تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

من رسائل الصابى

وكتب أبو إسحاق الصابى إلى محمد بن عباس يعزيه عن طفل:

الدنيا، أطال الله بقاء الرئيس، أقدار ترد فى أوقاتها، وقضايا تجرى إلى غاياتها، ولا يردّ منها شىء عن مداه، ولا يصدّ عن مطلبه ومنحاه؛ فهى كالسهام التى تثبت فى الأغراض، ولا ترجع بالاعتراض؛ ومن عرف ذلك معرفة الرئيس لم يغضّ من الزيادة، ولم يقنط من النقيصة، وأمن أن يستخفّ أحد الطرفين حلمه، ويستنزل أحد الأمرين حزمه، لم يدع أن يوطّن نفسه على النازلة قبل نزولها، ويأخذ الأهبة للحادثة قبل حلولها، وأن يجاور الخير بالشكر، ويساور المحنة بالصبر؛ فيتخيّر فائدة الأولى عاجلا، ويستمرىء عائدة الأخرى آجلا.

وقد نفذ من قضاء الله تعالى فى المولى الجليل قدرا، الحديث سنّا، ما أرمض، وأومض، وأقلق وأقضّ؛ ومسنى من التألم له ما يحقّ على مثلى ممن توافت أيادى الرئيس إليه، ووجبت مشاركته فى الملمّ عليه، فإنا لله وإنا إليه راجعون وعند الله نحتسبه غصنا ذوى، وشهابا خبا، وفرعا دلّ على أصله، وخطّيا أنبته

وشيجه؛ وإياه أسأل أن يجعله للرئيس فرطا صالحا، وذخرا عتيدا، وأن ينفعه يوم الدين، حيث لا ينفع إلا مثله بين البنين، بجوده ومجده.

ولئن كان المصاب عظيما، والحادث فيه جسيما، لقد أحسن الله إليه، وإلى الرئيس فيه؛ أمّا إليه فإن الله نزّهه بالاخترام، عن اقتراف الآثام، وصانه بالاحتضار، عن ملابسة الأوزار، فورد دنياه رشيدا، وصدر عنها سعيدا، نقى الصحيفة من سواد الذنوب، برىّ الساحة من درن العيوب، لم تدنّسه الجرائر، ولم تعلق به الصغائر والكبائر، قد رفع الله عنه دقيق الحساب، وأسهم له الثواب مع أهل الصواب، وألحقه بالصدّيقين الفاضلين فى المعاد، وبوّأه حيث أفضلهم من غير سعى ولا اجتهاد.

وأما الرئيس فإن الله ﷿ لما اختار ذلك له قبضه قبل رؤيته إياه على الحالة التى تكون معها الرقة، ومعاينته التى تتضاعف معها لحرقة، وحماه من فتنه المرافقة، ليرفعه عن جزع المفارقة، [وكان هو المبقّى] فى دنياه، وهو الواحد الماضى الذخيرة لأخراه، وقد قيل: إن تسلم الجلّة فالسّخل هدر؛ وعزيز علىّ أن أقول قول المهوّن للأمر من بعده، وألّا أوفى التوجّع عليه واجب فقده، فهو له سلالة، ومنه بضعة، ولكن ذلك طريق التسلية، وسبيل التعزية، والمنهج المسلوك فى مخاطبة مثله، ممن يقبل منفعة الذكرى وإن أغناه الاستبصار، ولا يأبى ورود الموعظة وإن كفاه الاعتبار، والله تعالى يقى الرئيس المصائب، ويعيذه من النوائب، ويرعاه بعينه التى لا تنام، ويجعله فى حماه الذى لا يرام، ويبقيه موفورا غير منتقص، ويقدّمنا إلى السوء أمامه، وإلى المحذور قدّامه، ويبدأ بى من بينهم فى هذه الدعوة، إذ كنت أراها من أسعد أحوالى، وأعدّها من أبلغ أمانىّ وآمالى.

وكتب إلى بعض الرؤساه:

قد جرت العادة- أطال الله بقاء الأمير! - بالتمهيد للحاجة قبل موردها، وإسلاف الظنون الداعية إلى نجاحها، وسالك هذه السبيل يسىء الظن بالمسئول، فهو لا يلتمس فضله إلّا جزاء، ولا يستدعى طوله إلّا قضاء؛ والأمير بكرمه الغريب، ومذهبه البديع، يؤثر أن يكون السلف له، والابتداء منه، ويوجب للمهاجم برغبته عليه حقّ الثقة به منه، والحمد لله الذى أفرده بالطرائق الشريفة، وتوحّده بالخلائق المنيفة، وجعله عين زمانه البصيرة، ولمعته الثاقبة المنيرة.

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.