من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
عفو الملوك
وعتب المأمون على بعض خاصته، فقال: يا أمير المؤمنين، إن قديم الحرمة وحديث التوبة يمحوان ما بينهما من الإساءة. قال: صدقت، وعفا عنه.
وكان في ملوك فارس ملك عظيم المملكة، شديد النقمة، فقرّب له صاحب المطبخ طعامه، فنقطت نقطة من الطعام على المائدة، فزوى له الملك وجهه، وعلم صاحب المطبخ أنّه قاتله، فعمد إلى الصّحفة فكفأها على المائدة ثم ولّى، فقال له الملك: ما حملك على ما فعلت، وقد علمت أن سقوط النّقطة أخطأت بها يدك ولم يجربها تعمّدك، فما عندك في الثانية؟ قال: استحيت للملك أن يوجب قتلى، ويبيح دم مثلى، فى سنّى وحرمتى، وقديم اختصاصى وخدمتى، فى نقطة أخطأت بها يدى، فأردت أن يعظم ذنبى ليحسن بالملك قتلى.
قال: لئن كان اعتذارك ينجيك من القتل، فليس ينجيك من التأديب؛ اجلدوه مائة جلدة، واخلعوا عليه خلع الرّضا.
وخرج بهرام جور متصيدا فعنّ له حمار وحش، فأتبعه حتى صرعه، وقد انقطع عن أصحابه، فنزل عن فرسه يريد ذبحه، وبصر براع فقال: أمسك علىّ فرسى، وتشاغل بذبح الحمار، وحانت منه التفاتة، فنظر إلى الراعى يقطع جوهر عذار فرسه، فحوّل بهرام جور وجهه وقال: تأمّل العيب عيب، وعقوبة
من لا يستطيع الدفاع عن نفسه سفه، والعفو من أفعال الملوك، وسرعة العقوبة من أفعال العامة.
ثم قال: يا غلام، ما بال شريانك يضطرب لعلّك آذاك تكسيرنا أرضك بحوافر خيلنا، فقال: نعم، وقد عزمت على أن أنقلع مائة فرسخ، فقال بهرام:
لا ترع؛ فهذا الموضع وما فيه لك، وكان الراعى خبيثا، فقال: إن الملوك إذ قالت قولا تمّت على قولها، فرجع بهرام إلى عسكره وقال: اتبعنى لأوثّق لك من هذه الأرض، فاتّبعه، فلما بصر به الوزير قال: أيها الملك السعيد، إنى لأرى جوهر عذار فرسك مقلّعا، فتبسم وقال: أخذه من لا يردّه، ورآه من لا ينمّ به، فمن أخذه صاحبنا ولا نطالبه به.
نقل ابن الرومى قول بهرام: «تأمل العيب عيب» كما اتفق موزونا فقال:
تأمّل العيب عيبما في الذى قلت ريب
وكلّ خير وشرّدون العواقب غيب
ورب جلباب همّفيه من الصّنع جيب
لا تحقرنّ سييباكم قاد خيرا سييب
أخذ البيت الأخير من قول الطائى:
ربّ قليل غدا كثيراكم مطر بدؤه مطير
وقوله:
لا تزيلن صغير همّك وانظركم بذى الأثل دوحة من قضيب
وقد أعاد ابن الرومى قوله:
وكلّ خير وشردون العواقب غيب
فى قصيدته التي مدح بها أحمد بن محمد بن ثوابة حين ساوره، وقال: لو أتى لبيد لتعجّب منه، فاستجز له وقال:
ولمّا دعانى للمثوبة سيّديرى المدح عارا قبل بذل المثاوب
تنازعنى رغب ورهب كلاهماقوىّ، وأعيانى طلوع المعايب
فقدّمت رجلا رغبة في رغيبةوأخّرت رجلا رهبة للمعاطب
أخاف على نفسى وأرجو مفازهاوأستار غيب الله دون العواقب
ألا من يرينى غايتى قبل مذهبىومن أين والغايات بعد المذاهب
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع