تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

من حسن التقسيم

ووقّع عبيد الله فى أمر رجل خرج عن الطاعة: أنا قادر على إخراج هذه النعرة من رأسه، والوحرة من نفسه.

ونحو هذا التقسيم قول قتيبة بن مسلم بخراسان: من كان فى يده شىء من مال عبد الله فلينبذه، أو فى فمه فليلفظه، أو فى صدره فلينفثه.

وقال عبد الله بن على، بعد قتله من قتل من بنى أمية، لإسماعيل بن عمرو:

أساءك ما فعلت بأصحابك؟ قال: كانوا يدا فقطعتها، [وعضدا ففتتها، ومرة فنقضتها]، وركنا فهدمته، [وجبلا فهضته]، وجناحا فقصصته، قال: إنى لخليق بأن ألحقك بهم، قال: إنى إذا لسعيد.

وقال المنصور لجرير بن عبد الله: إنى لأعدّك لأمر كبير! قال: يا أمير المؤمنين قد أعدّ الله لك منى قلبا معقودا بنصيحتك، ويدا مبسوطة بطاعتك، وسيفا مسلولا على أعدائك.

وكتب الحسن بن وهب إلى القاسم بن الحسن بن سهل يعزّيه: مدّ الله فى عمرك موفورا غير منتقص، وممنوحا غير ممتحن، ومعطى غير مستلب.

ومن جيد التقسيم مع المطابقة قول بعض الكتاب: إنّ أهل النصح والرّأى لا يساويهم أهل الأفن والغشّ، وليس من جمع إلى الكفاية الأمانة كمن أضاف إلى العجز الخيانة.

وقالت هند بنت النعمان بن المنذر لرجل دعت له وقد أولاها يدا: شكرتك يد نالتها خصاصة بعد ثروة، وأغناك الله عن يد نالتها ثروة بعد فاقة.

ومن بديع التقسيم فى هذا النوع قول البحترى:

كأنك السيف حدّاه ورونقهوالغيث وابله الدّانى وريّقه
للشاعر البحتري، من قصيدة «كأنك السيف حداه ورونقه»
هل المكارم إلا ما تجمّعهأو المواهب إلا ما تفرّقه
للشاعر البحتري، من قصيدة «كأنك السيف حداه ورونقه»

وقال الحسن بن سهل يوما للمأمون: الحمد لله يا أمير المؤمنين على جزيل ما آتاك؛

وسنىّ ما أعطاك؛ إذ قسم لك الخلافة، ووهب لك معها الحجّة، ومكّنك بالسلطان، وحلّاه لك بالعدل، وأيّدك بالظفر، وشفعه لك بالعفو، وأوجب لك السعادة، وقرنها بالسياسة، فمن فسح له فى مثل عطيّة الله لك؟ أم من ألبسه الله تعالى من زينة المواهب ما ألبسك؟ أم من ترادفت نعم الله تعالى عليه ترادفها عليك؟ أم من حاولها وارتبطها بمثل محاولتك؟ أم أى حاجة بقيت لرعيّتك لم يجدوها عندك؟ أم أى قيّم للاسلام انتهى إلى غايتك ودرجتك؟

تعالى الله! ما أعظم ما خصّ القرن الذى أنت ناصره! وسبحان الله! أية نعمة طبّقت الأرض بك إن أدّى شكرها إلى بارئها، والمنعم على العباد بها؟ إن الله تعالى خلق الشمس فى فلكها ضياء يستنير بها جميع الخلائق؛ فكلّ جوهر زها حسنه ونوره فهى ألبسته زينته لما اتصل به من نورها؟ وكذلك كل ولىّ من أوليائك سعد بأفعاله فى دولتك، وحسنت صنائعه عند رعيّتك، فإنما نالها بما أيّدته من رأيك وتدبيرك، وأسعدته من حسنك وتقويمك.

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.