الْغَرِيب الشَّفَقَة الخيفة والمحبة وَهِي الِاسْم من الإشفاق وَكَذَلِكَ الشَّفق قَالَ ابْن الْمُعَلَّى (تَهْوَى حَياتي وَأهْوَى مَوْتها شفَقَا ... وَالمُوتُ أكْرَمُ نَزَّالٍ عَلى الحرَمِ) وأشفقت عَلَيْهِ فَأَنا مُشفق وشفيق وَإِذا قلت أشفقت مِنْهُ فَإِنَّمَا تعنى حذرته وَأَصلهَا وَاحِد وَلَا يُقَال شفقت وَقَالَ ابْن دُرَيْد شفقت واشفقت بِمَعْنى وَأنْكرهُ أهل اللُّغَة الْمَعْنى يَقُول لشدَّة مَا لَقينَا من الْفِرَاق وحرارة الوجد صَارَت أنفاسنا كالنار المتوقدة حَتَّى خفت أَن تحترق العواذل قَالَ الواحدي وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ ينم على مَا فِي قُلُوبهم من حرارة الْهوى وَقَالَ الْخَطِيب وَجه الإشفاق أَن ينم إحراقهن على مَا كَانُوا فِيهِ من حر أنفاسهم
- ٥
أَفدي المُوَدِّعَةَ الَّتي أَتبَعتُها
نَظَراً فُرادى بَينَ زَفراتٍ ثُنا
الواحدي: أي كلما نظرت إليها واحدة زفرت زفرتين وثناء ممدودة قصره ضرورة
العكبري: الْإِعْرَاب سكن زفرات ضَرُورَة وفعلة تجمع على فعلات بتحريك الْعين فِي الصَّحِيح نَحْو جَمْرَة وجمرات وثناء مَمْدُود وَإِنَّمَا قصره لِأَنَّهُ قافية وعنى الْوَقْف وفرادى اسْم جمع لفرد الْمَعْنى يَقُول أفدي بنفسي هَذِه المحبوبة الَّتِي قد ودّعتني فَكلما نظرت إِلَيْهَا نظرة أتبعتها زفرتين لشدَّة مَا فِي قلبِي من نَار الوجد
- ٦
أَنكَرتُ طارِقَةَ الحَوادِثِ مَرَّةً
ثُمَّ اِعتَرَفتُ بِها فَصارَت دَيدَنا
الواحدي: أنكرتها أول ما طرقتنين وقلت ليست تقصدني وإنما اخطأت في قصدي ثم لما كثرت أقررت بها وعرفت أنها تأتيني فصارت عادة لي لا تفارقني ولا أنفك منها والديدن العادة ورواه الخوارزمي بكسر الدال الأولى كأنه أراد معرب ديدن وليس في كلام العرب فيعل بكسرة الفاء
العكبري: الْغَرِيب الديدن الْعَادة تَقول مَا زَالَ ديدنه وديدانه وهجيراه أَي عَادَته قَالَ الراجز (وَلا تَزَال عِنْدَهُمْ جَفانُهُ ... دَيْدانُهُمْ ذَاكَ وَذَا دَيْدَانُه) والحوادث جمع حَادِثَة وَهِي مَا يحدثه الزَّمَان من شَرّ الْمَعْنى يَقُول أول مَا طرقني الدَّهْر بحوادثه أنكرتها وَقلت لم يقصدني وَإِنَّمَا أَخطَأ فِي قصدي فَلَمَّا كثرت عِنْدِي حوادثه عرفتها وَصَارَت عَادَة لي أَنْفك عَنْهَا وَلَا تُفَارِقنِي فألفها قَالَ الواحدي وَقد رَوَاهُ الْخَوَارِزْمِيّ ديدان بِكَسْر الدَّال الأولى كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنه مُعرب ديدن وَلَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب فيعل بِكَسْر الْفَاء وَمعنى الْبَيْت من قَول الآخر (رُوّعْتُ بِالبَينِ حَتَّى مَا أُرَاعُ لَهُ ... وَبالحَوَادِثِ فِي أهْلِي وَجِيرَاني)
- ٧
وَقَطَعْتُ فِي الدُّنْيَا الْفَلَا وَرَكَائِبِي
فِيهَا وَوَقْتَيَّ الضُّحَى وَالْمَوْهِنَا
الواحدي: يصف كثرة اسفاره وتردده في الدنيا حتى قطع الفلوات وقطع المركوب أيضا بكثرة الإنعاب وقطع الليل والنهار والمعنى أنه قطع المكان والزمان والمركوب يعني أفنيت كلا منها هذا هو الصحيح في معنى البيت وما سوى هذا فهو تخليط وعدول عن الصواب
العكبري: الْغَرِيب الفلا جمع فلاة وَتجمع أَيْضا على فلوات وفلى وَهِي الأَرْض الْبَعِيدَة والركائب جمع ركاب وَهِي الْإِبِل والموهن والوهن الْقطعَة من اللَّيْل وَالضُّحَى بعض النَّهَار فَإِن ضحوة النَّهَار بعد طُلُوع الشَّمْس ثمَّ بعده الضُّحَى وَهِي حِين تشرق الشَّمْس وَهِي مَقْصُورَة وتذكر وتؤنث فَمن أنث ذهب إِلَى أَنَّهَا جمع ضحوة وَمن ذكر ذهب إِلَى أَنه اسْم على فعل نَحْو صرد ونغر وَهُوَ ظرف غير مُتَمَكن مثل سحر تَقول لَقيته ضحى وضحى إِذا اردت بِهِ ضحى يَوْمك لم تصرفه ثمَّ بعده الضحاء بِالْمدِّ وَهُوَ عِنْد ارْتِفَاع النَّهَار الْأَعْلَى تَقول مِنْهُ أَقمت بِالْمَكَانِ حَتَّى أضحيت كَمَا تَقول من الصَّباح حَتَّى أَصبَحت وَمِنْه حَدِيث عمر بن الْخطاب يَا عباد الله أضحوا بِصَلَاة الضُّحَى يَعْنِي لَا تصلوها أَلا إِلَى ارْتِفَاع الضُّحَى الْمَعْنى يصف جلادته وشجاعته وَكَثْرَة أَسْفَاره وَأَنه قطع الدُّنْيَا شرقا وغربا وَقطع الفلا والركاب بِكَثْرَة الأتعاب وَقطع اللَّيْل وَالنَّهَار وَأَنه قطع الزَّمَان وَالْمَكَان وأفنى كلا مِنْهُمَا بِكَثْرَة أَسْفَاره
- ٨
وَوَقَفتُ مِنها حَيثُ أَوقَفَني النَدى
وَبَلَغتُ مِن بَدرِ اِبنِ عَمّارِ المُنا
الواحدي: منها أي من الدنيا ويروي فيها وأوقفه لغة عند بعضهم وقال ابو عمرو بن العلا لو قال رجل فلان أوقفني أي عرضني للوقوف لم أر بذلك بأسا وكذلك ههنا اوقفني الندى عرضني للوقوف يقول وقفت من الدنيا حيث حبسني الجود وأدركت من الممدوح ما كنت أتمنى
العكبري: الْإِعْرَاب حذف التَّنْوِين من عمار لالتقاء الساكنين كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وآتينا ثَمُود النَّاقة﴾ قَرَأَهُ الْقُرَّاء كلهم بِغَيْر تَنْوِين وَكلهمْ صرف ثَمُود إِلَّا حَمْزَة وحفصا وَوَافَقَهُمَا أَبُو بكر فِي آخر سُورَة النَّجْم وَصرف الْكسَائي فِي مَوضِع الْجَرّ فِي هود عِنْد قَوْله لثمود وَقد يجوز عندنَا إِسْقَاط التَّنْوِين فِي الشّعْر وشاهدنا مَا رَوَاهُ الإمامان أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ وَأَبُو الْحُسَيْن مُسلم بن الْحجَّاج النَّيْسَابُورِي وَأَبُو دَاوُد سُلَيْمَان السجيتاني فِي سنَنه قَول الْعَبَّاس بن مرداس يَوْم حنين للنَّبِي (وَما كَانَ حِصْنٌ وَلا حابسٌ ... يَفُوقانِ مِرْدَاسَ فِي مَجْمَعِ) فكلهم رَوَوْهُ مرداس من غير تَنْوِين الْغَرِيب يُقَال وقفت ووقفني زيد ووقفت دَابَّتي ووقفت وَقفا للْمَسَاكِين قَالَ الله تَعَالَى ﴿وقفوهم إِنَّهُم مسئولون﴾ وَأما قَوْله أوقفني فَمَعْنَاه عرضي الندى للوقوف الْمَعْنى يَقُول وقفت من الدُّنْيَا وَقد روى وقفت فِيهَا أَي فِي الدُّنْيَا حَيْثُ حَبَسَنِي الْجُود وَأدْركت من الممدوح مَا تمنيت والمنى جمع منية وَهِي مَا يتمناه الْإِنْسَان من الْخَيْر وَهُوَ من المخالص الْحَسَنَة
- ٩
لِأَبي الحُسَينِ جَدىً يَضيقُ وِعائُهُ
عَنهُ وَلَو كانَ الوِعاءُ الأَزمُنا
الواحدي: يقول عطاؤه يضيق عنه الوعاء ولو كان الزمان مع سعته العالم بما فيه وإذا ضاق الزمان عن شيء فحسبك به عظما
العكبري: الْغَرِيب الجدي مَا أَعْطَيْت مجتديك والوعاء مَا يضم الشَّيْء ويحفظه وَمِنْه وعيت الْكَلَام كَأَنَّك جعلته فِي وعَاء والأزمن جمع زمَان تَقول زمَان وأزمن وأزمنة الْمَعْنى يَقُول لهَذَا الممدوح عَطاء يضيق عَنهُ الْوِعَاء وَلَو كَانَ الدهور أوعيته وَإِذا كَانَ الزَّمَان يضيق عَن شَيْء فحسبك بِهِ عظما وَكَثْرَة وسعة
- ١٠
وَشَجاعَةٌ أَغناهُ عَنها ذِكرُها
وَنَهى الجَبانَ حَديثُها أَن يَجبُنا
الواحدي: ذكر شجاعته واشتهارها في الناس اغناه عن اظهارها واستعمالها فكل أحد يهابه لما سمع من شجاعته وذلك أيضا يشجع الجبان لأنه يسمع ما يتكرر من الثناء عليه فيتمنى ذلك فيترك الجبن
العكبري: الْإِعْرَاب رفع شجاعة عطف على الْمُبْتَدَأ الَّذِي فِي الْبَيْت قبله وَهُوَ جدي وَأَن يجبنا فِي مَوضِع نصب لِأَنَّهُ مصدر الْغَرِيب الجبان الضَّعِيف الْقلب الَّذِي يخَاف عِنْد ملاقاة الحروب الْمَعْنى يَقُول لَهُ شجاعة عَظِيمَة قد مَلَأت قُلُوب الرِّجَال فقد أغنته بذكرها عَن ملاقاتهم فَهِيَ لشهرتها فِي النَّاس تغنيه عَن إظهارها واستعمالها فَكل شُجَاع يخافه لما يسمع من شجاعته والجبان إِذا سمع مَا يتَكَرَّر من الثَّنَاء عَلَيْهِ من أجلهَا تمنى أَن يثنى عَلَيْهِ كَمَا أثنى على الممدوح فَيتْرك حِينَئِذٍ الْجُبْن
- ١١
نيطَت حَمائِلُهُ بِعاتِقِ مِحرَبٍ
ما كَرَّ قَطُّ وَهَل يَكُرُّ وَما اِنثَنى
الواحدي: المحرب صاحب الحرب يقول ما عاد ولا رجع إلى الحرب لأن الكر يكون بعد الفر وهو لم ينثن ولم يول العدو ظهره فكيف يكر وهذا منقول من قول الآخر، الله يعلم أني لست أذكره، أو كيف أذكره إذ لست أنساه، والشعراء يصفون بالكر والانحياز والطراد في الحرب والمتنبي بالغ وجعل الممدوح لا ينثني البتة
العكبري: الْغَرِيب نيطت علقت والعانق أصل الْعُنُق من الْإِنْسَان ووالمحرب صَاحب الْحَرْب الممارس لَهَا وَالْكر خلاف الغر وَهُوَ أَن يحمل مرّة بعد أُخْرَى وَقَوله وَمَا أنثنى أَي عَمَّا يُرِيد الْمَعْنى ذكر الضَّمِير وَلم يذكر مَا يعود إِلَيْهِ لِأَنَّهُ قد ذكر الْحَرْب وَالسيف أول آلانها فَقَالَ علقت حمائل سَيْفه بعانق رجل محرب ممارس للحرب قد عرفهَا وخبرها وجر بهَا مَا كرّ قطّ لِأَنَّهُ لم ينثن عَن حَرْب فَيحْتَاج إِلَى الْكر قَالَ أَبُو الْفَتْح الشُّعَرَاء الفصحاء القدماء والمحدثون قد يصفونَ الْكر بعد الانحياز لِأَن الْحَرْب خدعة وتحتاج إِلَى الإطراد والطرد إِلَّا أَنه بَالغ وَلم يَجعله يكر لِأَنَّهُ لَا ينثني وَنَقله الواحدي حرفا فحرفا وَقَالَ الواحدي هَذَا مَنْقُول من قَول الآخر (وكَيْفَ أذْكُرُهُ إذْ لَسْتُ أنْساهُ ... )
- ١٢
فَكَأَنَّهُ وَالطَعنُ مِن قُدّامِهِ
مُتَخَوِّفٌ مِن خَلفِهِ أَن يُطعَنا
الواحدي: يقول لشدة إقدامه وتقدمه في الحرب كان الخوف وراءه فهو يتقدم خوفا مما وراءه كما قال بكر ابن النطاح، كأنك عند الطعن في حومة الوغى، تفر من الصف الذي من ورائكا،
العكبري: الْإِعْرَاب أَن يطعن فِي مَوضِع نصب الْمَعْنى يَقُول هُوَ لشدَّة إقدامه فِي الْحَرْب لَا يرجع وَلَا يلْتَفت إِلَى خَلفه فَهُوَ أبدا مقدم فَكَأَنَّهُ يخَاف طَعنا من خَلفه فَهُوَ من خوف مَا وَرَاءه مقدم كَقَوْل بكر بن النطاح (كأنَّكَ عنْدَ الطَّعنِ فِي حوْمةِ الوَغى ... تَفِرُّ منَ الصَّفّ الَّذِي مِنْ وَرَائِكا)
- ١٣
نَفَتِ التَوَهُّمَ عَنهُ حِدَّةُ ذِهنِهِ
فَقَضى عَلى غَيبِ الأُمورِ تَيَقُّنا
الواحدي: هذا كأنه اعتذار له مما ذكر من إقدامه وذكر أن فطنته تقفه على عواقب الأمور حتى يعرفها يقينا لا وهما
العكبري: الْغَرِيب التَّوَهُّم خلاف التيقن والذهن الْعقل والفطنة وطابق بَين التَّوَهُّم والتيقن الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح اعتذر فِي هَذَا الْبَيْت من إفراطه وإقدامه وَجعله عَارِفًا بأعقاب الْأُمُور وأفرط فِيهِ أَيْضا وَنَقله الواحدي كَمَا ذكره أَبُو الْفَتْح وَزَاد أَن فطنته تقفه على عواقب الْأُمُور حَتَّى يعرفهَا يَقِينا لَا وهما
- ١٤
يَتَفَزَّعُ الجَبّارُ مِن بَغَتاتِهِ
فَيَظَلُّ في خَلَواتِهِ مُتَكَفِّنا
الواحدي: يقول الرجل الجبار يخاف أن يأخذ بغتة ويهجم عليه من حيث لا يدري فيظل لابس كفنه وتوقعا لوقعته ويروي متكتنا وهو المتندم يعني أنه يندم على معاداته
العكبري: الْغَرِيب الْجَبَّار الْعَظِيم الشَّديد الْبَطْش وبغتاته جمع بَغْتَة وَهُوَ مَا يَفْعَله فجاة وظل إِذا أَقَامَ بِالْمَكَانِ وَأقَام على فعل الشَّيْء والمتكفن لَا بس الْكَفَن الْمَعْنى يَقُول إِن الرجل الْعَظِيم الْبَطْش يخَاف أَن يَأْخُذهُ الممدوح بَغْتَة ويهجم عَلَيْهِ من حَيْثُ لَا يدْرِي فيظل لابس كَفنه توقعا لبغتته قَالَ الواحدي وَيرى متلفنا والتلفن التندم على مَا فَاتَ يَعْنِي أَنه ينْدَم على معاداته
- ١٥
أَمضى إِرادَتَهُ فَسَوفَ لَهُ قَدٌ
وَاِستَقرَبَ الأَقصى فَثَمَّ لَهُ هُنا
الواحدي: سوف للاستقبال وقد لما مضى ومقاربة الحال يقول هو ماضي الإرادة فما يقال فيه سوف يكون يقال هو قد كان والبعيد عنده قريب لقوة عزمه فما يقال فيه ثم وهو للمكان المتراخي قال هو هنا وهو يستعمل فيما دنا وجعل قد اسما فأعربه ونونه
العكبري: الْإِعْرَاب سَوف للاستقبال وَقد لما مضى وَجعلهَا بِمَنْزِلَة الْأَسْمَاء فأعربها وَثمّ للمكان الْبعيد وَهنا للقريب الْغَرِيب الْأَقْصَى الْبعيد الْمَعْنى يَقُول إِذا نوى أمرا فَكَأَنَّهُ يسابق نِيَّته بِوُقُوعِهِ فَيصير مَاضِيا وَالْمَكَان الْبعيد يصير عِنْده قَرِيبا فَمَا هُوَ عِنْد غَيره مُسْتَقْبل مَاض عِنْده وَمَا هُوَ عِنْد غَيره بعيد قريب عِنْده
- ١٦
يَجِدُ الحَديدَ عَلى بَضاضَةِ جِلدِهِ
ثَوباً أَخَفَّ مِنَ الحَريرِ وَأَليَنا
الواحدي: البضاضة مثل الغضاضة يقال غض بض أي طري لين وهذا من قول البحتري، ملوك يعدون الرماح مخاصرا، إذا زعزعوها والدروع غلائلا، ومثله لأبي الطيب، متعوداً لبس الدروع، البيت
العكبري: الْغَرِيب البضاضة مثل الغضاضة يُقَال غض بض أَي طري لين وَهِي رقة الْجِسْم مَعَ بَيَاض الْمَعْنى يَقُول لِكَثْرَة ملامسته الدروع ولبسها فِي الْحَرْب قد صَار يجدهَا أخف من أَثوَاب الْحَرِير والين مَعَ أَنه ناعم الْجِسْم وَفِيه نظر إِلَى قَول البحتري (مُلُوكٌ يَعُدُّونَ الرّماحَ مَخاصِراً ... إذَا زَعْزَعُوها وَالدرُّوُعَ غَلائلا)
- ١٧
وَأَمَرُّ مِن فَقدِ الأَحِبَّةِ عِندَهُ
فَقدُ السُيوفِ الفاقِداتِ الأَجفُنا
الواحدي: يعني أن الحرب أحب إليه من الغزل فإذا فقد سيوفه كان ذلك أشد عليه من فقد أحبته ثم وصف سيوفه بإنها فاقدة لجفونها لأنه أبدا يستعملها في الحرب
العكبري: الْإِعْرَاب فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير أَي فقد السيوف عِنْده أَمر من فقد الْأَحِبَّة فَقَوله فقد السيوف ابْتِدَاء خَبره أَمر وَالْجَار مُتَعَلق باسم التَّفْضِيل الْغَرِيب الأجفن جمع جفن وَيجمع على أجفان وجفون أَيْضا وَهُوَ غمد السيوف الْمَعْنى يَقُول فقد السيوف الْمُجَرَّدَة أَشد عَلَيْهِ من فقد أحبته وصفهَا بِأَنَّهَا فاقدة لغمودها لِأَنَّهَا أبدا مستعملة فِي الحروب
- ١٨
لَا يَسْتَكِنُّ الرُّعْبُ بَيْنَ ضُلُوعِهِ
يَوْمًا وَلَا الْإِحْسَانُ أَنْ لَا يُحْسِنَا
الواحدي: الإحسان الأول مصدر أحسنت الشيء إذا حذقته وعلمته والإحسان الثاني هو ضد الاساءة يقول هو لا يحسن أن لا يحسن أي لا يعرف ترك الإحسان حتى إذا رام أن لا يحسن لم يعرف ذلك ولم يمكنه وهذا من قول الآخر، يحسن أن يحسن حتى إذا، رام سوى الإحسان لم يحسن، ون لا يحسن في محل النصب لأنه مفعول المصدر الذي هو الإحسان ولو قال ولا إحسان أن لا يحسن كان أقرب إلى الفهم من إستعماله بالألف واللام وإن كان المعنى سواء فإن قولك اعجبني ضرب زيدٍ أقرب إلى الفهم من قولك أعجبني الضرب زيدا ومعنى البيت لا يستكن الرعب ضلوعه ولا علم أن يترك الإحسان وقال ابن فورجة الإحسان ضد الإساءة يقول لا يستكن الإحسان حتى يحسن أي لا يثبت حتى يفعله وعلى هذا الإحسان الهم به يقول إذا هم بالإحسان لم يصبر عليه حتى يفعله
العكبري: الْإِعْرَاب أَن لَا يحسن فِي مَحل نصب لِأَنَّهُ مفعول الْإِحْسَان قَالَ الواحدي وَلَو قَالَ وَلَا إِحْسَان لَكَانَ أقرب إِلَى الْفَهم من اسْتِعْمَاله بالتعريف وَإِن كَانَ الْمَعْنى سَوَاء فَإِن قَوْلك أعجبني ضرب زيد أقرب من قَوْلك أعجبني الضَّرْب زيدا الْغَرِيب الْإِحْسَان الأول مصدر من أَحْسَنت الشَّيْء إِذا حذفته وعلمته وَالثَّانِي ضد الْإِسَاءَة قَالَه أَبُو الْفَتْح واستكن الشَّيْء إِذا خفى وَلم يظْهر والرعب الْخَوْف والفزع الْمَعْنى يَقُول الرعب لَا يستكن بَين ضلوعه أبدا لِأَنَّهُ شُجَاع لَا يخَاف من مَخْلُوق وَهُوَ لَا يحسن إِلَّا بِفعل الْجَمِيل وَقَالَ ابْن فورجة لَا يصبر حَتَّى يحسن وعَلى هَذَا الْإِحْسَان الْهم بِهِ أَي فَإِذا هم بِالْإِحْسَانِ لَا يثبت وَلَا يصبر حَتَّى يَفْعَله وَقَالَ الواحدي هُوَ لَا يحسن أَلا يحسن يُرِيد أَنه لَا يعرف ترك الْإِحْسَان فَلَو رام أَن لَا يحسن لَا يعرف ذَلِك وَلم يُمكنهُ وَقَالَ ابْن القطاع لَا يحسن ترك الْإِحْسَان وَقَالَ الشريف هبة الله بن عَليّ الشجري الْإِحْسَان ضد الْإِسَاءَة يتَعَدَّى بِحرف الْجَرّ بِالْبَاء وَإِلَى قَالَ كثير (أسِيئي بِنا أوْ أحْسِني لَا مَلُومَةٌ ... لَدَيْنا وَلا مَقْلِيَّةٌ إنْ تَقَلَّتِ) وَالثَّانِي يكون بِمَعْنى إجادة الْعَمَل إِذا كَانَ حاذقا فِي فعله وَفعله يتَعَدَّى بِنَفسِهِ قَالَ الله تَعَالَى ﴿وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا﴾ قَالَ امْرُؤ الْقَيْس (وَقدْ زَعَمتْ بَسْباسَةُ اليَوْمَ أنِني ... كَبِرْتُ وَأنْ لَا يُحْسِنُ اللَّهوَ أمثالي) وَمعنى الْبَيْت من قَول الآخر (يُحْسِنُ أنْ يُحْسِنَ حَتَّى إِذا ... رَام سِوَى الإحسْانِ لمْ يُحْسِنِ)
- ١٩
مُسْتَنْبِطٌ مِنْ عِلْمِهِ مَا فِي غَدٍ
فَكَأَنَّ مَا سَيَكُونُ فِيهِ دُوِّنَا
الواحدي: يقول يعرف بعلمه ما يقع فيما يستقبل فكأن ما سيكون قد كتب في علمه والمعنى أن علمه صحيفة الكائنات ويروى من يومه والمعنى أنه يستدل بما في يومه على ما سيقع في غد فيعرفه
العكبري: الْغَرِيب الاستنباط الاستخراج ونبط المَاء ينبط وينبط نبوطا نبع وأنبط الحفار أَي بلغ المَاء ودونت الشَّيْء إِذا جمعته فِي ديوَان أَي فِي كتاب الْمَعْنى يَقُول هُوَ من ذكائه وفطنته يسْتَخْرج بِعِلْمِهِ مَا فِي عده فِي يَوْمه أَي الَّذِي يَقع فِي غَد فَكَأَن مَا سَيكون قد كتب فِي علمه وَالْمعْنَى أَن علمه صَحْفَة الكائنات وَقد روى فِي يَوْمه مَا فِي غَد وَالْمعْنَى أَنه يسْتَدلّ بِمَا فِي يَوْمه على مَا يَقع فِي غده فيعرفه
- ٢٠
تَتَقاصَرُ الأَفهامُ عَن إِدراكِهِ
مِثلَ الَّذي الأَفلاكُ فيهِ وَالدُنا
الواحدي: الدني جمع الدنيا مثل الكبر والصغر في جمع الكبرى والصغرى يقول إفهام الناس قصيرة عن إدراك هذا الممدوح كما تقاصرت عن علم الشيء المحيط بالأفلاك وبالدني فإن أحدا لا يعرف ما وراء الأفلاك وإن العالم إلى ما ينتهي من الأعلى والأسفل والتقدير تتقاصر الإفهام مثل تقاصرها عن إدراك الذي فيه الافلاك لكنه حذف لدلالة ما تقدم على ما حذف
العكبري: الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْحسن عفيف الدّين عَليّ بن عَدْلَانِ الرِّوَايَة الصَّحِيحَة مثل بِالرَّفْع وَيكون على تَقْدِير هُوَ مثل يَعْنِي أَن الأفهام تتقاصر عَن هَذَا الممدوح فِي معرفَة حَقِيقَته فَهُوَ مثل علم الله تَعَالَى وَمن رَوَاهُ بِالنّصب يحْتَاج إِلَى حذف كثير يخل حذفه بِالْمَعْنَى وَيكون التَّقْدِير مثل تقاصر الأفهام عَن علم الله تَعَالَى الْغَرِيب الدنا جمع دنيا كالعلا جمع عليا والقصا جمع قصيا وَقَالَ الواحدي مثل الْكبر والصغر فِي جمع الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى الْمَعْنى يَقُول إفهام النَّاس قَصِيرَة فَهِيَ لَا تدْرك صفة هَذَا الرجل فقد تقاصرت عَن إِدْرَاكه كَمَا تقاصرت عَن علم الشَّيْء الْمُحِيط بالأفلاك وَالدُّنْيَا لِأَن أحدا لَا يعلم مَا وَرَاء الأفلاك ووراء الْعَالم إِلَى مَا يَنْتَهِي من الْأَعْلَى والأسفل وَالْمعْنَى تتقاصر الأفهام عَن إِدْرَاك الشَّيْء الَّذِي فِيهِ الأفلاك وَحذف لدلَالَة مَا تقدم على مَا حذف قَالَ أَبُو الْفَتْح لقد افرط جدا لِأَن الَّذِي فِيهِ الدُّنْيَا والأفلاك هُوَ علم الله تَعَالَى وتقدس
- ٢١
مَن لَيسَ مِن قَتلاهُ مِن طُلَقائِهِ
مَن لَيسَ مِمَّن دانَ مِمَّن حُيِّنا
الواحدي: يقول من أفلت من سيفه فلم يقتله فهو ممن اطلقه وعفا عن ومن لم يطعه وليس من أهل طاعته فهو ممن يهلكه ويقتله وذكر لفظ الماضي لتحقق وجود الهلاك ومن روى بضم الحاء فالمعنى فهو ممن هلك
العكبري: الْغَرِيب الطليق الَّذِي أطلق من الْقَتْل وَجمعه طلقاء وَمِنْه الطُّلَقَاء الَّذين أطلقهُم رَسُول الله من الْقَتْل يَوْم فتح مَكَّة بقوله من دخل الْحرم فَهُوَ آمن وَمن دخل بَيت ابْن حَرْب فَهُوَ آمن ودان أطَاع وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا يدينون دين الْحق﴾ وَحين بِضَم الْحَاء على رِوَايَة من رَوَاهُ بِهِ بمعي أهلك وَمن رَوَاهُ بِالْفَتْح على الْمَاضِي يُرِيد حِينه أَي أهلكه الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح من أفلت من سَيْفه فَهُوَ طليقة وَالَّذِي لَا يطيعه أحد المحينين يَعْنِي الهالكين وَالْمعْنَى من كَانَ لَا يطيعه وَلَا هُوَ من أهل طَاعَته فَهُوَ مِمَّن يهلكه
- ٢٢
لَمّا قَفَلتَ مِنَ السَواحِلِ نَحوَنا
قَفَلَت إِلَيها وَحشَةٌ مِن عِندِنا
الواحدي: أي كنا في وحشة من غيبتك فلما رجعت إلينا عادت الوحشة من عندنا إلى حيث انصرفت منه إلينا
العكبري: الْغَرِيب القفول الرُّجُوع من سفر أَو غَزْوَة والسواحل بِلَاد السَّاحِل وَهُوَ جمع سَاحل كجامع وجوامع وَخَاتم وخواتم وصارم وصوارم الْمَعْنى يَقُول لما غبت عَنَّا اعترتنا لَك وَحْشَة فَلَمَّا رجعت إِلَيْنَا ذهبت تِلْكَ الوحشة إِلَى الْمَكَان الَّذِي فارقته
- ٢٣
أَرِجَ الطَريقُ فَما مَرَرتَ بِمَوضِعٍ
إِلّا أَقامَ بِهِ الشَذا مُستَوطِنا
الواحدي: الشذا شدة الرائحة يقول طاب الطريق الذي سلكته ففاحت رائحته وما مررت بطريق إلا صارت الرائحة الطيبة مقيمة هناك
العكبري: الْغَرِيب أرج الطّيب بِالْكَسْرِ يأرج أرجا وأريجا إِذا فاح والأرج والأريج توهج ريح الطّيب قَالَ أَبُو ذُؤَيْب (كأنَّ عَلَيْها بَالَةً لَطَمِيَّةً ... لَها مِنْ خِلالِ الدَّأيَتَينِ أرِيجُ) البالة وعَاء الطّيب والدأية فقار الظّهْر والشذا الْمسك والشذا كسر الْعود والشذا شجر قَالَ عَمْرو بن الإطنابة (إذَا مَا مَشَتْ نادَى بِما فِي ثِيابها ... ذَكِيٌّ الشَّذَا وَالمَنْدَلِيُّ المُطَيرُ) وَيُقَال الشذا حِدة الرَّائِحَة الْمَعْنى يَقُول لما رجعت إِلَيْنَا طَابَ الطَّرِيق الَّذِي سلكته ففاحت رَائِحَته فَمَا مَرَرْت بطرِيق إِلَّا صَارَت فِيهِ الرَّائِحَة الطّيبَة مُقِيمَة مستوطنة لَا تُفَارِقهُ
- ٢٤
لَو تَعقِلُ الشَجَرُ الَّتي قابَلتَها
مَدَّت مُحَيِّيَةً إِلَيكَ الأَغصُنا
العكبري: الْإِعْرَاب محيية حَال الْعَامِل فِيهَا مدت الْمَعْنى يُرِيد أَن الشّجر جماد وَأَنه لَا يعقل فَلَو عقل الشّجر لما قابلته كَانَ مد إِلَيْك أغصانه تحييك وَلكنه لَا يعقل وَالشَّجر جمع شَجَرَة كتمرة وتمر وَهُوَ من الجموع الَّذِي بَينه وَبَين مفرده الْهَاء وَهَذَا الْمَعْنى كثير للشعراء قَالَ الفرزدق (يكادُ يُمسْكِهُ عِرْفانَ رَاحَتِهِ ... ) الْبَيْت وَقَالَ البحتري (فَلَوْ أنَّ مُشتْاقا تَكَلَّفَ فَوْقَ مَا ... فِي وُسْعِهِ لَسَعَى إلَيْكَ المِنْبرُ) وَقَالَ كثير (لَوْ كانَ حَيَّا قَبْلَهُن ظَعائِنا ... حَيَّا الحَطييمُ وُجوُهَهُنَّ وَزَمْزَمُ) الْغَرِيب التَّمَاثُل جمع تِمْثَال وَهِي الصُّور المنقوشة على القباب والقباب جمع قبَّة كحربة وحراب وجعبة وجعاب الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح بدر قد خرج من مَدِينَة ثمَّ عَاد إِلَيْهَا فَضربت القباب فَقَالَ إِن الصُّور الَّتِي فِيهَا تكَاد من صِحَّتهَا كَأَن الْجِنّ سلكتها فأدارت أعينها وَقَالَ الواحدي اشتاقت إِلَيْك الْجِنّ فتورات بماثيل القباب للنَّظَر إِلَيْك وتماثيل القباب هِيَ القباب قَالَ وَيجوز أَن يُرِيد بتماثيلها الصُّور الَّتِي تقشت فِيهَا أَي أَنَّهَا تَضَمَّنت من الْجِنّ أرواحا وَهَذَا معنى قَول ابْن حَنى لِأَنَّهُ قَالَ مَا أعلم أَنه وصفت صُورَة أَنَّهَا تكَاد تنطق بِأَحْسَن من هَذَا
- ٢٥
سَلَكَت تَماثيلَ القِبابِ الجِنُّ مِن
شَوقٍ بِها فَأَدَرنَ فيكَ الأَعيُنا
الواحدي: يقول اشتاقت الجن إليك فتوارت بتماثيل القباب للنظر إليك وتماثيل القباب هي القباب ويجوز أن يريد بتماثيلها الصور المنقوشة عليها أي أنها تضمنت من الجن أرواحا وهذا معنى قول ابن جنى لأنه قال ما أعلم أنه وصفت صورة بأنها تكاد تنطق باحسن من هذا
- ٢٦
طَرِبَت مَراكِبُنا فَخِلنا أَنَّها
لَولا حَياءٌ عاقَها رَقَصَت بِنا
الواحدي: أي لسرورها بقدومك طربت حتى ظننا أنها لولا الحياء لرقصت بنا والمعنى أن سرور قدومك غلب حتى ظهر في البهيمة التي لا تعقل
العكبري: الْمَعْنى يَقُول لفرحنا بقدومك سالما طربت بِنَا مراكبنا وَهِي الْخُيُول حَتَّى أننا ظننا أَنَّهَا لَوْلَا الْحيَاء لرقصت بِنَا وَالْمعْنَى أَن فرحنا بقدومك غلب حَتَّى ظهر فِي الْبَهِيمَة الَّتِي لَا تعقل
- ٢٧
أَقبَلتَ تَبسِمُ وَالجِيادُ عَوابِسٌ
يَخبُبنَ بِالحَلَقِ المُضاعَفِ وَالقَنا
الواحدي: تبسم معناه باسما أريد به الحال والجياد يعني جياد الممدوح عابسة لطول سيرها ويريد بالحلق المضاعف الدروع
العكبري: الْإِعْرَاب تَبَسم فِي مَوضِع الْحَال أَي باسما والجياد مُبْتَدأ وعوابس الْخَبَر الْغَرِيب الْجِيَاد جمع جواد على غير قِيَاس وَهِي الْخَيل والعوابس جمع عَابس وَهُوَ المكلح الْوَجْه والعبوس ضد التبسم وقابل فِيهِ بَين التبسم والعبوس وَالْحلق جمع حَلقَة وَهِي حَلقَة الْحَدِيد الَّتِي فِي الدروع والمضاعف الْكثير وضاعفت الشَّيْء إِذا جعلته أضعافا كَثِيرَة الْمَعْنى يَقُول لما قدمت إِلَى بلدك أَقبلت ضَاحِكا وجيادك عوابس لطول سَيرهَا وإثقالها بالدروع والقنا الطوَال وَمَا لاقت من شدَّة الحروب
- ٢٨
عَقَدَت سَنابِكُها عَلَيها عِثيَراً
لَو تَبتَغي عَنَقاً عَلَيهِ أَمكَنا
الواحدي: العثير الغبار يقول عقدت سنابك الجياد فوقها غبارا كثيفا لو تطلب السير عليه أمكن كما قال، كأن الجو وعثا أو خبار، وهذا منقول من قول البحتري، لما أتاك جيشا أرعنا، يمشي عليه كثافة وجموعاً، فنقله أبو الطيب إلى الرهج
العكبري: الْغَرِيب السنابك جمع سنبك وَهُوَ طرف مقدم الْحَافِر والعثير الْغُبَار والعنق ضرب من السّير شَدِيد قَالَ أَبُو النَّجْم (يَا ناقُ سِيرِي عَنَقا فَسيِحا ... إِلَى سُلَيْمانَ فَنَسْتَرِيحا) وَنصب نستريح لِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمر بِالْفَاءِ وَقَالَ قوم بل هونون التَّأْكِيد فَلَمَّا وقف أبدل مِنْهَا ألفا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿ليسجنا﴾ أَو عنق الْفرس وَفرس معناق جيد الْمَعْنى يَقُول عقدت سنابك الْخَيل فَوْقهَا غبارا كثيفا لَو طلب عَلَيْهِ السّير لأمكن من كثافته قَالَ الواحدي وَهُوَ مَنْقُول من قَول البحتري (لَما أتاكَ يَقُودُ جَيْشا أرْعَنا ... يَمْشِي عَلَيهِ كَثافَةً وَجُمُوعا) فنقله أَبُو الطّيب إِلَى الرهج لَيْسَ بِشَيْء وَإِنَّمَا أَخذه من معنى العتابي (تَبْنى سَنابِكُها مِنْ فوْقِ أرْؤُسهِمْ ... سَقْفا كَوَاكِبُهُ البِيضُ البَوَاتِيرُ) وَأَخذه العتابي من قَول الأول (وَأرْعَنُ فِيهِ لِلسَّوَابِغِ لُجَّةٌ ... وَسَقْفُ سَمَاءٍ أنْشَأتْهُ الحَوَافُر)
- ٢٩
وَالأَمرُ أَمرُكَ وَالقُلوبُ خَوافِقٌ
في مَوقِفٍ بَينَ المَنِيَّةِ وَالمُنى
الواحدي: يقول أمرك مطاع والحال ما ذكر وهو اضطراب القلوب في الحرب بين القتل وبين ادراك المطلوب
العكبري: الْغَرِيب خوافق مضطربة والمنية الْمَوْت والمنى جمع أُمْنِية وَهُوَ مَا يتمناه الْإِنْسَان من الْخَيْر الْمَعْنى يَقُول أَمرك مُطَاع فِي كل حَال حَتَّى فِي هَذِه الْحَالة عِنْد اضْطِرَاب الْقُلُوب فِي الحروب وَالنَّاس بَين قَاتل ومقتول قد وافقته منيته وَالْقَاتِل قد نَالَ أمْنِيته
- ٣٠
فَعَجِبْتُ حَتَّى مَا عَجِبْتُ مِنَ الظُّبَى
وَرَأَيْتُ حَتَّى مَا رَأَيْتُ مِنَ السَّنَا
الواحدي: يقول عجبت من كثرة السيوف حتى زال تعجبي لما كثرت ورأيت من الضوء وتألق الحديد ما خطف بصري يعني يوم قدومه رأى السيوف والأسلحة مع عسكره
العكبري: الْغَرِيب الظبي السيوف وَقَالَ الْجَوْهَرِي الظبة طرف السهْم وظبة السَّيْف طرفه وَأنْشد قَول بشامة بن حرى النَّهْشَلِي وَيُقَال فِيهِ ابْن حزن (إِذا الكُماةُ تَنَحَّوْا أنْ يَنالَهُمُ ... حَدُّ الظباةِ وَصَلنْاها بأيْدِيِنا) والسنى الْمَقْصُور الضَّوْء قَالَ تَعَالَى ﴿يكَاد سنا برقه يذهب بالأبصار﴾ الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يَقُول عجبت من كَثْرَة السيوف حَتَّى زَالَ تعجبي لما كثرت وَرَأَيْت من الضَّوْء وتألق الْحَدِيد مَا خطف بَصرِي يُرِيد يَوْم قدومه رأى الأسلحة وَالسُّيُوف مَعَ الْعَسْكَر وَنَقله الواحدي وَفِيه نظر إِلَى قَول حبيب (عَلى أنَّها الأيَّامُ قَدْ صِرْنَ كُلُّها ... عَجائِبُ حَتى لَيْس فِيها عَجائبُ)
- ٣١
إِنّي أَراكَ مِنَ المَكارِمِ عَسكَراً
في عَسكَرٍ وَمِنَ المَعالي مَعدِنا
الواحدي: تقديره أني أراك عسكرا في عسكر من المكارم أي أنت في نفسك عسكر وحولك عسكر آخر من المكارم وأراك معدنا من المعالي أي أصلا لها فهي تؤخذ منك
العكبري: الْمَعْنى يَقُول أَنْت فِي نَفسك عَسْكَر وحولك من مكارمك عَسْكَر آخر وأراك معدنا من الْمَعَالِي أَي أصلأ لَهَا فالمعالي تُؤْخَذ مِنْك لِأَنَّك أَصْلهَا
- ٣٢
فَطِنَ الفُؤادُ لِما أَتَيتُ عَلى النَوى
وَلِما تَرَكتُ مَخافَةً أَن تَفطُنا
الواحدي: يقول قلبك يعرف ما فعلته في حال بعدك وما تركته فلم أفعله خوفا من أن تعلم فتعاتبني عليه وكان قد وشى به إليه وكأنه قد اعترف بتقصير منه لأن سياق الأبيات يدل عليه
- ٣٣
أَضحى فِراقُكَ لي عَلَيهِ عُقوبَةً
لَيسَ الَّذي قاسَيتُ مِنهُ هَيِّنا
الواحدي: عليه أي على ما فعلته يقول صار فراقك عقوبةً لي على ما فعلته مما كرهته
العكبري: الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي عَلَيْهِ يعود على مَا فعله وَقَالَ أَبُو الْفَتْح على مَا تَركه مَخَافَة أَن يفْطن الممدوح الْمَعْنى يَقُول صَار فراقك عُقُوبَة لي على مَا فعلته مِمَّا كرهته وَالضَّمِير فِي مِنْهُ يعود على الْفِرَاق وَقَوله قاسيت المقاساة الممارسة للشَّيْء بِمَشَقَّة وصعوبة
- ٣٤
فَاِغفِر فِدىً لَكَ وَاِحبُني مِن بَعدِها
لِتَخُصَّني بِعَطِيَّةٍ مِنها أَنا
الواحدي: أراد فأغفر لي أي ذنبي الذي جنيته فدى لك نفسي وأعطني بعد المغفرة لأكون مخصوصا بعطية منها نفسي يعني إذا عفوت عني واعطيتني كنت قد خصصتني بعطاء أنا من جملته
العكبري: الْغَرِيب حباه أعطَاهُ والحباء بِالْكَسْرِ وَالْمدّ الْعَطاء قَالَ الفرزدق (خَالِي (خَالِي الَّذِي اغتَصَبَ المُلوكَ نُفوسَهم ... وَإلَيْهِ كَانَ حَباءُ جَفْنَةَ يُنقلُ) الْمَعْنى يَقُول فَاغْفِر لي ذَنبي الَّذِي جنيته فدى لَك نَفسِي وَأَهلي وَمَالِي وَأَعْطِنِي يعد عفوك عني عَطِيَّة تكون نَفسِي مِنْهَا لِأَنَّك إِذا عَفَوْت عني وأعطيتني كنت قد خصصتني بعطية هِيَ نَفسِي لِأَنَّهَا قد سلمت بسلامتها مِنْك فَهِيَ الْآن من عطيتك
- ٣٥
وَاِنهَ المُشيرَ عَلَيكَ فيَّ بِضَلَّةٍ
فَالحُرُّ مُمتَحَنٌ بِأَولادِ الزِنا
الواحدي: كان الأعور بن كروس قد وشى به إلى بدر بن عمار لما سار وتأخر عنه المتنبي وجعل قبوله منه ضلةً أي أن اطعته فيّ ضللت يهدده بالهجاء ويجوز أن يريد بالضلال ما يؤمر به من هجران المتنبي وحرمانه وهذا أولى مما ذكر ابن جنى من التهديد وعنى بالحر نفسه وبأولاد الزنا الوشاة ومثله للطاءي، وذو النقص في الدنيا بذي الفضل مولع، وهذا من قول مروان ابن أبي حفصة، ما ضرني حسد اللئام ولم يزل، ذو الفضل يحسده ذون التقصير،
العكبري: الْغَرِيب الضلة ارْتِكَاب الضلال الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح وَنَقله الواحدي كَانَ الْأَعْوَر بن كروس قد وشى بِهِ إِلَى بدر بن عمار لما سَار وَتَأَخر عَنهُ المتنبي وَجعل قبُوله مِنْهُ ضلة يُرِيد إِن أطعته فيّ ضللت يهدده بالهجاء وَيجوز أَن يكن أَرَادَ بالضلال مَا يَأْمر بِهِ من هجران المتنبي وحرمانه وَهَذَا أولى مِمَّا ذكره ابْن جنى من التهديد وعنى بِالْحرِّ نَفسه وبأولاد الزِّنَا الوشاة وَفِيه نظر إِلَى قَول مَرْوَان بن أبي حَفْصَة (مَا ضَرَّني حَسَدُ اللِّثامِ وَلمْ يَزَلْ ... ذُو الفَضْلِ يَحْسُدُ ذَووُ التقصِيرِ) وَإِلَى قَول حبيب (وّذُو النَّقْصِ فِي الدَنيا بِذِي الفَضْلِ مُولَعُ ... )
- ٣٦
وَإِذا الفَتى طَرَحَ الكَلامَ مُعَرِّضاً
في مَجلِسٍ أَخَذَ الكَلامَ اللَذْ عَنى
الواحدي: يعني أنه قد عرض بذكر أولاد الزمنا وقد فهمه من عناه بهذا الكلام
العكبري: الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح اللذ عَنَّا يُرِيد الَّذِي عني وَفِي الَّذِي أَربع لُغَات الَّذِي واللذ بِلَا يَاء واللذ بِسُكُون الآخر وَالَّذِي بتَشْديد الْيَاء وَقَالَ الْخَطِيب اللذ عَنَّا كلمة وَاحِدَة وَهِي الْكَلَام الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مواراة وَالْعَامِل فِي الظّرْف الْفِعْل الْمَاضِي الْمَعْنى لما ذكر فِي الْبَيْت الَّذِي قبله أَوْلَاد الزِّنَا بَين أَنه قد عرض بأولاد الزِّنَا وَقد فهمه من عناه بِهَذَا الْكَلَام
- ٣٧
وَمَكايِدُ السُفَهاءِ واقِعَةٌ بِهِم
وَعَداوَةُ الشُعَراءِ بِئسَ المُقتَنى
الواحدي: يعني السعاة والوشاة الذين وشوا به يقول كيدهم يعود عليهم بالشر
العكبري: الْغَرِيب السُّفَهَاء جمع سَفِيه وَهُوَ الَّذِي لَا عقل لَهُ وَلَا رأى أَصله الَّذِي لَا يعرف أَن يدبر أمره وَالْأَصْل فِيهِ الخفة وَالْحَرَكَة وتسفهت الرّيح الشّجر أَي مَالَتْ بِهِ قَالَ ذُو الرمة (جَريْنَ كَمَا اهْتزتْ رِماحٌ تَسَفَّهتْ ... أعاليِها مَرُّ الرّياحِ النَّوَاسِمِ) وتسفهت فلَانا عَن مَاله إِذا خدعته عَنهُ الْمَعْنى يُرِيد أَن السَّفِيه كَيده رَاجع إِلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يحسن التَّدْبِير فَإِذا فعل شَيْئا فعله شَيْئا فعله جَاهِلا من غير روية وَلَا نظر وعنى بالسفهاء الَّذين وشوا بِهِ إِلَى بدر وعداوة الشُّعَرَاء تهديد بالهجاء يُرِيد أَنه إِذا عودي الشَّاعِر جعل فِي عرض عدوه مَا يبْقى عَلَيْهِ بَقَاء الدَّهْر
- ٣٨
لُعِنَت مُقارَنَةُ اللَئيمِ فَإِنَّها
ضَيفٌ يَجُرُّ مِنَ النَدامَةِ ضَيفَنا
الواحدي: يقول مخالطة اللئيم مذمومة ملعونة لأن عاقبتها الندامة فهي كضيف معه ضيف من الندامة
العكبري: الْغَرِيب الضيفن الَّذِي يَجِيء مَعَ الضَّيْف ونونه زَائِدَة وَهُوَ فعلن إِذا أَخذ من الضِّيَافَة وَإِن أَخذ من الضفن وَهُوَ الثقيل الْكثير اللَّحْم فوزنه فيعل وَالْمَرْأَة ضفنة بِكَسْر الضَّاد قَالَ الشَّاعِر (إذَا جاءَ ضَيْفٌ جاءَ للضَّيْفِ ضَيْفَنٌ ... فأودَى بِمَا تُقْرَى الضُّيُوفُ الضَّيافِنُ) الْمَعْنى يَقُول معاشرة اللَّئِيم ومخالطته مذمومة تجر لصَاحِبهَا الندامة فَهِيَ كضيف مَعَه ضيفن فعاقبتها غير محمودة وَالْأَصْل فِي هَذَا قَوْله ﵊ جليس السوء كصاحب الْكِير إِن لم يصبك من شرره أَصَابَك من دخانه والجليس الصُّلْح كالداري يَعْنِي الْعَطَّار إِن لم يصبك طيبه أَصَابَك من رِيحه
- ٣٩
غَضَبُ الحَسودِ إِذا لَقيتُكَ راضِياً
رُزءٌ أَخَفُّ عَلَيَّ مِن أَن يوزَنا
العكبري: الْغَرِيب الرزء الْمُصِيبَة وَكَذَلِكَ الرزية والحسود الَّذِي يتَمَنَّى زَوَال نِعْمَتك والغابط الَّذِي يتَمَنَّى أَن يكون لَهُ مثلك من النِّعْمَة الْمَعْنى يَقُول إِذا رَأَيْتُك رَاضِيا عني هُوَ مُصِيبَة تحل بحاسدي وبلاء أعظم مَا يكون من الْبلَاء عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يتَمَنَّى أَن تسخط على
- ٤٠
أَمسى الَّذي أَمسى بِرَبِّكَ كافِراً
مِن غَيرِنا مَعَنا بِفَضلِكَ مُؤمِنا
الواحدي: أى أمسى من يكفر بالله من غيرنا مؤمنا بفضلك معنا يعني أن من يخالفنا في الأيمان يوافقنا في الإقرار بفضلك
- ٤١
خَلَتِ البِلادُ مِنَ الغَزالَةِ لَيلَها
فَأَعاضَهاكَ اللَهُ كَي لا تَحزَنا
الواحدي: الغزالة اسم الشمس يقول جعلك الله عوضا من الشمس للبلاد وأهلها عند فقد الشمس بالليل كي لا يحزنوا وسيبويه لا يجيز تقديم ضمير الغائب المتصل على الحاضر في مثل قولك ما فعل الرجل الذي أعطاهوك زيد على معنى الذي أعطاه إياك فتأتي بالضمير المنفصل وتدع المتصل وأبو العباس يجيزه والصواب عند سيبويه فأعاضها أياك والشعر موقف ضرورة فيجوز فيه ما لا يجوز في غيره ويقال عاضه وأعاضه وعوضه بمعنى وأمر بدر أن يحجب الناس عنه
العكبري: الْغَرِيب الغزالة الشَّمْس وعضت زيدا من كَذَا وأعضته وعوضته الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح وَنَقله الواحدي حرفا فحرفا سِيبَوَيْهٍ لَا يُجِيز تَقْدِيم ضمير الْغَائِب الْمُتَّصِل على الْحَاضِر وَالصَّوَاب عِنْده أعاضها إياك وَأَبُو الْعَبَّاس يُجِيزهُ وَالصَّوَاب عِنْد أهل النَّحْو إِذا اجْتمع ضمير الْمُخَاطب وَالْغَائِب فَالْوَاجِب تَقْدِيم ضمير الْمُخَاطب فَكَانَ الْوَاجِب فأعاضكها الله وَعند الْأَخْفَش يجب أَن يكون ضمير الْغَائِب مُنْفَصِلا يُرِيد إِيَّاه وَإِيَّاهَا الْمَعْنى يَقُول الْبِلَاد إِذا خلت من الشَّمْس فِي اللَّيْل جعلك الله عوضا مِنْهَا للبلاد قَالَ الْخَطِيب وَأَبُو الْفَتْح قَالَ من يوثق بِهِ إِن أَبَا الطّيب أنْشدهُ (خَلَتِ البَلادُ مِنَ النَّبيّ مُحَمَّدٍ ... ) ثمَّ غَيره بقوله من الغزالة لَيْلهَا وسواسية متساوون فِي الشَّرّ دون الْخَيْر الْوَاحِد سَوَاء من غير لَفظه والسقم الْمَرَض يُقَال سقم وسقم كحزن وحزن الْمَعْنى يَقُول نَحن فِي قرن من النَّاس قد تساووا فِي الشَّرّ دون الْخَيْر فَمَا فيهم أحد يركن إِلَيْهِ
هذه القصيدة بشرح الواحدي، والعكبري
أبيات مشهورة منها(٦)
- الْحُبُّ مَا مَنَعَ الْكَلَامَ الْأَلْسُنَا ... وَأَلَذُّ شَكْوَى عَاشِقٍ مَا أَعْلَنَا
- عَقَدَت سَنابِكُها عَلَيها عِثيَراً ... لَو تَبتَغي عَنَقاً عَلَيهِ أَمكَنا
- وَاِنهَ المُشيرَ عَلَيكَ فيَّ بِضَلَّةٍ ... فَالحُرُّ مُمتَحَنٌ بِأَولادِ الزِنا
- تَتَقاصَرُ الأَفهامُ عَن إِدراكِهِ ... مِثلَ الَّذي الأَفلاكُ فيهِ وَالدُنا
- وَتَوَقَّدَت أَنفاسُنا حَتّى لَقَد ... أَشفَقتُ تَحتَرِقُ العَواذِلُ بَينَنا
- لُعِنَت مُقارَنَةُ اللَئيمِ فَإِنَّها ... ضَيفٌ يَجُرُّ مِنَ النَدامَةِ ضَيفَنا
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.