من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
أيام الشباب وأيام المشيب
وقال على بن محمد [بن الحسن] العلوى:
واها لأيام الشباب وما لبسن من الزخارف
وذهابهن بما عرفنمن المناكر والمعارف
أيام ذكرك فى دواوين الصّبا صدر الصحائف
واها لأيّامى وأيّام الشهيات المراشف
الغارسات البان قضبانا على كثب الرّوادف
والجاعلات البدر مابين الحواجب والسوالف
أيام يظهرن الخلاف بغير نيّات المخالف
وقف النعيم على الصّباوزللت من تلك المواقف
وقال ابن المعتز:
دعتنى إلى عهد الصبّا ربّة الخدروألقت قناع الخزّ عن واضج الثّغر
وقالت وماء العين يخلط كحلهابصفرة ماء الزعفران على النّحر
لمن تطلب الدنيا إذا كنت قابضاعنانك عن ذات الوشاحين والشذر
أراك جعلت الشيب للهجر علّةكأن هلال الشهر ليس من الشهر
وقال [أحمد بن أبى طاهر]:
يا من كلفت بحبّهكلفى بكاسأت العقار
وحياة ما فى وجنتيك من الشقائق والبهار
وولوع ردفك بالترجرجتحت خصرك فى الإزار
ما إن رأيت لحسن وجهكفى البريّة من نجار
لما رأيت الشيب منوجهى بما يحكى الخمار
[قالت غبار قد علاك فقلت ذا غير الغبار
هذا الذى نقل الملوك إلى القبور من الديار]
قالت ذهبت بحجّتىعنى بحسن الاعتذار
يا هذه أرأيت ليلا مذ خلقت بلا نهار
وقال خالد الكاتب:
نظرت إلىّ بعين من لم يعدللما تمكّن طرفها من مقتلى
لما رأت شيبا ألمّ بمفرقىصدّت صدود مفارق متحمّل
وظللت أطلب وصلها بتملّقوالشيب يغمزها بألّا تفعلى
وقال ابن الرومى:
كفى حزنا أن الشباب معجّلقصير الليالى والمشيب مخلّد
وعزّاك عن ليل الشباب معاشرفقالوا: نهار الشيب أهدى وأرشد
فقلت: نهار المرء أهدى لسعيهولكنّ ظلّ الليل أندى وأبرد
محار الفتى شيخوخة أو منيّةومرجوع وهّاج المصابيح رمدد
وقال:
كان الشباب وقلبى فيه منغمسفى لذة لست أدرى ما دواعيها
روح على النفس منه كاد يبردهابرد النسيم ولا ينفك يحييها
كأن نفسى كانت منه سارحةفى جنّة بات ساقى المزن يسقيها
يمضى الشباب ويبقى من لبانتهشجو على النفس لا ينفكّ يشجيها
ما كان أعظم عندى قدر نعمتهلنفسه لا لحلم كان يصبيها
ما كان يوزن إعجاب النساء بهوالنفس أوجب إعجابا بما فيها
وقال:
إذا ما رأتك البيض صدّت، وربماغدوت وطرف البيض نحوك أصور
وما ظلمتك الغانيات بصدّهاوإن كان فى أحكامها ما يجوّر
أعر طرفك المرآة وانظر؛ فإن نبابعينيك عنك الشيب فالبيض أعذر
إذا شنئت عين الفتى شيب نفسهفعين سواء بالشناءة أجدر
وقال كشاجم:
وقفتنى ما بين حزن وبوسوثنت بعد ضحكة بعبوس
إذ رأتنى مشطت عاجا بعاجوهى الآبنوس بالآبنوس
وقال أبو نواس:
بكرت تبصّرنى الرّشاد كأننىلا أهتدى لمذاهب الأبرار
وتقول: ويحك قد كبرت عن الصّباورمى الزمان إليك بالأعذار
فإلى متى تصبو وأنت متيّممتقلّب فى راحة الإقتار
فأجبتها إنى عرفت مذاهبىفصرفت معرفتى إلى الإنكار
وقال أحمد بن زياد الكاتب:
ولما رأيت الشيب حلّ بياضهبمفرق رأسى قلت: أهلا ومرحبا
ولو خلت أنى إن تركت تحيتىتنكّب عنى رمت أن يتنكبا
ولكن إذا ما حلّ كرة فسامحتبه النفس يوما كان للكره أذهبا
كأن هذا البيت ينظر إلى قول الأول:
وجاشت إلىّ النفس أول مرةفردّت إلى معروفها فاستقرّت
أبو الطيب:
أنكرت طارقة الحوادث مرةثم اعترفت بها فصارت ديدنا
ابن الرومى:
لاح شيبى فصرت أمرح فيهمرح الطّرف فى العذار المحلّى
وتولّى الشباب فازددت غيّافى ميادين باطلى إذ تولّى
إنّ من ساءه الزمان بشىءلأحقّ الورى بأن يتسلّى
[المتنبى:
أترانى أسوء نفسى لمّاساءنى الدهر؟ لا، لعمرى، كلّا]
المتنبى:
تصفو الحياة لجاهل أو غافلعمّا مضى فيها وما يتوقّع
ولمن يغالط فى الحقائق نفسهويسومها طلب المحال فيطمع
[البحترى]:
يكفيك من حق تخيل باطلتردى به نفس اللهيف فترجع
وقلما تصحّ مغالطات أهل العقول، عند أهل التحصيل، وما أحسن ما قال الطائى:
لعب الشيب بالمفارق، بل جدّفأبكى تماضرا ولعوبا
يا نسيب الثّغام ذنبك أبقىحسناتى عند الحسان ذنوبا
لو رأى الله أنّ فى الشيب فضلاجاورته الأبرار فى الخلد شيبا
وقد جاء فى التشاغل عن الدهر وأحداثه، ونكباته، ومصائبه، وفجعاته، والتسلى عن الهموم، بماء الكروم، شعر كثير؛ فمما يتعلّق منه بذكر الشيب قول ابن الرومى:
سأعرض عمّن أعرض الدهر دونهوأشربها صرفا وإن لام لوّم
فإنى رأيت الكأس أكرم خلّةوفت لى ورأسى بالمشيب معمّم
وصلت فلم تبخل علىّ بوصلهاوقد بخلت بالوصل عنى تكتم
ومن صارم اللذات إن خان بعضهاليرغم دهرا ساءه فهو أرغم
أمن بعد مثوى المرء فى بطن أمهإلى ضيق مثواه من القبر يسلم
ولم يبق بين الضيق والضيق فرجةأبى الله! إنّ الله بالعبد أرحم!
وقال العطوى:
أعجبتنّ إن أناخ بى الدهرفحاكمته إلى الأقداح
لا تردّ الهموم ينشبن أظفارا حدادا بشرب ماء قراح
أحمد الله، صارت الكأس تأسودون إخوانى الثقات جراحى
وقال ابن الرومى [ونحله بشارا]:
وقد كنت ذا حال أطيل ادّكارهاوإرعاءها قلبى لأهتز معجبا
فبدّلت حالا غير هاتيك، غايتىتنأسىّ ذكراها لتغرب مغربا
وكنت أدير الكأس ملأى رويّةلأجذل مسرورا بها ولأطربا
وكانت مزيدا فى سرورى ومتعتىفأضحت مفرّا من همومى ومهربا
وهذا كما قال فى قينة وإن لم يكن من هذا الباب:
شاهدت فى بعض ما شاهدت مسمعةكأنّما يومها يومان فى يوم
ظللت أشرب بالأرطال، لا طربابذاك، بل طلبا للسّكر والنوم
ومن مليح شعره فى الشيب:
ومن نكد الدنيا إذا ما تنكرتأمور- وإن عدّت صغارا- عظائم
إذا رمت بالمنقاش نتف أشاهبىأتيح له من بينهن الأداهم
يروّع منقاشى نجوم مسائحىوهنّ لعينى طالعات نواجم
وقال أبو الفتح كشاجم:
أخى قم فعاونّى على نتف شيبةفإنى منها فى عذاب وفى حرب
إذا ما مضى المنقاش يأتى بها أتتوقد أخذت من دونها جارة الجنب
كجان على السلطان يجزى بذنبهتعلّق بالجيران من شدّة الرعب
وقد وشّحت هذا الكتاب بقطع مختارة فى الشيب والشباب، وجئت ههنا بجملة، وهذا النوع أعظم من أن نحيط به اختيارا، أو نبلغه اختبارا.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع