من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
أدب الحاجب
قال بعض الملوك لحاجبه: إنك عينى التي أنظر بها، وجنّتى التي أستنيم إليها؛ وقد ولّيتك بابى، فما نراك صانعا برعيّتى؟
قال: أنظر إليهم بعينك، وأحملهم على قدر منازلهم عندك، وأضعهم لك فى إبطائهم عن بابك ولزومهم خدمتك مواضع استحقاقهم، وأرتّبهم حيث جعلهم ترتيبك، وأحسن إبلاغك عنهم، وإبلاغهم عنك.
قال: قد وفيت بما عليك قولا، إن وفيت به فعلا؛ والله ولىّ كفايتك ومعونتك.
قال المهدى للفضل بن الربيع: إنى قد ولّيتك ستر وجهى وكشفه، فلا تجعل الستر بينى وبين خواصّى سببا لضغنهم بقبح ردّك، وعبوس وجهك؟
وقدّم أبناء الدعوة؛ فإنهم أولى بالتقديم، وثنّ بالاولياء، واجعل للعامة وقتا إذا دخلوا أعجلهم ضيقه عن التلبّث، وصرفهم عن التمكّث.
وقال الحسن بن سهل: إذا كان الملك محتجبا عن الرعيّة، ولم ينزل الوزير نفسه منزلة تكون وسائل الناس إليه أنفسهم واستحقاقهم دون الشفاعات والحرمات، حتى يختصّ الفاضل دون المفضول، ويرتّب الناس على أقدارهم وأوزانهم ومعرفتهم، امتزج التدبير، واختلّت الأمور، ولم يميزّ بين الصدور والاعجاز، والنواصى والأذناب، وكان الناس فوضى، ووهت أسباب الملك، وانتقضت مرائره، وشاعت سرائره، وإنّ أقرب ما أرجو به صلاح ما أتولّاه استماعى من المتنّسمين بأنفسهم، المتوسلين بأفهامهم، المتوصّلين بكفايتهم، وابتذال نفسى لهم، وصبرى عليهم، وتصفحى ما توسلوا به وانتحلوه: من العقول والآداب، والحماية والكفاية. فمن ثبتت له دعواه أنزلته تلك المنزلة، ولم أتحيّفه حقّه، ولا نقصته حظّه، ومن قصّر عما ادّعى كانت منزلته منزلة المقصرين، ولم أخيّب أمله من مقدار ما يستحقّه.
وقال بعض البلغاء: إذا أسدل الوالى على نفسه ستر الحجاب، وهي عمود تدبيره؛ واسترخت عليه حمائل الحزم، وازدلفت إليه وفود الذمّ، وتولّى عنه رشد الرّاجى، ونال أموره خلل الانتشار، وآفة الإهمال، وتسرّع إليه العائبون بلواذع ألسنتهم ودبيب قوارضهم.
وحجب سعيد بن عبد الملك عن عبيد الله بن سليمان فكتب إليه: سرت إلى بابك- أعزّك الله- عند ما حدث من أمرك، فلم يقض لقاؤك، وعلمت أنّ
ثقتك بما عندى، قد مثّلت لك حالى من السرور بنعمة الله عندك، وأرتك موضعى من الاعتداد بكل ما خصّك ووصل إليك، فوكلت العذر إلى ذلك.
ثم إنّا نأتيك متيمّنين بطلعتك، مشتاقين إلى رؤيتك، فيحجبنا عنك ملاحظ.
وهو كما علمت زنيم الصنيعة، لئيم الطبيعة، يحجب عنك الكرام، ويأذن عليك للّئام، كلما نجمت له يد بيضاء، أتبعها يدا سوداء؛ فإن رأيت- أعزّك الله- أن تصرفه عن باب مكارمك فعلت، إن شاء الله.
وقال أبو السمط بن أبى حفصة:
فتى لا يبالى المدلجون بنورهإلى بابه ألّا تضىء الكواكب
له حاجب في كلّ خير يعينهوليس له عن طالب العرف حاجب
أخذ البيت الأول من قول جده مروان بن أبى حفصة الأكبر:
إلى المصطفى المهدىّ خاضت ركابنادجى الليل يخبطن السّريح المخدّما
يكون لها نور الإمام محمددليلا به تسرى إذا الليل أظلما
وقال إدريس بن أبى حفصة، وذكر إبلا:
لها أمامك نور تستضىء بهومن رجائك في أعناقها حادى
لها أحاديث من ذكراك تشغلهاعن الرّتوع وتلهيها عن الزّاد
وأصله قول عمرو بن شأس الأسدى:
إذا نحن أدلجنا وأنت أمامناكفى لمطايانا بوجهك هاديا
أليس يزيد العيس خفّة أذرع،وإن كنّ حسرى، أن تكون أماميا
وقال بعض أهل العصر:
وليل وصلنا بين قطريه بالسّرىوقد جدّ شوق مطمع في وصالك
أربّت علينا من دجاه حنادسأعدن الطريق النهج وعر المسالك
فناديت يا أسماء، باسمك، فانجلتوأسفر منها كلّ أسود حالك
بنا أنت من هاد نجونا بذكرهوقد نشبت فينا أكفّ المهالك
منحتك إخلاصى وأصفيتك الهوىوإن كنت لمّا تخطرينى ببالك
وقال القطامى:
ذكرتكم ليلا فنوّر ذكركمدجى الليل حتى انجاب عنه دياجره
فو الله ما أدرى أضوء مسجّرلذكراكم أم يسجر الليل ساجره
وقال القينى:
وإنى من القوم الذين هم همإذا مات منهم سيّد قام صاحبه
نجوم سماء كلما انقضّ كوكببدا كوكب تأوى إليه كواكبه
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههمدجى الليل حتى نظّم الجزع ثاقبه
وقال الحطيئة:
نمشى على ضوء أحساب أضأن لناكما أضاءت نجوم اللّيل للسّارى
وقد ردّده في موضع آخر فقال:
هم القوم الذين إذا ألّمتمن الأيام مظلمة أضاءوا
وكلام القاسم بن حنبل المدنى من هذا، حيث يقول:
من البيض الوجوه بنى سنانلو انك تستضىء بهم أضاءوا
فلو أنّ السماء دنت لمجدومكرمة دنت لهم السّماء
هم حازوا من الشّرف المعلّىومن كرم العشيرة حيث شاءوا
وقال بعض المتقدمين:
إذا أشرقت في جنح ليل وجوههمكفوا خابط الظلماء فقد المصابح
وإن ناب خطب أو ألّمت ملمّةفكم ثمّ من آسى جراح وجارح
وقال أبو بديل الوضاح بن محمد التيمى في المستعين:
وقائلة والليل قد نشر الدّجىفغطّى بها ما بين سهل وقردد
أرى بارقا يبدو من الجوسق الذىبه حلّ ميراث النبىّ محمد
أضاءت له الآفاق حتى كأنمارأينا بنصف الليل نور ضحى غد
فظلّ عذارى الحىّ ينظمن تحتهسلوكا من الجزع الذى لم يسرّد
فقلت: هو البدر الذى تعرفونهوإلا يكن فالنّور من وجه أحمد
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع