تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

من ترجمة العتانى وأدبه وأخباره

والعتابى: هو كلثوم بن عمرو بن الحارث التغلبى، يكنى أبا عمرو، قال أبو عثمان الجاحظ: كان العتّابىّ ممن اجتمع له الخطابة، والبيان، والشعر الجيد، والرسائل الفاخرة، وعلى ألفاظه وحذوه يقول فى البديع جميع من يتكلّف ذلك من شعراء المولدين كنحو منصور النّمرى، ومسلم بن الوليد الأنصارى، وأشباههما، وكان العتابى يحتذى حذو بشّار فى البديع، ولم يكن فى المولدين أجود بديعا من بشار وابن هرمة والعتابى من ولد عمرو بن كلثوم ابن مالك بن عتّاب بن سعد، ولذلك قال:

إنى امرؤ هدم الإقتار مأثرتىواجتاح ما أبدت الايام من خطرى
للشاعر هرم بن عمير التغلبي، اقرأ القصيدة
أنا ابن عمرو بن كلثوم يسوّدهحيّا ربيعة والأحياء من مضر
أرومة عطّلتنى من مكارمهاكالقوس عطّلها الرامى من الوتر
للشاعر هرم بن عمير التغلبي، اقرأ القصيدة

وكان صاحب بديهة فى المنظوم والمنثور، حسن العقل والتمييز، والعرب تقول: من تمنّى رجلا حسن العقل، حسن البيان، حسن العلم، تمنّى شيئا عسيرا.

وقد اجتمع ذلك كله للعتابى.

وعاتبه يحيى بن خالد على لباسه، وكان لا يبالى أى ثوبيه ابتذل! فقال: أبعد الله رجلا مهمّه أن يكون جماله فى لباسه وعطره. إنما ذلك حظّ النساء، وأهل الأهواء، حتى يرفعه أكبراه: همّته، ولبّه، ويعلو به معظماه:

لسانه، وقلبه.

ودخل على الرشيد فقال: تكلّم يا عتّابىّ! فقال: الإيناس قبل الإبساس، لا يمدح المرء بأوّل صوابه، ولا يذمّ بأول خطئه؛ لأنه بين كلام زوّره، أوعى حصره.

وذكر أبو هفّان أنّ الرشيد لقيه بعد قتل جعفر بن يحيى وزوال نعمته، فقال: ما أحدثت بعد يا عتّابى؟ فأنشده ارتجالا:

تلوم على ترك الغنى باهليةطوى الدهر عنها كلّ طرف وتالد
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
رأت حولها النسوان يرفلن فى الكسامنظمة أجيادها بالقلائد
أسرّك أنى نلت ما نال جعفرمن الملك أو ما نال يحيى بن خالد
وأن أمير المؤمنين أغصّنىمغصّهما بالمرهفات البوارد
فإنّ رفيعات المعالى مشوبةبمستودعات فى بطون الأساود

وكان متحرفا عن البرامكة، وفيهم يقول:

إنّ البرامك لا تنفكّ أبحيةبصفحة الدّين من نجواهم ندب
تجرّمت حجج منهم ومنصلهممضرّج بدم الإسلام مختضب
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة

واجتاز عبد الله بن طاهر بالرقة بمنزل العتّابى، فقال: أليس هذا منزل كلثوم ابن عمرو؟ قيل: نعم، فثنى رجله، ودخل إليه، فألفاه جالسا فى بيت كتبه، فحادثه وذاكره، ثم انصرف، فتحدّث الناس فى ذلك، وقالوا: إن الأمير لم يقصده، وإنما اجتاز به فأخطر ذلك الزيارة، فكتب إليه:

يا من أفادتنى زيارتهبعد الخمول نباهة الذكر
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
قالوا الزيارة خطرة خطرتومجاز خطرك ليس بالخطر
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
فادفع مقالتهم بثالثةتستنفد المجهود من شكرى
لا تجعلنّ الوتر واحدةإن الثلاث تتمة الوتر

فبعثته الأبيات إلى أن زاره ثلاثا.

وكان يميل إلى المأمون، فلما خرج المأمون إلى خراسان شيّعه حتى وصل معه إلى سندان كسرى، فقال له المأمون: سألتك بالله يا عتّابى إلا عملت على زيارتنا إن صار لنا من هذا الأمر شىء، فلما ولى المأمون الخلافة، ودخل بغداد سنة أربع ومائتين توصّل إليه العتّابى، فلم يمكنه الوصول، فقال للقاضى يحيى بن أكثم:

إن رأيت أن تعلم أمير المؤمنين بمكانى! فقال: لست بحاجب! قال: قد علمت، ولكنك ذو فضل، وذو الفضل معوان! فقال: سلكت بى غير طريقى! قال:

إن الله تعالى ألحقك بحاه ونعمة، وهما يقيمان عليك بالزيادة إن شكرت، والتغيير إن كفرت، وأنا اليوم لك خير منك لنفسك؛ أدعوك لما فيه زيادة نعمتك، وأنت تأبى ذلك؛ ولكلّ شىء زكاة، وزكاة الجاه بذله للمستعين، فدخل يحيى على المأمون فقال: أجرنى من لسان العتّابى، فلها عنه، ولم يأذن له، فلما طال عليه كتب إليه:

ما على ذلك افترقنا بسندان ولا هكذا عهدنا الإخاء
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
لم أكن أحسب الخلافة يزدادبها ذو الصفاء إلّا صفاء
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ما على ذا كنا افترقنا بسندا»
تضرب الناس بالمثّقفة السّمرعلى غدرهم وتنسى الوفاء
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة

يعرّض بقتله لأخيه على غدره، ونكثه لما عقد الرشيد؛ فلما قرأ المأمون والأبيات أمر أن يدخل عليه. فلما سلم قال: يا عتابى، بلغتنى وفادتك فسرّتنى، وقد كانت بلغتنى وفاتك فساءتنى، وإنى لحرىّ بالغم لبعدك، والسرور بقربك! فقال: يا أمير المؤمنين؛ لو قسم هذا الكلام على أهل الأرض لوسعهم عدلا

وأعجزهم شكرا، وإنّ رضاك لغاية المنى؛ لأنه لا دين إلا بك، ولا دنيا إلا معك، قال: سلنى، قال: يدك بالعطية أطلق من لسانى بالمسألة، فأمر له بخمسين ألفا.

وقال العتابى وودّع جارية له:

ما غناء الحذار والإشفاقوشآبيب دمعك المهراق
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
ليس يقوى الفؤاد منك على الصّدّ ولا مقلتا طليح المآقى
غدرات الأيّام منتزعاتما غنمنا من طول هذا العناق
إن قضى الله أن يكون تلاقبعد ما قد ترين كان تلاق
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
هوّنى ما عليك واقنى حياءلست تبقين لى ولست بباق
أيّنا قدّمت صروف المنايافالذى أخّرت سريع اللّحاق
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
ويد الحادثات رهن بمرّات من العيش مصبرات المذاق
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
غرّ من ظن أن يفوت المناياوعراها قلائد الأعناق
كم صفيّين متّعا باتفاقثم صارا لغربة وافتراق
قلت للفرقدين والليل ملقسود أكنافه على الآفاق
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
ابقيا ما بقيتما سوف يرمىبين شخصيكما بسهم الفراق
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
بينما المرء فى غضارة عيشوصلاح من أمره واتّفاق
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
عطفت شدّة الزمان فأدّتهإلى فاقة وضيق خناق
لا يدوم البقاء للخلقلكنّ دوام البقاء للخلّاق

وقال فى الرشيد:

إمام له كفّ تضم بنانهاعصا الدين ممنوعا من البرى عودها
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
وعين محيط بالبريّة طرفهاسواء عليها قربها وبعيدها
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

وقال فيه:

رعى أمّة الإسلام فهو إمامهاوأدّى إليها الحقّ فهو امينها
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
مقيم بمستنّ الفلاحيث تلتقىطوارق أبكار الخطوب وعونها

وكان منصور النمرى سعى به إلى الرشيد فخافه، فهرب إلى بلد الروم. وله قصائد يعتذر فيها جيدة مختارة، وهو مشبّه فى حسن الاعتذار بالنابغة الذبيانى، ومن جيّد اعتذاره قوله للرشيد، ويقال: بل قالها على لسان. عيسى بن موسى الهاشمى يخاطب الرشيد:

جعلت رجاء العفو عذرا وشبتهبهيبة إمّا غافر أو معاتب
وكنت إذا ما خفت حادث نبوةجعلتك حصنا من حذار النوائب
فأنزل بى هجرانك اليأس بعد ماحللت بواد منك رحب المشارب
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
أظل ومرعاى الجديب مكانهوآوى إلى حافات أكدر ناضب
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
ولم يثن عن نفسى الردى غير أنهاتنوء بباق من رجائك ثائب
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
هى النفس محبوس عليك رجاؤهامقيدة الآمال دون المطالب
وتحت ثياب الصبر منى ابن لوعةبظلّ ويمسى مستلين الجوانب
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
فتى ظفرت منه الليالى بزلّةفأقلعن عنه داميات المخالب
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
حنانيك إنى لم أكن بعت عزّةبذلّ، وأحرزت المنى بالمواهب
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
فقد سمتنى الهجران حتى أذقتنىعقوبة زلاتى وسوء مناقب
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
فهاأنا مقصى فى رضاك، وقابضعلى حدّ مصقول الذبابين قاضب
ومنتزع عما كرهت وجاعلهواك مثالا بين عينى وحاجبى
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة

وفى هذه القصيدة مما يختار أهل الصناعة:

وأشعث مشتاق رمى فى جفونهغريب الكرى بين الفجاج السباسب
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
سحبت له ذيل السّرى وهو لابسدجى الليل حتى مجّ ضوء الكواكب
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
ومن فوق أكوار المهارى لبانةأحل لها أكل الذّرى والغوارب
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
وكلّ فتى عاداته قصر شوقهوطىّ الحشى دون الهموم العوازب
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
يسرّ الهوى لم يبده نعت فرقةصراخا، ولم تسمع به أذن صاحب
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
إذا ادّرع الليل انجلى وكأنّهبقية هندى الحسام المضارب
بركب ترى كسر الكرى فى جفونهموعهد الليالى فى وجوه مشاحب
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة

وقال أيضا:

لو رأتنى بذى المحارة فرداوذراع ابنة الفلاة وسادى
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
أطفىء الحزن بالدموع إذا ماحمة الشوق أثّرت فى فؤادى
خاشع الطرف قد توشّحنى الضرّفلانت له قناة قيادى
ترب بؤس أخا هموم كأنّ الحزن والبؤس وافيا ميلادى
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
وكأنى استشعرت ما لفظ الناس من النائرات والأحقاد
أتصدّى الرّدى وأدّرع الليل بهوجاء فوقها أقتادى
حظّ عينى من الكرى خفقاتبين سرحى ومنحنى أعوادى
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
أوحش الناس جانبىّ فما آنس إلّا بوحدتى وانفرادى
قد رددت الذى به أتقى الناس وأبرزت للزمان سوادى
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
فاستهلّت علىّ تمطرنى الشوق شآبيب مزنة مرعاد
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة

وقال:

أما راع قلب العامرية أننىغدوت ومرجوع السقام قرينى
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة

وقال:

أكاتم لو عات الهوى ويبينهاتخلّل ماء الشوق بين جفونى
ومطروفة الإنسان فى كل لوعةلها نظرة موصولة بحنين

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.