من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
قطعة من رسالة أجاب بها أبو الخطاب الصابى
عن أبى العباس بن سابور إلى الحسين بن صبرة عن رقعة وردت منه في صفة حمل أهداه وصلت رقعتك، ففضضتها عن خطّ مشرق، ولفظ مونق، وعبارة مصيبة، ومعان غريبة، واتساع في البلاغة يعجز عنه عبد الحميد في كتابته، وقسّ وسحبان فى خطابته؛ وتصرف بين جدّ أمضى من القدر، وهزل أرقّ من نسيم السّحر، وتقلّب في وجوه الخطاب، الجامع للصّواب؛ إلا أنّ الفعل قصّر عن القول، لأنك ذكرت حملا، جعلته بصفتك جملا، فكان المعيدىّ الذى تسمع به ولا أن تراه. وحضر فرأيت كبشا متقادم الميلاد، من نتاج قوم عاد، قد أفنته الدّهور، وتعاقبت عليه العصور، فظننته أحد الزّوجين اللذين جعلهما نوح في سفينته، وحفظ بهما جنس الغنم لذرّيته؛ صغر عن الكبر، ولطف عن القدم، فبانت دمامته، وتقاصرت قامته، وعاد ناحلا ضئيلا، باليا هزيلا، بادى السّقام، عارى العظام، جامعا للمعايب، مشتملا على المثالب، يعجب العاقل من حلول الحياة به، وتأتّى الحركة فيه، لأنه عظم مجّلد، وصوف ملبّد، لا تجد فوق عظامه سلبا، ولا تلقى يدك منه إلا خشبا، لو ألقى إلى السّبع لأباه، ولو طرح للذئب لعافه وقلاه، قد طال للكلأ فقده، وبعد بالمرعى عهده، لم ير القتّ إلا نائما، ولا عرف الشعير إلا حالما، وقد خيّرتنى بين أن أقتنيه فيكون فيه غنى
الدهر، أو أذبحه فيكون فيه خصب الرّحل؛ فملت إلى استبقائه لما تعرف من محبتى في التوفير، ورغبتى للتّثمير، وجمعى للولد، وادّخارى لغد، فلم أجد فيه مستمتعا للبقاء، ولا مدفعا للفناء؛ لأنه ليس بأنثى فتحمل، ولا بفتى فينسل، ولا بصحيح فيرعى، ولا بسليم فيبقى؛ فملت إلى الثانى من رأييك، وعوّلت على الآخر من قوليك، وقلت: أذبحه فيكون وظيفة للعيال، وأقيمه رطبا مقام قديد الغزال، فأنشدنى وقد أضرمت النار، وحدّت الشّفار، وشمّر الجزّار:
أعيذها نظرات منك صادقةأن تحسب الشّحم فيمن شحمه ورم
وقال: ما الفائدة لك في ذبحى؟ وأنا لم يبق منى إلا نفس خافت، ومقلة إنسانها باهت: لست بذى لحم، فأصلح للأكل؛ لأن الدهر قد أكل لحمى، ولا جلدى يصلح للدّباغ؛ لأن الأيام قد مزّفت أديمى، ولا لى صوف يصلح للغزل؛ لأن الحوادث قد حصّت وبرى؛ فإن أردتنى للوقود فكفّ بعر أبقى من نارى، ولن تفى حرارة جمرى بريح قتارى، فلم يبق إلا أن تطلبنى بذحل أو بينى وبينك دم. فوجدته صادقا في مقالته، ناصحا في مشورته، ولم أعلم من أى أمريه أعجب؛ أمن مماطلته للدهر بالبقاء، م من صبره على الضرّ واللأواء، أم من قدرتك عليه مع إعواز مثله، أم من تأهيلك للصدبق به مع خساسة قدره؟
ويا ليت شعرى إذ كنت- وإليك سوق الغنم، وأمرك ينفذ في الضأن والمعز، وكلّ كبش سمين وحمل بطين مجلوب إليك، مقصور عليك- تقول فيه قولا فلا تردّ، وتريده فلا تصدّ، وكانت هديتك هذا الذى كأنه ناشر من القبور، أو قائم عند النفخ في الصور، فما كنت مهديا لو أنك رجل من عرض الكتّاب، كأبى علىّ وأبى الخطّاب، ما كنت تهدى إلا كلبا أجرب، أو قردا أحدب.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع