من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من ابن العميد إلى بعض إخوانه (٢)
وكتب أبو الفضل محمد بن العميد إلى بعض إخوانه:
أنا أشكو إليك- جعلنى الله فداك- دهرا خؤونا غدورا، وزمانا خدوعا غرورا، لا يمنح ما يمنح إلا ريث ما ينتزع، ولا يبقى فيما يهب إلا ريث ما يرتجع، يبدو خيره لمعا ثم ينقطع، ويحلو ماؤه جرعا ثم يمتنع. وكانت منه شيمة مألوفة، وسجيّة معروفة، أن يشفع ما يبرمه بقرب انتقاض، ويهدى لما يبسطه وشك انقباض، وكنا نلبسه على ما شرط، وإن خان وقسط؛ ونرضى على الرغم بحكمه، ونستئمّ بقصده وظلمه، ونعتدّ من أسباب المسرة ألّا يجىء محذوره مصمتا بلا انفراج، ولا يأتى مكروهه صرفا بلا مزاج، ونتعلّل بما نختلسه من غفلاته، ونسترقه من ساعاته.
وقد استحدث غير ما عرفناه سنّة مبتدعة، وشريعة متّبعة، وأعدّ لكل صالحة من الفساد حالا، وقرن بكلّ خلّة من المكروه خلالا. وبيان ذلك- جعلنى الله فداك- أنه كان يقنع من معارضته الإلفين، بتفريق ذات البين، فقد أنثنى ممنوّا فيك بجميع ما أوغره، وما أطويه من البلوى منك أكثر مما أنشره، وأحسبنى قد ظلمت الدهر بسوء الثناء عليه، وألزمته جرما لم يكن قدره بما يحيط به، وقدرته ترتقى إليه، ولو أنك أعنته وظاهرته، وقصدت صرفه وآزرته، وبعتنى بيع الخلق وليس فيمن زاد ولكن فيمن نقص، ثم أعرضت عنى إعراض غير مراجع، واطّرحتنى اطراح غير مجامل؛ فهلّا وجدت نفسك أهلا للجميل حين لم تجدنى هناك، وأنفذت من جلّ ما عقدت من غير جريمة، ونكثت ما عهدت من غير جريرة، فأجبنى عن واحدة منهما؛ ما هذا التّغالى بنفسك،
والتّعالى على صديقك؟ ولم نبذتنى نبذ النّواة، وطرحتنى طرح القذاة؟ ولم تلفظنى من فيك، وتمجّنى من خلقك؟ وأنا الحلال الحلو، والبارد العذب، كيف لا تخطرنى ببالك خطرة، وتصيّرنى من أشغالك مرة؛ فترسل سلاما إن لم تتجشم مكاتبة، وتذكرنى فيمن تذكر إن لم تكن مخاطبة؟ وأحسب كتابى سيرد عليك فتنكره حتى تتثبّت، ولا تجمع بين اسم كاتبه وتصوّر شخصه حتى تتذكّر؛ فقد صرت عندك ممن محا النسيان صورته من صدرك، واسمه من صحيفة حفظك، ولعلك أيضا تتعجب من طمعى فيك وقد تولّيت، واستمالتى لك وقد أبيت، ولا عجب فقد يتفجّر الصّخر بالماء الزلال، ويلين من هو أقسى منك قلبا فيعود إلى الوصال، وآخر ما أقوله أنّ ودّى وقف عليك، وحبس في سبيلك، ومتى عدت إليه وجدته غضّا طريّا، فجرّبه في المعاودة فإنه في العود أحمد.
اجتليت هذا الكلام على اختيار الاختصار.
حلّ قوله «فقد يتفجر الصخر بالماء الزلال» من قول ابن الرومى:
يا شبيه البدر في الحسن وفي بعد المنالجد فقد تنفجر الصّخرة بالماء الزّلال
وفي هذه الرسالة في ذكر فتح وإن لم يستبق منه المعنى:
وقد خصنا الله تعالى معاشر عبد الأمير عضد الدولة بنعمة يعلو مراتب النعم موقعها، ويفوت مقدار المواهب موضعها، فباسمه- أبقاه الله- فتح الفتح، وبشعاره استنزل النّجح، وبيمن نقييته فرج الكرب، وبسعادة جدّه كشف الخطب، وباهتزازه للدولة وحمايته عاد إليها ماؤها، وراجعها بهاؤها، فعزّ الملك ونصر، وذلّ العدو وقهر، وحميت أطراف الدولة، وحفظت أكناف المّلة، واستجدّ نظام النعمة، وسدلت ستور الصيانة دون الحرمة؛ ولو جعل المولى- تقدّس اسمه- لنعمته إذا تناهت على عبيده جزاء غير الإخلاص في شكره، وقبل ما في مقابلة الموهبة التي بستجدها عند خلقه غير
الإغراق في حمده، لرأيت ألّا أقتصر في قضاء حقه على بعض الملك دون بعض، ولجعلت في صدر ما أبذل عن هذه النعمة الأعزّين: الأهل والولد، والأنصرين:
الساعد والعضد، بل العميدين: القلب والكبد؛ بل النفس كلها، والمهجة بأسرها.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع