من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
تأميل ورجاء
ولما ولّى المهتدى سليمان بن وهب وزارته قام إليه رجل من ذوى حرمته، فقال: أعزّ الله الوزير؛ أنا خادمك المؤمّل لدولتك، السعيد بأيامك، المنطوى القلب على ودّك، المنشور اللسان بمدحك، المرتهن بشكر نعمتك، وقد قال الشاعر:
وفيت كل صديق ودّنى ثمناإلا المؤمل دولاتى وأيّامى
فإننى ضامن ألّا أكافئهإلا بتسويغه فضلى وإنعامى
وإنى لكما قال القيسى: ما زلت أمتطى النهار إليك، وأستدلّ بفضلك عليك، حق إذا جنّنى الليل فغضّ البصر، ومحا الأثر، أقام بدنى، وسافر أملى، والاجتهاد عذر، فإذا بلغتك فقد. قال سليمان: لا عليك؛ فإنى عارف بوسيلتك، محتاج إلى كفايتك واصطناعك، ولست أؤخر عن يومى هذا تولينك ما يحسن عليك أثره، ويطيب لك خبره، إن شاء الله.
وكتب محمد بن عباد إلى أبى الفضل جعفر بن محمود الإسكافى وزير المعتز بالله وكان المعتز يختصّ به، ويتقرّب إليه قبل الوزارة: ما زلت- أيدك الله تعالى- أذم الدهر بذمّك إياه، وأنتظر لنفسى ولك عقباه، وأتمنى زوال حال من لا ذنب له
إلا عاقبة محمودة تكون لك بزوال حاله، وأترك الإعذار فى الطلب على الاختلال الشديد؛ ضنّا بالمعروف عندى إلّا عن أهله، وحبسا لشعرى إلا عن مستحقه.
فوقع فى كتابه: لم أؤخر ذكرك ناسيا لحقّك، ولا مهملا لواجبك، ولا مرجيا لمهمّ أمرك، ولكنى ترقّبت اتساع الحال، وانفساح الآمال؛ لأخصّك بأسناها خطرا، وبأجلّها قدرا، وأعودها بنفع عليك، وأوفرها رزقا لك، وأقربها مسافة منك؛ فإذا كنت ممن يحفزه الإعجال، ولا يتّسع له الإمهال، فسأختار لك خير ما يشير إليه الوقت، وأنعم النظر فيه، وأجعله أول ما أمضيه، إن شاء الله.
ولما ولى سليمان بن وهب الوزارة كتب إليه عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
أبى دهرنا إسعافنا فى نفوسناوأسعفنا فيمن نحبّ ونكرم
فقلت له: نعماك فيهم أتمّهاودع أمرنا؛ إن المهمّ المقدّم
فعجب من لطيف شكواه فى تهنئته، وقضى حوائجه.
[ووقّع عبيد الله فى كتاب رجل اعتدّ عنده بأثر جميل: وقفت على ما ذكرته من شكايتك، فوقع ذلك عندنا الموقع الذى أردته، وصدر جوابنا إليك بما شكرته، ولم تعد ظننا، وما قدرنا فيك، ثم اعتدت الاعتداد حتى كأنك لم تكاتبنا؛ فلا تفسدنّ تالد إحسانك بطارف امتنانك، واقتصر من وصف سالفك على ذكر مستأنفك].
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع