تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

شذور لأهل العصر، فى وصف الشيب ومدحه وذمه

ذوى غصن شبابه. بدت فى رأسه طلائع المشيب، [أخذ الشيب بعنان شبابه]، غزاه الشّيب بجيوشه، طرّز الشيب شبابه، أقمر ليل شبابه، ألجمه

بلجامه، وقاده بزمامه، علاه غبار وقائع الدهر. وزن هذا لابن المعتز

هذا غبار وقائع الدهر

بينا هو راقد فى ليل الشباب، أيقظه صبح المشيب. طوى مراحل الشباب، وأنفق عمره بغير حساب. جاوز من الشباب مراحل، وورد من الشّيب مناهل. فلّ الدهر شبا شبابه، ومحا محاسن روائه. قضى باكورة الشباب، وأنفق نضارة الزمان. أخلق بردة الصّبا، ونهاه النهى عن الهوى. طار غراب شبابه. انتهى شبابه، وشاب أترابه. استبدل بالأدهم الأبلق، وبالغراب العقعق.

انتهى إلى أشدّ الكهل، واستعاض من حلك الغراب بقادمة النّسر. افترّ عن ناب القارح، وقرع ناجذ الحلم، وارتاض بلجام الدّهر، وأدرك عصر الحنكة وأوان المسكة. جمع قوّة الشباب إلى وقار المشيب. أسفر صبح المشيب، وعلته أبهة الكبر. خرج عن حدّ الحداثة، وارتفع عن غرّة الغرارة. نفض حبرة الصبا، وولّى داعية الحجا. لما قام له الشيب مقام النصيح، عدل عن علائق الحداثة بتوبة نصوح. الشيب حلية العقل وشيمة الوقار. الشيب زبدة مخضتها الأيام، وفضّة سبكتها التجارب. سرى فى طريق الرّشد بمصباح الشّيب. عصى شياطين الشباب، وأطاع ملائكة الشّيب. الشيخ يقول عن عيان، والشاب عن سماع.

فى الشيب استحكام الوقار وتناهى الجلال، وميسم التجربة، وشاهد الحنكة الشيب مقدّمة الموت والهرم، والمؤذن بالخرف، والقائد للموت. الشيب رسول المنية. الشيب عنوان الفساد. والموت ساحل، والشيب سفينة تقرب من الساحل. صفا فلان على طول العمر، صفاء التّبر على شغب الجمر. لقد تناهت به الأيام تهذيبا وتحليما، وتناهت به السّنّ تجريبا وتحنيكا. قد وعظه الشّيب

بوخطه، وخبطه السن بابنه وسبطه، قد تضاعفت عقود عمره، وأخذت الأيام من جسمه. وجد مسّ الكبر، ولحقه ضعف الشيخوخة، وأساء إليه أثر السنّ، واعتراض الوهن. هو من ذوى الأسنان العالية، والصحبة للأيام الخالية. هو همّ هرم، فد أخذ الزمان من عقله. كما أخذ من عمره. ثلمه الدهر ثلم الإناء، وتركه كذى الغارب المنكوب، والسّنام المجبوب. رماه من قوسه الكبر. أريق ماء شبابه، واستشنّ أديمه كسر الزمان جناحه، ونقض مرّته. طوى الدهر منه ما نشر، وقيّده الكبر، يرسف رسفان المقيّد، هو شيخ مجتثّ الجثّة، واهى المنّة، مغلول القوة ومفلول الفتوة، ثقلت عليه الحركة، واختلفت إليه رسل المنيّة. ما هو إلا شمس العصر، على القصر. أركانه قد وهت، ومدّته قد تناهت.

هل بعد الغاية منزلة، أو بعد الشيب سوى الموت مرحلة؟ ما الذى يرجى ممن كان مثله فى تعاجز الخطا، وتخاذل القوى، وتدانى المدى، والتوجّه إلى الدار الأخرى، أبعد دقّة العظم، ورقّة الجلد، وضعف الحسّ، وتخاذل الأعضاء، وتفاوت الاعتدال، والقرب من الزوال. والذى بقى منه ذماء يرقبه المنون بمرصد، وحشاشة هى هامة اليوم أوغد. قد خلق عمره، وانطوى عيشه، وبلغ ساحل الحياة، ووقف على ثنيّة الوداع، وأشرف على دار المقام، فلم يبق إلا أنفاس معدودة، وحركات محصورة. نضب غدير شبابه.

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.