من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من رسائل البديع (٢)
وكتب البديع فى بابه إلى بعض أصحابه:
لك أعزّك الله عادة فضل، فى كل فضل، ولنا شبه مقت، فى كل وقت؛ ولعمرى إن ذا الحاجة مقيت الطّلعة، ثقيل الوطأة، ولكن ليسوا سواء [؛ أولو حاجة تحتاج إليهم الأموال، وأولو حاجة تحوجهم الآمال.
والأمير أبو تمام عبد السلام بن الفضل المطيع لله أمير المؤمنين- أيده الله- إن أحوجه الزمان فطالما خدمه، وإن أهانه فكثيرا ما أكرمه ونعّمه. وقديما أقلّه السرير، وعرفه الخورنق والسدير. وإن نقصه المال فالعرض وافر، وإن جفاه الملك فالفضل ظاهر، وإن ابتلاه الله فليبتليكم به فينظر كيف تفعلون.
وأنت تقابل مورده عليك من الإعظام، بما يستحقّ من الإكرام، فلا تنظرن إلى ثوب بال، فتحته شرف عال، ولا تقس على البرد، ما وراءه من المجد، ولكن إن نظرت ففى شامخ أصله، وراسخ عقله، وشهادة الفراسة له. ثم ليأت بعد هذه الآيات ما هو قضية المروءة معه، والأخوة معى، بالغا فى ذلك غاية جهده، والسّيف لا يرى فى غمده، والحمد لله حق حمده.
وله إلى أبى إسحاق إبراهيم بن أحمد بن حمزة:
لو كانت الدنيا أطال الله بقاء الشيخ! - على مرادى تجرى، لاخترت أن أضرب بهذه الحضرة أطناب عمرى، وأنفق على هذه الخدمة أيام دهرى، ولكن فى أولاد الزنا كثرة. ولعين الزمان نظرة، وقد كنت حظيت من خدمة الشيخ المحسن بشرعة أنس نغّصها بعض الوشاة علىّ، وذكر أنى أقمت بطوس بعد استئذانى إلى مرو، وفى هذا ما يعلمه الشيخ، فإن رأى أن يحسن جبرى بكتاب يطرز به مقدمى فعل إن شاء الله تعالى.
وله فى هذا الباب إلى أبى نصر الميكالى:
الشيخ- أعزه الله- ملك من قلبى مكانا فارغا، فنزله غير منزل قلعة، ومن مودتى ثوبا سابغا، فلبسه غير لبسه خلعة، ومن نصب تلك الشمائل شبكا، وأرسل تلك الأخلاق شركا، قنص الأحرار فاستحثّهم، وصاد الإخوان واسترقهم.
وتالله ما يغبن إلا من اشترى عبدا وهو يجد حرّا بأرخص من العبد ثمنا، وأقلّ فى البيع غبنا، ثم لا يهتبل غرّة وجوده، وينتهز فرصة امتلاكه بجوده، وأنا أنم للشيخ على مكرمة يتيمة، ونعمة وسيمة. فليعتزل من الرأى ما كان بهيما، وليطلق من النشاط ما كان عقيما، وليحلل حبوة التقصير، وليتجنب جانب التأخير، وليفتضّ عذرتها، وينقض حجّتها وعمرتها، برأى يجذب المجد باعه، ويعمر النشاط رباعه؛ وتلك حاجة سيدى أبى فلان وقد ورد من الشيخ بحرا، وعقد به جسرا، وما عسر وعد هو مستنجزه، ولا بعد أمر هو منتهزه، ولا ضاعت نعمة أنا بريد شكرها، وعزيم نشرها، وولىّ أمرها؛ وهذا الفاضل قرارة مائها، وعماد بنائها؛ وقد شاهدت من ظرفه، ما أعجز عن وصفه، وعرفت من باطنه ما لم يدر بظاهره، ورأيت من أوله ما نمّ على آخره، ثم له البيت المرموق، والنسب الموموق، والأولية
القديمة، والشيمة الكريمة؛ وقد جمعتنا فى الود حلقة، ونظمتنا فى السفر رفقة، وعرفنى بما أنهض له وفيه، فضمنت له عن الشيخ كرما لا يغلق بابه، وغدقا لا يخلف سحابه؛ فليخرجنى الشيخ من عهدة هذه الثقة، زادها إليه تأكدا، وإن رأى أن أسأل الشيخ فى معناه عرفنى كيف المأتى له، وإنما أطلت ليعلم صدق اهتمامى، وفرط تقليدى للمنّة والتزامى.
وله جواب عن صنيعة بصاحب هذه العناية:
ورد فلان سيدى وهو عين بلدتنا وإنسانها، ومقلتها ولسانها؛ فأظهر آيات فضله، لا جرم أنه وصل إلى الصميم، من الإيجاب الكريم، وهو الآن مقيم بين روح وريحان وجنة نعيم، تحيّته فيها سلام، وآخر دعواه ذكرك وحسن الثناء عليك بما أنت أهله، وأنا أصدق دعواه، وأفتخر به افتخار الخصىّ بمتاع مولاه، وقد عرفته ولسنه، وكيف يجرّ فى البلاغة رسنه، فما ظنك به؟ وقد ملكتها المجالس ولحظتها العيون، وسلّ صارما من فيه، يعيد شكرك ويبديه، وينشر ذكرك ويطويه؛ والجماعة تمدح لمدحه، وتجرح بجرحه، فرأيك فى تحفظ أخلاقك التى أثمرت هذا الشكر، وأنتجت هذه المآثر الغر، موفقا إن شاء الله تعالى.
ومن إنشائه فى مقامات الاسكندرى، قال:
حدثنا عيسى بن هشام، قال: لما نطّقنى الغنى بفاضل ذيله، اتّهمت بمال سلبته، أو كنز أصبته، فخفرنى الليل، وسرت بى الخيل. وسلكت فى هربى مسالك لم يرضها السير، ولا اهتدت إليها الطير، حتى طويت أرض الرّعب وتجاوزت حدّه، وصرت إلى حمى الأمن ووجدت برده، وبلغت أذربيجان وقد حفيت الرواحل، وأكلّتها المراحل، ولما بلغتها:
نزلنا على أن المقام ثلاثةفطابت لنا حتى أقمنا بها شهرا
فبينا أنا يوما فى بعض أسواقها إذ طلع رجل بركوة قد اعتضدها، وعصا قد اعتمدها، ودنيّة قد تقلّسها، وفوطة قد تطيلسها؛ فرفع عقيرته وقال: اللهم يا مبدئ الأشياء ومعيدها، ومحيى العظام ومبيدها، وخالق المصباح ومديره، وفالق الإصباح ومنيره، وموصل الآلاء سابغة إلينا، وممسك السماء أن تقع علينا، وبارئ النّسم أزواجا، وجاعل الشمس سراجا، والسماء سقفا، والأرض فراشا، وجاعل الليل سكنا والنهار معاشا، ومنشىء السحاب ثقالا، ومرسل الصواعق نكالا، وعالم ما فوق النجوم، وما تحت التخوم. أسألك الصلاة على سيد المرسلين محمد وآله الطاهرين، وأن تعيننى على الغربة أثنى حبلها، وعلى العسرة أعدو ظلّها، وأن تسهّل لى على يدى من فطرته الفطرة، وأطلعته الطّهرة، وسعد بالدّين المتين، ولم يعم عن الحق المبين، راحلة تطوى هذا الطريق، وزادا يسعنى والرفيق.
قال عيسى بن هشام: فناجيت نفسى بأن هذا الرجل أفصح من إسكندرّينا أبى الفتح، والتفتّ لفتة، فإذا هو أبو الفتح. فقلت: يا أبا الفتح، بلغ هذه الأرض كيدك، وانتهى إلى هذا الشّعب صيدك؟! فأنشأ يقول:
أنا جوّالة البلاد وجوّابة الأفق
أنا خذروفة الزمان وعمّارة الطّرق
لا تلمنى لك الرشاد على كديتى وذق
وقال الطرماح بن حكيم:
وما أنس م الأشياء لا أنس بيعةمن الدهر إذ أهل الصفاء جميع
وإذ دهر نافيه اعتزاز، وطيرناسواكن فى أوكارهنّ وقوع
فهل لليالينا بنعف مليحةوأيامهنّ الصالحات رجوع؟
كأن لم يرعك الظاعنون إلى بلّىومثل فراق الظاعنين يروع]
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع