من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
الأحنف بن قيس
وروى عيسى بن دأب قال: أوّل ما عرف الأحنف بن قيس وقدّم أنه وفد على عمر بن الخطاب رضى الله عنه وكان أحدث القوم سنا، وأقبحهم منظرا، فتكلم كل
رجل من الوفد بحاجته فى خاصته، والأحنف ساكت، فقال له عمر: قل يا فتى! فقام فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ العرب نزلت بمساكن طيبة، ذات ثمار وأنهار عذاب، وأكنّة ظليلة، ومواضع فسيحة، وإنا نزلنا بسبخة نشّاشة، ماؤها ملح، وأفنيتها ضيقة، وإنما يأتينا الماء فى مثل حلق النعامة فإلّا تدركنا يا أمير المؤمنين بحفر نهر يغزر ماؤه، حتى تأتى الأمة فتغرف بجرّتها وإنائها أوشك أن نهلك، قال: ثم ماذا؟ قال: تزيد فى صاعنا ومدّنا، وتثبت من تلاحق فى العطاء من ذريتنا. قال: ثم ماذا؟ قال: تخفّف عن ضعيفنا، وتنصف قوينا، وتتعاهد ثغورنا، وتجهّز بعثنا، قال: ثم ماذا؟ قال: إلى ها هنا انتهت المطالب، ووقف الكلام.
قال: أنت رئيس وفدك، وخطيب مصرك، قم عن موضعك الذى أنت فيه.
فأدناه حتى أقعده إلى جانبه، ثم سأله عن نسبه، فانتسب له، فقال: أنت سيد تميم، فبقيت له السيادة إلى أن مات.
وهو الأحنف، واسمه الضحّاك بن قيس بن معاوية بن حصين بن حصن ابن عبادة بن النزال بن مرّة بن عبيد بن مقاعس بن عمرو بن كعب بن [سعد بن] زيد مناة بن تميم وقال بعض بنى تميم: حضرت مجلس الأحنف وعنده قوم مجتمعون له فى أمر لهم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنّ الكرم منع الحرم، ما أقرب النقمة من أهل البغى، لا خير فى لذّة تعقب ندما، لم يهلك من اقتصد، ولم يفتقر من زهد، رب هزل قد عاد جدا، من أمن الزمان خانه، ومن تعظّم عليه أهانه، دعوا المزاح فإنه يؤرّث الضغائن، وخير القول ما صدّقه الفعل، احتملوا لمن أدلّ عليكم، واقبلوا عذر من اعتذر إليكم، أطع أخاك وإن عصاك، وصله وإن جفاك، أنصف من نفسك قبل أن ينتصف منك، إيّاكم ومشاورة
النساء، واعلم أنّ كفر النّعم لؤم، وصحبة الجاهل شؤم، ومن الكرم الوفاء بالذّمم، ما أقبح القطيعة بعد الصلة، والجفاء بعد اللّطف، والعداوة بعد الودّ، لا تكوننّ على الإساءة أقوى منك على الإحسان، ولا إلى البخل أسرع منك إلى البذل، واعلم أنّ لك من دنياك ما أصلحت به مثواك، فأنفق فى حقّ، ولا تكن خازنا لغيرك، وإذا كان الغدر موجودا فى الناس فالثّقة بكل أحد عجز؛ اعرف الحقّ لمن عرفه لك، واعلم أنّ قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل.
قال: فما سمعت كلاما أبلغ منه. فقمت وقد حفظته.
ودخل الأحنف على معاوية، ويزيد بين يديه، وهو ينظر إليه إعجابا، فقال:
يا أبا بحر، ما تقول فى الولد؟ فعلم ما أراد، فقال: يا أمير المؤمنين، هم عماد ظهورنا، وثمر قلوبنا، وقرّة أعيننا، بهم نصول على أعدائنا، وهم الخلف منّا بعدنا، فكن لهم أرضا ذليلة، وسماء ظليلة، إن سألوك فأعطهم، وإن استعتبوك وأعتبهم. ولا تمنعهم رفدك فيملّوا قربك، ويستثقلوا حياتك، ويتمنوا وفاتك.
قال: لله درّك يا أبا بحر، هم كما قلت! وزعمت الرواة أنها لم تسمع للأحنف إلّا هذين البيتين:
فلو مدّ سروى بمال كثيرلجدت وكنت له باذلا
فإنّ المروءة لا تستطاعإذا لم يكن مالها فاضلا
وكان يبخّل. وقال لبنى تميم: أتزعمون أنى بخيل! والله إنى لأشير بالرّأى قيمته عشرة آلاف درهم! فقالوا: تقويمك لرأيك بخل. وكان الأحنف من الفضلاء الخطباء النّسّاك، وبه يضرب المثل فى الحلم وقد ذكر للنبى ﷺ فاستغفر له؛ فقد بعث النبى ﷺ رجلا إلى قومه بنى سعد يعرض عليهم الإسلام، فقال الأحنف: إنه يدعوكم
إلى خير، ولا أسمع إلا حسنا. فذكر للنبى ﷺ، فقال: اللهم اغفر للاحنف. وكان الأحنف يقول: ما شىء أرجى عندى من ذلك.
قال عبد الملك بن عمير: قدم إلينا الأحنف، فما رأينا خصلة تذمّ فى رجل إلّا رأيناها فيه، كان أصلع الرأس، متراكب الاسنان، أشدق، مائل الذّقن، ناتئ الوجنتين، باخق العينين، خفيف العارضين، أحنف الرّجلين، وكانت العين تقتحمه دمامة وقلّة رواء، ولكنه إذا تكلّم جلّى عن نفسه. وهو الذى خطب بالبصرة حين اختلفت الأحياء، وتنازعت القبائل؛ فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: يا معشر الأزد [وربيعة]، أنتم إخواننا فى الدين، وشركاؤنا فى الصّهر، وأكفاؤنا فى النسب، وجيراننا فى الدار، ويدنا على العدوّ، والله لأزد البصرة أحبّ إلينا من تميم الكوفة، [ولأزد الكوفة أحبّ إلينا من تميم الشام]، وفى أموالنا وأحلامنا سعة لنا ولكم.
وقد قام خطباء البصرة فى هذا اليوم وتكلّموا وأسهبوا، فلما قام الأحنف أصغت القبائل إليه، وانثالت عليه، وقال الناس: هذا أبو بحر، هذا خطيب بنى تميم، وحضر ذلك الجمع جارية لآل المهلب، فذهبت تروم النظر إليه، فاعتاص ذلك عليها، فأشرفت عليه من دارها، فلما رأته والأبصار خاشعة لكلامه، ورأت دمامة خلقه، وكثرة آفات جوارحه، قالت: فقدت هذه الخلقة ولو افترّت عن فصل الخطاب وذكر المدائنى أنّ الأحنف بن قيس وفد على معاوية رضى الله عنه مع أهل العراق، فخرج الآذن، فقال: إنّ أمير المؤمنين يعزم عليكم ألّا يتكلم أحد إلّا لنفسه، فلما وصلوا إليه قال الأحنف: لولا عزمة أمير المؤمنين لأخبرته أن دافّة دفّت، ونازلة نزلت، ونابتة نبتت، كلهم بهم حاجة إلى معروف أمير المؤمنين وبرّه. قال: حسبك يا أبا بحر، فقد كفيت الشاهد والغائب.
ولما عزم معاوية على البيعة ليزيد كتب إلى زياد أن يوجّه إليه بوفد أهل العراق، فبعث إليه بوفد البصرة والكوفة، فتكلّمت الخطباء فى يزيد، والأحنف ساكت، فلما فرغوا قال: قل يا أبا بحر، فإنّ العيون إليك أشرع منها إلى غيرك. فقام الأحنف فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على نبيه ﷺ، ثم قال: يا أمير المؤمنين؛ إنك أعلمنا بيزيد فى ليله ونهاره، وإعلانه وإسراره، فإن كنت تعلمه لله رضا فلا تشاور فيه أحدا، ولا تقم له الخطباء والشعراء، وإن كنت تعلم بعده من الله فلا تزوّده من الدنيا وترحل أنت إلى الآخرة؛ فإنك تصير إلى يوم يفرّ [فيه] المرء من أخيه، وأمّه وأبيه، وصاحبته وبنيه. قال: فكأنه أفرغ على معاوية ذنوب ماء بارد. فقال له: اقعد يا أبا يحر؛ فإن خيرة الله تجرى، وقضاء الله يمضى، وأحكام الله تنفذ، لا معقّب لحكمه، ولا رادّ لقضائه؛ وإن يزيد فتى قد بلوناه، ولم نجد فى قريش فتى هو أجدر بأن يجتمع عليه منه.
فقال: يا أمير المؤمنين، أنت تحكى عن شاهد، ونحن نتكلّم على غائب، وإذا أراد الله شيئا كان.
قال ابن الرومى:
إن امرأ رفض المكاسب واغتدىيتعلّم الآداب حتى أحكما
فكسا وحلّى كلّ أروع ماجدمن حرّ ما حاك القريض ونظّما
ثقة برعى الاكرمين حقوقهلأحقّ ملتمس بألّا يحرما
قال أبو العباس أحمد بن عبيد الله بن عمّار: ومن نادر شعر أبى الحسن فى هذا المعنى قوله، ووصف إتعاب الشعراء أنفسهم بدءو بهم فى صناعتهم، وما يتصرّم من أعمارهم، وأن إلحاحهم فى طلب ما فى أيدى من أسلفوه مديحهم لو كان رغبة منهم إلى ربّهم كان أجدى عليهم، وأقرب من درك بغيتهم، ونجح طلبتهم، ثم انحرف إلى توبيخ من مدحه فحرمه بأحسن عبارة، وأرضى استعارة، فقال:
للناس فيما يكلفون مغارمعند الكرام لها قضاء ذمام
ومغارم الشعراء فى أشعارهمإنفاق أعمار وهجر منام
وجفاء لذات ورفض مكاسبلو حولفت حرست من الإعدام
وتشاغل عن ذكر ربّ لم يزلحسن الصنائع سابغ الإنعام
من لو بخدمته تشاغل معشرخدموكم أجدى على الخدّام
أفما لذلك حرمة مرعيّةإنّ الكرام إذا لغير كرام
لم أحتسب فيك الثواب بمدحتىإياك يابن أكارم الأقوام
لو كان شعرى حسبة لم أكسهأحدا أحقّ به من الأيتام
لا تقبلنّ المدح ثم تعافهفتنام والشعراء غير نيام
واحذر معرّتهم إذا دنّستهمفلهم أشدّ معرة العرّام
واعلم بأنهم إذا لم ينصفواحكموا لأنفسهم على الحكام
وجناية العادى عليهم تنقضىوعقابهم يبقى مع الأيام
أبو الطيب المتنبى:
ومكايد السفهاء واقعة بهموعداوة الشعراء بئس المقتنى
مات الأحنف بن قيس بالكوفة، فمشى مصعب بن الزبير فى جنازته بغير رداء، وقال: اليوم مات سرّ العرب؛ فلما دفن قامت امرأة على قبره فقالت:
لله درّك من مجن فى جنن، ومدرج فى كفن، نسأل الذى فجعنا بموتك، وابتلانا بفقدك، أن يجعل سبيل الخير سبيلك، ودليل الرّشد دليلك، وأن يوسّع لك فى قبرك، ويغفر لك يوم حشرك؛ فوالله لقد كنت فى المحافل شريفا، وعلى الأرامل
عطوفا، ولقد كنت فى الحىّ مسوّدا، وإلى الخليفة موفدا، ولقد كانوا لقولك مستمعين، ولرأيك متّبعين؛ ثم أقبلت على الناس فقالت: ألا إن أولياء الله فى بلاده، شهود على عباده، وإنى لقائلة حقّا، ومثنية صدقا، وهو أهل لحسن الثناء، وطيب النّثا، أما والذى كنت من أجله فى عدّة، ومن الحياة إلى مدّة، ومن المقدار إلى غاية، ومن الإياب إلى نهاية، الذى رفع عملك، لما قضى أجلك، لقد عشت حميدا مودودا، ومتّ سعيدا مفقودا، ثم انصرفت وهى تقول:
لله درّك يا أبا بحرماذا تغيّب منك فى القبر؟
لله درّك أىّ حشو ثرىأصبحت من عرف ومن نكر
إن كان دهر فيك جرّ لناحدثا به وهنت قوى الصّبر
فلكم يد أسديتها ويدكانت تردّ جرائر الدهر
ثم انصرفت فسئل عنها، فإذا هى امرأته وابنة عمه. فقال الناس: ما سمعنا كلام امرأة قطّ أبلغ ولا أصدق منه.
قال: وكان الأحنف قدم الكوفة فى أيام مصعب بن الزبير، فرآه رجل أعور دميما قصيرا أحنف الرجلين، فقال له: يا أبا بحر؛ بأى شىء بلغت فى الناس ما أرى؛ فوالله ما أنت بأشرف قومك، ولا أجودهم؟! فقال: يا ابن أخى، بخلاف ما أنت فيه! قال: وما هو؟ قال: تركى من أمرك ما لا يعنينى، كما عناك من أمرى ما لا تتركه.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع