تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

أثر الغناء والجمال

وقال ثمامة بن أشرس: كنت عند المأمون يوما، فاستأذن الغلام لعمير المأمونى فكرهت ذلك، ورأى المأمون الكراهية فى وجهى، فقال: يا ثمامة، ما بك؟

فقلت: يا أمير المؤمنين، إذا غنّانا عمير ذكرت مواطن الإبل، وكثبان الرمل، وإذا غنتنا فلانة انبسط أملى، وقوى جذلى، وانشرح صدرى، وذكرت الجنان والولدان، كم بين أن تغنيك جارية غادة كأنها غصن بان، ترنو بمقلة وسنان؛ كأنما خلقت من ياقوتة، أو خرطت من فضّة، بشعر عكاشة العمّى حيث يقول:

من كفّ جارية كأن بنانهامن فضة قد طرّفت عنّابا
وكأنّ يمناها إذا ضربت بهاتلقى على الكفّ الشمال حسابا

وبين أن يغنيك رجل كثّ اللحية، غليظ الأصابع، خشن الكف، بشعر ورقاء بن زهير حيث يقول:

رأيت زهيرا تحت كلكل خالدفأقبلت أسعى كالعجول أبادره
للشاعر ورقاء بن زهير، من قصيدة «رأيت زهيراً تحت كلكل خالد»

وكم بين أن يحضرك من تشتهى النظر إليه، وبين من لا يقف طرفك عليه؟ فتيسم المأمون، وقال: الفرق بينهما واضح، والمنهج فسيح؛ يا غلام، لا تأذن له، وأحضر أطيب قيناته، فظللنا فى أمتع يوم.

وعكاشة هذا هو عكاشة بن عبد الصمد البصرى، نقىّ الديباجة، ظريف الشعر، وكان شاعرا مجيدا. وقد أخذ معنى قوله أبو العباس الناشىء، وزاد فيه، فقال:

وإذا بصرت بكفها اليسرى حكتيد حاسب تلقي عليك صنوفا
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
فكأنما المضراب فى أوتارهقلم يمجمج فى الكتاب حروفا
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
ويجسّه إبهامها فكأنمافى النّقر تنفى بهرجا وزيوفا
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة

أخذ هذا البيت من قول أبى شجرة السلمى وذكر ناقته:

تطير عنها حصى الظّرّان من بلدكما تنوقد عند الجهبذ الورق

وأصله قول امرىء القيس:

كأنّ صليل المروحين تشذّهصليل زيوف ينتقدن بعبقرا

وقال أبو الفتح كشاجم:

لو لم تحركه أناملهاكان الهواء يعيده نطقا
للشاعر كشاجم، من قصيدة «وكثيرة النغمات تحسبها»
جسّته عالمة بحالتهجسّ الطبيب لمدنف عرقا
للشاعر كشاجم، من قصيدة «وكثيرة النغمات تحسبها»
غنّت فخلت أظنّنى طرباأسمو إلى الأفلاك أو أرقى
وحسبت يمناها تحرّكهرعدا وخلت يسارها برقا

وأنشد الحاتمى لأبى بكر الصولى:

وغناء أرقّ من دمعة الصبّوشكوى المتيم المهجور
يشغل المرء منظر ثم نطقفهو يصغى بظاهر وضمير
صافح السمع بالذى يشتهيهوأذاق النفوس طعم السرور
ليس بالقائل الضعيف إذا ماراض نغما ولا الشنيع الجهير

وقال أبو نواس:

وأهيف مثل طاقة ياسمينله حظّان من دنيا ودين
يحرّك حين يشدو ساكناتفتنبعث الطبائع للسكون

وهذا مليح، يريد حركة الجوانح للغناء، وسكون الجوارح للاستماع وقال الحمدونى يصف عودا:

وناطق بلسان لا ضمير لهكأنه فخذ نيطت إلى قدم
للشاعر الحَمدَوي، اقرأ القصيدة
يبدى ضمير سواه للقلوب كمايبدى ضمير سواه منطق القلم

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.