من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
الأمين والمأمون
ولما عقد الرشيد البيعة للأمين وهو أصغر من المأمون لأجل أمّه زبيدة، وكلام أخيها عيسى بن جعفر، وقدّمه على المأمون، جعل يرى فضل عقله فيندم على ذلك، فقال:
لقد بان وجه الرّأى لى غير أنّنىغلبت على الأمر الذى كان أحزما
فكيف يرد الدر في الضّرع بعدماتوزّع حتى صار نهبا مقسّما
أخاف التواء الأمر بعد استوائهوأن ينقض الحبل الذى كان أبرما
قال أسد بن يزيد بن مزيد: بعث إلىّ الفضل بن الربيع بعد مقتل عبد الرحمن الأنبارى، قال: فأتيته وهو في صحن داره، وفي يده رقعة قد غضب لما نظر فيها، وهو يقول: ينام نوم الظّربان، وينبه انتباه الذئب، همّته بطنه، ولذّته فرجه، لا يفكّر في زوال نعمة، ولا يتروّى في إمضاء رأى ولا مكيدة، قد شمّر له عبد الله عن ساقه، وفوّق له أسدّ سهامه، يرميه على بعد الدار بالحتف النافذ والموت القاصد، قد عبّى له المنايا على متون الخيل، وناط له البلاء في أسنّة الرماح وشفار السيوف، ثم تمّثل بشعر البعيث:
يقارع أتراك ابن خاقان ليلهإلى أن يرى الإصباح لا يتلعثم
فيصبح في طول الطّراد وجسمهنحيل، وأضحى في النعيم أصمّم
فشتان ما بينى وبين ابن خالدأميّة في الرّزق الذى الله يقسم
ثم قال: يا أبا الحارث، أنا وأنت نجرى إلى غاية إن قصّرنا عنها ذممنا، وإن اجتهدنا في بلوغها انقطعنا؛ وإنما نحن شعبة من أصل، إن قوى قوينا، وإن ضعف ضعفنا؛ إن هذا الرجل قد ألقى بيده إلقاء الأمة الوكفاء: يشاور النساء، ويعتمد على الرؤيا، وقد أمكن أهل اللهو والخسارة من سمعه؛ فهم يمنّونه الظّفر، ويعدونه عواقب الأيام؛ والهلاك إليه أسرع من السيل إلى قيعان الرّمل؛ وقد خشيت أن نهلك بهلاكه، ونعطب بعطبه، وأنت فارس العرب وابن فارسها، وقد فزع إليك في لقاء طاهر لأمرين: أحدهما صدق طاعتك، وفضل نصيحتك؛ والثانى يمن نقيبتك، وشدّة بأسك؛ وقد أمرنى أن أبسط يدك، غير أنّ الاقتصاد رأس النصحية، ومفتاح البركة؛ فبادر ما تريد، وعجّل النهضة، فإنى أرجو أن يوليك الله شرف هذا الفتح، ويلم بك شعث الخلافة.
فقلت له: أنا لطاعتك وطاعة أمير المؤمنين مقدم، ولما وهن عدوّ كما مؤثر؛ غير أنّ المحارب لا يفتتح أمره بتقصير؛ وإنما ملاك أمره الجنود، والجنود لا تكون بلا مال، وقد رفع أمير المؤمنين الرغائب إلى قوم لم يجدوا عليه، ومتى سمت من أقدر به الانتفاع له الرضا بدون ما أخذه غيره ممن لم يكن عنده غناء ولا معونة، لم ينتظم بذلك التدبير، وأحتاج لأصحابى رزق سنة قبضا، وحملا إلى ألف فرس لحمل من لا أرتضى فرسه، وإلى مال أستظهر به، لا ألام على وضعه حيث رأيت. فقال: شاور أمير المؤمنين؛ فأدخلنى عليه، فلم تدر بينى وبينه كلمتان حتى أمر بحبسى.
ويروى أن الأمين لما أعيته مكايد طاهر قال:
بليت بأشجع الثقلين نفساتزول الراسيات وما يزول
له مع كل ذى بدن رقيبيشاهده ويعلم ما يقول
فليس بمغفل أمرا عناهإذا ما الأمر ضيّعه الجهول
وفي الفضل بن الربيع يقول بعض الشعراء:
كم من مقيم ببغداد على طمعلولا رجاء أبى العباس لم يقم
البدر إن نظروا، والبحر إن رغبواوالحصن إن رهبوا، والسيف ذو النّقم
وقال عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع: ما مدحنا شاعر بشعر أحب إلينا من قول أبى نواس:
ساد الملوك ثلاثة ما منهمإن حصّلوا إلا أعز قريع
ساد الربيع وساد فضل بعدهوعلت بعبّاس الكريم فروع
عباس عباس إذا احتدم الوغىوالفضل فضل والربيع ربيع
وقيل للعتابى: أمدحت أحدا؟ قال: لا، وليس لى على ذاك قدرة، فقيل له:
فقد مدحت الربيع، فقال: ذلك ليوم يستحقّ فيه المدح، فقلت:
ومعضلة قام الربيع إزاءهاليعمد ركن الدّين لما تهدّما
بمكة والمنصور رهن كما أتىأخا الوحى داعى ربّه فتقدّما
غداة عداة الدين شاحذة المدىإليه وغول الحرب فاغرة فما
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع