من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من بديع ما قيل في العتاب
وقال سعيد بن حميد يعاتب بعض إخوانه:
أفلل عتابك فالبقاء قليلوالدّهر يعدل تارة ويميل
لم أبك من زمن ذممت صروفهإلّا بكيت عليه حين يزول
ولكلّ نائبة ألّمت مدّةولكل حال أقبلت تحويل
والمنتمون إلى الإخاء جماعةإن حصّلوا أفناهم التحصيل
ولعل أحداث المنيّة والرّدىيوما ستصدع بيننا وتحول
فلئن سبقت لتبكينّ بحسرةوليكثرنّ علىّ منك عويل
ولتفجعنّ بمخلص لك وامقحبل الوفاء بحبله موصول
ولئن سبقت- ولا سبقت- ليمضينمن لا يشاكله لدىّ خليل
وليذهبنّ بها كلّ مروءةوليفقدنّ جمالها المأهول
وأراك تكلف بالعتاب وودّناضاف عليه من الوفاء دليل
ودّ بدا لذوى الإخاء جمالهوبدت عليه بهجة وقبول
ولعل أيام الحياة قليلةفعلام يكثر عتبنا ويطول
وقال أيضا:
لقد ساءنى أن ليس لى عنك مذهبولا لك عن سوء الخليقة مرغب
أفكر في ودّ تقادم بينناوفي دونه قربى لمن يتقرّب
وأنت سقيم الودّ رثّ حبالهوخير من الودّ السقيم التجنّب
تسىء وتأبى أن تعقّب بعدهبحسنى، وتلقانى كأنى مذنب
وأحذر إن جازيت بالسوء والقلىمقالة أقوام هم منك أنجب
أساء اختيارا أو عرته ملالةفعاد يسىء الظنّ أو يتعتّب
فخبت من الودّ الذى كان بينناكما خاب راجى البرق والبرق خلّب
وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
إلى كم يكون الصّدّ في كل ساعةولم لا تملّنّ القطيعة والهجرا؟
رويدك! إنّ الدهر فيه بقيّةلتفريق ذات البين فانتظر الدّهرا
آخر:
ولقد علمت فلا تكن متجنّباأنّ الصدود هو الفراق الأوّل
حسب الأحبّة أن يفرّق بينهمصرف الزمان، فما لنا نستعجل؟
آخر:
ذر النفس تأخذ وسعها قبل بينهافمفترق جاران دارهما العمر
ويقرب من المعنى قول المتنبى أيضا:
زوّدينا من حسن وجهك مادام فحسن الوجوه حال يحول
وصلينا نصلك في هذه الدّنيا فإنّ المقام فيها قليل
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع