من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
فى مجلس المبرد
قال أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه: قال لى البحترى وقد اجتمعنا على خلوة عند المبرد وسلكنا مسلكا من المذاكرة: أشعرت أنى سبقت الناس كلهم إلى قولى:
شقائق يحملن النّدى فكأنّهدموع التّصابى في خدود الخرائد
كأن يد الفتح بن خاقان أقبلتتليها بتلك البارقات الرّواعد
هكذا أنشد، فاستحسن ذلك المبرد استحسانا أسرف فيه، وقال: ما سمعت مثل هذه الألفاظ الرّطبة، والعبارة العذبة، لأحد تقدّمك ولا تأخّر عنك. فاعترته أريحيّة جرّبها رداء العجب؛ فكأنه أعجبنى ما يعجب الناس من مراجعة القول؛ فقلت: يا أبا عبادة، لم تسبق إلى هذا، بل سبقك سعيد بن حميد الكاتب إلى البيت الأول بقوله:
عذب الفراق لنا قبيل وداعناثم اجترعناه كسمّ ناقع
وكأنما أثر الدموع بخدّهاطلّ تساقط فوق ورد يانع
وشركك فيه صديقنا أبو العباس الناشىء بما أنشدنيه آنفا:
بكت للفراق وقد راعنىبكاء الحبيب لبعد الديار
كأنّ الدموع على خدّهابقية طلّ على جلّنار
وما أساء على بن جريج، بل أحسن في زيادته عليك بقوله:
لو كنت يوم الوداع شاهدناوهنّ يطفين غلة الوجد
لم تر إلّا دموع باكيةتسفح من مقلة على خدّ
كأنّ تلك الدموع قطر ندىيقطر من نرجس على ورد
وسبقك أبو تمام إلى معنى البيتين معا بقوله:
من كل زاهرة ترقرق بالنّدىفكأنها عين إليه تحدّر
تبدو ويحجبها الجميم كأنهاعذراء تبدو تارة وتخفّر
خلق أطلّ من الربيع كأنّهخلق الإمام وهديه المتنشّر
فى الأرض من عدل الإمام وجودهومن الربيع الغضّ سرح يزهر
ينسى الربيع وما يروّض جودهأبدا على مرّ الليالى يذكر
قال: فشقّ ذلك عليه، وحلّ حبوته ونهض، فكان آخر عهدى بمؤانسته وغلظ ذلك على محمد بن يزيد، وقدح ذلك في حالى عنده.
وقال البحترى يمدح الهيثم بن عثمان الغنوى:
ألست ترى مدّ الفرات كأنهجبال شرورى جئن في البحر عوّما
وما داك من عاداته غير أنهرأى شيمة من جاره فتعلّما
وقد نبّه النّوروز في غبش الدّجىأوائل ورد كنّ بالأمس نوّما
يفتّحها برد النّدى فكأنهيبثّ حديثا بينهنّ مكتّما
ومن شجر ردّ الربيع لباسهعليه كما نشّرت بردا منمنما
أحلّ فأبدى للعيون بشاشةوكان قذى للعين مذ كان محرما
فما يمنع الراح التي أنت خلّهاوما يمنع الأوتار أن تترنّما
وما زلت خلّا للنّدامى إذا اغتدواوراحوا بدورا يستحثون أنجما
تكرّمت من قبل الكئوس عليهمفما اسطعن أن يحدثن فيك تكرّما
حيّتك عنا شمال طاف طائفهابجنّة فجرت راحا وريحان
هبّت سحيرا فناجى الغصن صاحبهسرّا بها وتداعى الطّير إعلانا
ورق تغنّى على خضر مهدّلةتسمو بها وتمسّ الأرض أحيانا
تخال طائرها نشوان من طربوالغصن من هزّه عطيه نشوانا
ولابن المعتز في أرجوزته البستانية التى ذم فيها الصّبوح صفة جامعة، إذ قال:
أما ترى البستان كيف نوّراونشّر المنثور بردا أصفرا
وضحّك الورد إلى الشقائقواعتنق الورد اعتناق الوامق
فى روضة كحلية العروسوخدّم كهامة الطاوس
وياسمين في ذرى الأغصانمنظم كقطع العقيان
والسّرو مثل قصب الزّبرجدقد استمدّ الماء من ترب ند
على رياض وثرى ندىّوجدول كالبرد الحلىّ
وفرّج الخشخاش جيبا وفتقكأنّه مصاحف بيض الورق
أو مثل أقداح من البلورتخالها تجسّمت من نور
بعضه عريان من أثوابهقد خجل اليابس من أصحابه
تبصره عند انتشار الوردمثل الدبابيس بأيدى الجند
والسّوسن الآزار منشور الحللكقطن قد مسّه بعض بلل
نوّر في حاشيتى بستانهودخّل الميدان في ضمانه
وقد بدت فيه ثمار الكنكركأنها جماجم من عنبر
وحلّق البهار بين الآسجمجمة كهامة الشّمّاس
خلال شيح مثل شيب النّصفوجوهر من زهر مختلف
وجلّنار كاحمرار الوردأو مثل أعراف ديوك الهند
والأقحوان كالثنايا الغرّقد صقّلت أنواره بالفطر
وقال أبو الفتح كشاجم:
وروض عن صنيع الغيث راضكما رضي الصّديق عن الصديق
إذا ما القطر أسعده صبوحاأتمّ له الصنيعة في الغبوق
يعير الرّيح بالنفحات ريحاكأنّ ثراه من مسك فتيق
كأنّ الطّلّ منتشرا عليهبقايا الدّمع في خدّ مشوق
كأنّ غصونه سقيت رحيقافمالت مثل شرّاب الرّحيق
كأنّ شقائق النعمان فيهمخصّرة شقائق من عقيق
يذكّرنى بنفسجه بقاياصنيع اللّطم في الخدّ الرّقيق
وقال:
غيث أتانا مؤذنا بالخفضمتّصل الوبل سريع الرّكض
دنا فخلناه دوين الأرضمتّصلا بطوله والعرض
إلفا إلى إلف بسرّ يفضىثم سما كاللؤلؤ المرفضّ
فالأرض تجلى بالنبات الغضّفى حليها المحمرّ والمبيضّ
من سوسن أحوى وورد غضّمثل الخدود نقّشت بالعضّ
وأقحوان كاللّجين المحضونرجس ذاكى النسيم بضّ
مثل العيون رنّقت للغمضترنو فيغشاها الكرى فتغضى
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع