من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
الورد والنرجس
وقال على بن العباس الرومى:
خجلت خدود الورد من تفضيلهخجلا تورّدها عليه شاهد
لم يخجل الورد المورّد لونهإلّا وناحله الفضيلة عاند
للنرجس الفضل المبين إذا بدابين الرياض طريفه والتّالد
وكان ابن الرومى متعصبا للنرجس، كثير الذمّ للورد، وكتب إلى أبى الحسن ابن المسيب:
أدرك ثقاتك إنّهم وقعوافى نرجس معه ابنة العنب
فهم بحال لو بصرت بهاسبّحت من عجب ومن عجب
ريحانهم ذهب على درروشرابهم درّ على ذهب
فى روضة شتويّة رضعتدرّ الحيا حلبا على حلب
واليوم مدجون فحرّتهفيه بمطّلع ومحتجب
ظلت تسامرنا وقد بعثتضوءا يلاحظنا بلا لهب
وكان كسرى أنو شروان مستهترا بالنّرجس، وكان يقول: هو ياقوت أصفر، بين درّ أبيض، على زمرّد أخضر. نقله بعض المحدثين فقال:
وياقوتة صفراء في رأس درّةمركّبة في قائم من زبرجد
كمثل بهىّ الدّرّ عقد نظامهانثير فرند قد أطاف بعسجد
كأنّ بقايا الطّل في جنباتهابقية دمع فوق خدّ مورّد
رجع ابن الرومى:
فصل القضية أنّ هذا قائدزهر الرّبيع وأنّ هذا طارد
شتّان بين اثنين: هذا موعدبتصرّم الدنيا، وهذا واعد
فإذا احتفظت به فأمتع صاحببحياته، لو أنّ حيّا خالد
ينهى النديم عن القبيح بلحظهوعلى المدامة والسّماع يساعد
اطلب بعقلك في الملاح سميّهأبدا؛ فإنك لا محالة واجد
والورد إن فتّشت فرد في اسمهما في الملاح له سمىّ واحد
هذى النجوم هي التي ربّينهابحيا السحاب كما يربّى الوالد
فانظر إلى الولدين، من أدناهماشبها بوالده فذاك الماجد
أين الخدود من العيون نفاسةورياسة، لولا القياس الفاسد
وقد ناقضه جماعة من البغداديين وغيرهم في هذا المذهب، وذهبوا إلى تفضيل الورد؛ فما دانوه وما استطاعوه.
قال أحمد بن يونس الكاتب رادّا عليه:
يا من يشبّه نرجسا بنواظردعج، تنبّه إنّ فهمك راقد
إنّ القياس لمن يصحّ قياسه،بين العيون وبينه متباعد
والورد أصدق للخدود حكايةفعلام تجحد فضله يا جاحد
ملك قصير عمره مستأهلتخليده، لو أنّ حيّا خالد
إن قلت إنّ الورد فرد في اسمهما في الملاح له سمىّ واحد
فالشمس تفرد باسمها والمشترىوالبدر يشرك في اسمه وعطارد
أو قلت إنّ كواكبا ربينهابحيا السّحاب كما يربّى الوالد
قلنا أحقّهما بطبع أبيه فيالجدوى هو الزّاكى النجيب الرّاشد
زهر النّجوم تروقنا بضيائهاولها منافع جمة وعوائد
وكذلك الورد الأنيق يروقناوله فضائل جمّة وفوائد
وخليفه إن غاب ناب بنفعهوبنفحه أبدا مقيم راكد
إن كنت تنكر ما ذكرنا بعد ماوضحت عليه دلائل وشواهد
فانظر إلى المصفرّ لونا منهماوافطن فما يصفرّ إلّا الحاسد
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع