تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

بين قينة وأربعة من عشاقها

قال بعض الظرفاء: اجتمع لقينة أربعة من عشّاقها، وكلّهم يورّى عن صاحبه أمره، ويخفى عنه خبره، ويومىء إليها بحاجبه، ويناجيها بلحظه؛ وكان أحدهم غائبا فقدم، والآخر مقيما قد عزم على الشخوص، والثالث قد سلفت أيامه، والرابع مستأنفة مودّته؛ فضحكت إلى واحد، وبكت إلى آخر، وأقصت آخر، وأطمعت آخر؛ واقترح كل واحد منهم ما يشاكل بثّه وشأنه؛ فأجابته، فقال القادم: جعلت فداك، أتحسنين:

ومن ينأ عن دار الهوى يكثر البكاوقول لعلّى أو عسى سيكون
وما اخترت نأى الدار عنك لسلوةولكن مقادير لهنّ شؤون

فقالت: أحسنه، ولا أقيم لحنه، ولكن مطارحه لتستغنى به عنه، لقربه منه، وأنا به أحذق، ثم غنّت:

وما زلت مد شطّت بك الدار باكياأؤمّل منك العطف حين تؤوب
فأضعفت ما بى حين أبت وزدتنىعذابا وإعراضا وأنت قريب

وقال الظاعن: جعلت فداك، أتحسنين:

أزف الفراق فأعلنى جزعاودعى العتاب فإننا سفر
إنّ المحبّ يصدّ مقتربافإذا تباعد شفّه الذّكر

قالت: نعم، وأحسن منه ومن إيقاعه، ثم غنت:

لأقيمنّ مأتما عن قريبليس بعد الفراق غير النّحيب
ربما أوجع النّوى للقلوبثم لا سيّما فراق الحبيب

ثم قال السالف: جعلت فداك، أتحسنين:

كنّا نعاتبكم ليالى عودكمحلو المذاق وفيكم مستعتب
فالآن حين بدا التنكّر منكمذهب العتاب فليس عنكم مذهب

قالت: لا، ولكن أحسن منه فى معناه، ثم غنت:

وصلتك لما كان ودّك خالصاوأعرضت لما صار نهبا مقسّما
ولن يلبث الحوض الجديد بناؤهإذا كثر الورّاد أن يتهدّما

فقال المستأنف: أتحسنين، جعلت فداك:

إنى لأعظم أن أبوح بحاجتىوإذا قرأت صحيقتى فتفهّمى
وعليك عهد الله إن أبثثتهأحدا ولا آذنته بتكلّم

فقالت: نعم، ومن غناء صاحبه؛ ثم غنّت:

لعمرك ما استودعت سرّى وسرّهاسوانا، حذارا أن تذيع السرائر
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «لعمرك ما استودعت سري وسرها»
ولا خالطتها مقلتاى بنظرةفتعلم نجوانا العيون النواظر
ولكن جعلت الوهم بينى وبينهارسولا فأدّى ما تجنّ الضمائر
للشاعر أبو الحسين النوري، اقرأ القصيدة
أكاتم ما فى النفس خوفا من الهوىمخافة أن يغرى بذكرك ذاكر

فتفرقوا وكلّهم قد أومأ بحاجته، وأجابته بجوابه.

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.