تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

فى مجالس الخلفاء والملوك والحكماء والأمراء

وقال إبراهيم الموصلى لموسى الهادى، وهو نديمه، وقد غنّاه صوتا فأعجبه: إنّ من كان محلّه من أمير المؤمنين محلّى فى الانبساط وتقدّم النّدام جرأه البسط على الطلب، وبعثته المنادمة على الرجاء، وقد نصب لى أمير المؤمنين بقرّبى منه مشارع الرغبة إليه، وحثّنى محلّى عنده على الكروع فى المنهل بين يديه.

فقال: سل شفاها؛ فإنى جاعل فعلى عن إجابتك إليه حاضرا؛ فسأله ما قيمته خمسون ألف درهم؛ فأمر له بمائة ألف درهم.

ولما ظفر الإسكندر بدارا بن دارا قال له: بم اجترأ عليك صاحب شرطتك؟

قال: بتركى ترهيبه وقت إساءته وتفريطه، وإعطائه وقت الإحسان اليسير من فعله نهاية رغبته. فقال الإسكندر: نعم العون على استصلاح القلوب الموغرة الترغيب بالأموال، وأصلح منه عاجلا الترهيب وقت الحاجة إليه.

وقال الحسن بن سهل: خرج بعض ملوك الفرس متنزّها، فلقى بعض الحكماء، فسأله عن أحزم الملوك، فقال: من ملك جدّه هزله، وقهر لبّه هواه، وأعرب لسانه عن ضميره، ولم يخدعه رضاه عن سخطه، ولا غضبه عن صدقه. فقال الملك: لا، بل أحزم الملوك من إذا جاع أكل، وإذا عطش شرب، وإذا تعب استراح. فقال الحكيم: أيها الملك، قد أجدت الفطنة.

هذا العلم مستفاد أم غريزى؟ قال: كان عندنا معلّم من حكماء الهند، وكان هذا نقش خاتمة. قال: فهل علّمك غير هذا؟ قال: ومن أين يوجد مثل هذا عند رجل واحد؟ ثم قال له الملك: علّمنى من حكمتك أيّها الحكيم قال: نعم، احفظ عنى ثلاث كلمات. قال: ما هنّ؟ قال: صقلك السيف ليس له جوهر من سنخه خطأ، وصبّك الحبّ فى الأرض السّبخة ترجو نباته جهل، وحملك المسنّ على الرياضة عناء.

قال أبو تمّام الطائى:

والسيف ما لم يلف فيه صيقلمن سنخه لم ينتفع بصقال

وقيل لبعض الحكماء: ما الدليل الناصح؟ قال: غريزة الطبع. قيل: ما القائد المشفق؟ قال: حسن المنطق. قيل: فما العناء المعنّى؟ قال: تطبيعك ما لا طبع له.

وكان أنوشروان يقول: الناس ثلاث طبقات تسوسهم ثلاث سياسات:

[طبقة من خاصة الأحرار تسوسهم بالعطف واللّين والإحسان، و] طبقة من خاصة الأشرار تسوسهم بالغلظة والعنف والشدّة، وطبقة من العامة تسوسهم باللين والشدة، لئلا تحرجهم الشدّة، ولا يبطرهم اللّين.

وقال واصل بن عطاء: ألا قاتل الله هذه السفلة! توادّ من حادّ الله ونبيّه، وتحادّ من وادّ الله ونبيّه، وتذمّ من مدحه الله، وتمدح من ذمّه الله؛ على أنه بهم علم الفضل لأهل الطبقة العالية، وبهم أعطيت الأوساط حظّا من النّبل.

وقيل لبعض الملوك، [وقد بلغ فى القدر ما لم يبلغه أحد. من ملوك زمانه]: ما الذى بلغ بك هذه المنزلة؟ قال: عفوى عند قدرتى، ولينى عند شدّتى، وبذلى الإنصاف ولو من نفسى، وإبقائى فى الحب والبغض مكانا لموضع الاستبدال.

وقال الإسكندر لأحد الحكماء، وأراد سفرا: أرشدنى لأحزم أمرى.

قال: لا تملأنّ قلبك من محبّة الشىء، ولا يستولينّ عليك بغضه، واجعلهما قصدا؛ فإن القلب كاسمه ينزع ويرجع، واجعل وزيرك التثبت، وسميرك التيقّظ، ولا تقدم إلّا بعد المشورة؛ فإنها نعم الدليل، فإذا فعلت ذلك ملكت قلوب رعيّتك.

وقيل لبعض الحكماء ما الحزم؟ قال: سوء الظن قيل: فما الصواب؟ قال:

المشورة. قيل: فما الرأى الذى يجمع القلوب على المودّة؟ قال: كفّ بذول، وبشر جميل. قيل: فما الاحتياط؟ قال: الاقتصاد فى الحبّ والبغض.

وسئل بزرجمهر: ما المروءة؟ قال: ترك ما لا يعنى. قيل: فما الحزم؟ قال:

انتهاز الفرصة. قيل: فما الحلم؟ قال: العفو عند المقدرة. قيل: فما الشدة؟ قال:

ملك الغضب. قيل: فما الخرق؟ قال: حب مغرق؛ وبغض مفرط.

قال معاوية رضى الله عنه لزياد حين ولّاه العراق: يا زياد؛ ليكن حبّك وبغضك قصدا؛ فإن العثرة فيهما كامنة، واجعل للنزوع والرجوع بقيّة من قلبك، واحذر صولة الانهماك، فإنها تؤدى إلى الهلاك.

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.