من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من خطباء العرب شبيب بن شيبة وخالد بن صفوان
قيل لبعض الأمراء: إن شبيب بن شيبة يتعمّل الكلام ويستدعيه، فلو أمرته أن يصعد المنبر فجأة لافتضح؛ فأمر رسولا فأخذ بيده فصعد به المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النبى ﷺ ثم قال: إنّ لأمير المؤمنين أشبّاها أربعة: الأسد الخادر، والبحر الزاخر، والقمر الباهر، والربيع الناضر، فأما الأسد الخادر فأشبه صولته ومضاءه، وأما البحر الزاخر فأشبه جوده وعطاءه، وأما القمر الباهر فأشبه نوره وضياءه، وأما الربيع الناضر فأشبه حسنه وبهاءه، ثم نزل.
وهذا الكلام ينسب إلى ابن عباس يقوله فى على بن أبى طالب رضى الله عنهما.
وكان شبيب بن شيبة من أفصح الناس وأخطبهم، ويشبّه بخالد بن صفوان؛ غير أن خالدا كان أعلى منه قدرا فى الخاصة والعامة. وذكر خالد شبيبا فقال:
ليس له صديق فى السرّ ولا عدوّ فى العلانية. وكانت بينهما معارضة للنسب والجوار والصناعة، ولما قال الشاعر:
فنحّ شبيبا عن قراع كتيبةوأدن شبيبا من كلام ملفّق
وكان لا ينظر إليه أحد وهو يخطب إلا تبين فيه الخجل.
وقال أبو تمام لعلى بن الجهم:
لو كنت يوما بالنجوم مصدّقالزعمت أنّك نلت شكل عطارد
أو قدّمتك السّنّ خلت بأنّهمن لفظك اشتقّت بلاغة خالد
وقالت له امرأة: إنك لجميل يا أبا صفوان. قال: كيف تقولين هذا وما فىّ عمود الجمال ولا رداؤه، ولا برنسه. عموده الطول، ولست بطويل، ورداؤه
البياض، ولست بأبيض، وبرنسه سواد الشّعر، وأنا أشمط! ولكن قولى:
إنك لمليح.
وكان خالد حافظا لأخبار الإسلام، وأيام الفتن، وأحاديث الخلفاء، ونوادر الرواة، وكل ما تصرف فيه أهل الأدب، وله يقول مكى بن سوادة:
عليم بتنزيل الكتاب ملقّنذكور لما سدّاه أول أولا
يبذّ قريع القوم فى كل محفلولو كان سحبان الخطيب ودغفلا
ترى خطباء الناس يوم أرتجالهكأنهم الكروان صادف أجدلا
أما سحبان الذى ذكره فهو خطيب العرب بأسرها غير منازع ولا مدافع، وكان إذا خطب لم يعد حرفا، ولم يتوقّف، ولم يتحبّس، ولم يفكر فى استنباط، وكان يسيل غربا، كأنه آذىّ بحر.
ويقال: إنّ معاوية قدم عليه وفد من خراسان وجّههم سعيد بن عثمان، وطلب سحبان فلم يوجد عامّة النهار، ثم اقتضب من ناحية كان فيها اقتضابا، فدخل عليه فقال: تكلّم، فقال: انظروا لى عصا تقيم من أودى، فقال له معاوية: ما تصنع بها؟ فقال: ما كان يصنع موسى ﵊ وهو يخاطب ربّه وعصاه بيده، فجاءوه بعصا فلم يرضها. فقال: جيئونى بعصاى، فأخذها، ثم قام فتكلم منذ صلاة الظهر إلى [أن فاتت] صلاة العصر، ما تنحنح، ولا سعل، ولا توقّف، ولا تحبّس، ولا ابتدأ فى معنى فخرج منه إلى غيره حتى أتمّه ولم يبق منه شىء، ولا سأل عن أى جنس من الكلام يخطب فيه، فما زالت تلك حاله وكلّ عين فى السماطين؟؟؟ إلى أن أشار له معاوية بيده أن اسكت، فأشار سحبان بيده أن دعنى لا تقطع علىّ كلامى، فقال له معاوية:
[الصلاة، فقال: هى أمامك ونحن فى صلاة يتبعها تحميد وتمجيد، وعظة وتنبيه
وتذكير ووعد ووعيد، فقال معاوية:] إنك أخطب العرب، فقال سحبان:
والعجم، والجنّ، والإنس.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع