من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
رزق الحمقى والعقلاء
قال ابن الرومى:
يا ليت أهل البيت إذ حرمواعصموا من الشهوات والفتن
لكنهم حرموا وما عصموافقلوبهم مرضى من الحزن
وهم أطبّ على بليّتهممن غيرهم بمضاضة الشّجن
وقال جعفر بن محمد: إن الله وسّع أرزاق الحمقى ليعتبر العقلاء، ويعلموا أنّ الدنيا لا ينال ما فيها بعقل ولا حيلة؛ ألا إنّ كسب المال بالحظّ، وحفظه بالعقل.
قال إبراهيم بن سيّار النظام: الذهب لئيم؛ لأنّ الشكل يصير إلى شكله، وهو عند اللئام أكثر منه عند الكرام. قال المتنبى- وأخذ هذا المعنى:
وشبه الشىء منجذب إليهوأشبهنا بدنيانا الطّغام
وكان النظام له نظر بوجوه التصرف، وكان السلطان يصله بالكثير، وكان محظوظا؛ فإذا اجتمع له مال حبس لنفسه بلغة، وفرّق الباقى في أبواب المعروف؛ فقيل له في ذلك، فقال: من حقّ المال علىّ أن أطلبه من معدنه، وأصيب به الفرصة عند أهله؛ ومن حقّى عليه أن يقينى السوء بنفسه، ويصون عرضى
بابتذاله، ولا يفعل ذلك إلا بأن أسمح به؛ ألا ترى ذا الغنى؛ ما أدوم نصبه، وأقلّ راحته، وأخسّ من ماله حظّه، وأشدّ من الأيام حذره، وأغرى الدهر بثلبه ونقصه، ثم هو بين سلطان يرعاه، وذوى حقوق يسبّونه، وأكفاء ينافسونه، وولد يريدون فراقه، قد بعث عليه الغنى من سلطانه العناء، ومن أكفائه الحسد، ومن أعدائه البغى، ومن ذوى الحقوق الذمّ، ومن الولد الملال، وذو البلغة قنع فدام له السرور، ورفض الدنيا فسلم من المحذور، ورضى بالكفاف فتنكّبته الحقوق.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع