من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
بين جميل وعمر بن أبى ربيعة
اجتمع جميل بن معمر العذرى بعمر بن أبى ربيعة المخزومى، فأنشده جميل وتصيدته التي أولها:
لقد فرح الواشون أن صرمت حبلىبثينة أو أبدت لنا جانب البخل
يقولون: مهلا يا جميل، وإنّنىلأقسم مالى عن بثينة من مهل
خليلىّ فيما عشتما هل رأيتماقتيلا بكى من حبّ قاتله قبلى
نقله أبو العتاهية، فقال:
يا من رأى قبلى قتيلا بكىمن شدّة الوجد على القاتل
فلما أتمّها قال لعمر: يا أبا الخطاب، هل قلت في هذا الروىّ شيئا؟ قال:
نعم، ثم أنشده:
جرى ناصح بالود بينى وبينهافعرّضنى يوم الحصاب إلى قتلى
فما أنس م الأشياء لا أنس قولهاوموقفها يوما بقارعة النخل
فلما تواقفتا عرفت الذى بهاكمثل الذى بى حذوك النّعل بالنّعل
فسلّمت واستأنست خيفة أن يرىعدوّ مكانى أو يرى حاسد فعلى
وأقبل أمثال الدّمى يكتنفنهاوكلّ يفدّى بالمودّة والأهل
فقالت وأرخت جانب السّتر: إنمامعى فتكلّم غير ذى رقبة أهلى
فقلت لها: ما بى لهم من ترقّبولكنّ سرّى ليس يحمله مثلى
فاستخذى جميل وصاح: هذا والله الذى طلبت الشعراء فأخطأته، فتعلّلوا بوصف الديار، ونعت الأطلال.
ولما مات عمر بن أبى ربيعة نعى لامرأة من مولّدات مكة، وكانت بالشام، فبكت وقالت: من لأباطح مكة؟ ومن يمدح نساءها، ويصف محاسنهن، ويبكى طاعتهن؟! فقيل لها: قد نشأ فتى من ولد عثمان بن عفان على طريقته، فقالت: أنشدونى له، فأنشدوها:
وقد أرسلت في السر ليلى بأن أقمولا تقربنّا فالتجنّب أجمل
لعلّ العيون الرامقات لوصلناتكذب عنّا أو تنام فتغفل
أناس أمنّاهم فبثوا حديثنافلما كتمنا السرّ عنهم تقوّلوا
فما حفظوا العهد الذى كان بينناولا حين همّوا بالقطيعة أجملوا
فتسلّت وقالت: هذا أجلّ عوض، وأفضل خلف، فالحمد لله الذى خلف على حرمه وأمته مثل هذا.
وقال عروة بن أذينة: أنشدت ابن أبى عتيق للعرجى:
فما ليلة عندى وإن قيل ليلةولا ليلة الأضحى ولا ليلة الفطر
بعادلة الإثنين، عندى وبالحرىيكون سواء مثلها ليلة القدر
وما أنس م الأشياء لا أنس قولهالجارتها: قومى سلى لى عن الوتر
فجاءت تقول الناس في ست عشرةولا تعجلى عنه فإنك في أجر
فقال ابن أبى عتيق: هذه أفقه من ابن أبى شهاب؛ أشهدكم أنّها حرّة من مالى إن أجاز أهلها ذلك.
والعرجىّ هو عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان، وكان ينزل بعرج الطائف فنسب إليه، وهو القائل:
هل في ادّكارى الحبيب من حرجأم هل لهمّ الفؤاد من فرج
أم كيف أنسى مسيرنا حرمايوم حللنا بالنّخل من أمج
يوم يقول الرسول قد أذنتفات على غير رقبة فلج
أقبلت أهوى إلى رحالهمأهدى إليها بريحها الأرج
وكان محمد بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم واليا على مكة- وهو خال هشام بن عبد الملك- بلغه أنّ العرجىّ هجاه، فضربه ضربا مبرحا، وأقامه على أعين الناس، فجعل يقول:
سيغضب لى الخليفة بعد رقّىويسأل أهل مكة عن مساقى
علىّ عباءة برقاء ليستمن البلوى تجاوز نصف ساقى
وتغضب لى بأسرتها قصىّولاة الشعب والطّرق العماق
فخلف محمد بن هشام ألا يخرجه ما دامت له ولاية؛ فأقام في السجن سبع سنين حتى مات، وهو القائل في سجنه:
أضاعونى وأىّ فتى أضاعواليوم كريهة وسداد ثغر
وخلّونى ومعترك المناياوقد شرعت أسنّتهم لنحرى
كأنى لم أكن فيهم وسيطاولم تك نسبتى في آل عمرو
أجرّر في الجوامع كلّ يومألا لله مظلمتى وهصرى
عسى الملك المجيب لمن دعاهسينجينى فيعلم كيف شكرى
فأجزى بالكرامة أهل ودّىوأجزى بالضغائن أهل ضرّى
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع