من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
المقامة الجاحظية مقامة من إنشاء البديع تتعلق بذكر الجاحظ]
قال: حدثنا عيسى بن هشام قال: جمعتنى مع رفقة وليمة، وأجبت إليها للحديث المأثور فيها عن رسول الله ﷺ: «لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدى الىّ ذراع لقبلت»، فأفضى بنا المسير إلى دار قد فرش بساطها، وبسطت أنماطها، ومدّ سماطها، وقوم قد أخذوا الوقت بين آس مخضود، وورد منضود، ودنّ مفصود، وناى وعود؛ فصرنا إليهم وصاروا إلينا، ثم عكفنا على خوان قد ملئت حياضه، ونوّرت رياضه، واصطفت جفانه، واختلفت ألوانه؛ فمن حالك بإزائه ناصع، ومن قان في تلقائه فاقع، ومعنا على الطعام رجل تسافر يده على الخوان، وتسفر بين الألوان، وتأخذ وجوه الرّغفان، وتفقأ عيون الجفان، وترعى أرض الجيران؛ يزحم اللقمة باللقمة، ويهزم المضغة بالمضغة، وهو مع ذلك ساكت لا ينبس، ونحن في الحديث نجرى معه حتى وقف بنا على ذكر الجاحظ وخطابته، ووصف ابن المقفّع وذرابته، ووافق أول الحديث آخر الخوان، وزلنا عن ذلك المكان، فقال الرجل: أين أنتم من الحديث الذى فيه كنتم، فأخذنا في وصف الجاحظ ولسنه، وحسن سننه في الفصاحة وسننه فيما عرفناه؛ فقال: يا قوم؛ لكلّ عمل رجال، ولكل مقام مقال، ولكل دار سكّان، ولكل زمان جاحظ، ولو انتقدتم، لبطل ما اعتقدتم، فكلّ كشر له عن ناب الإنكار، وشمّ بأنف الإكبار، وضحكت إليه، لأجلب ما لديه، وقلت: أفدنا وزدنا، فقال:
إنّ الجاحظ في أحد شقى البلاغة يقطف؛ وفي الآخر يقف، والبليغ من لم يقصّر نظمه عن نثره، ولم يزر كلامه بشعره، فهل تروون
للجاحظ شعرا رائعا؟ قلنا: لا، قال: فهلمّوا إلى كلامه؛ فهو بعيد الإشارات، قريب العبارات، قليل الاستعارات، منقاد لعريان الكلام يستعمله، نفور من معتاصه يهمله، فهل سمعتم له بكلمة غير مسموعة، أو لفظة غير مصنوعة؟
فقلت: لا، فقال: هل تحبّ أن تسمع من الكلام ما يخفّف عن منكبيك، وينمّ على ما في يديك؟ فقلت: إى والله، قال: فأطلق لى عن خنصرك ما يعين على شكرك، فأنلته ردائى، فقال:
لعمر الذى ألقى إلىّ ثيابهلقد كسبت تلك الثياب به مجدا
وقد قمرته راحة الجود بزةفما ضربت قدحا ولا نصبت نردا
أعد نظرا يا من كسانى ثيابهولا تدع الأيام تهدمنى هدّا
وقل للألى إن أسفروا أسفروا ضحىوإن طلعوا في غمّة طلعوا وردا
صلوا رحم العليا وبلوا لهاتهافخير النّدى ما سحّ وابله نقدا
قال عيسى بن هشام: فارتاحت الجماعة إليه، وانثالت الصّلات عليه، وقلت لما تآانسنا: من أين مطلع هذا البدر؟ فقال:
إسكندرية دارىلو قرّ فيها قرارى
لكنّ ليلى بنجدوبالحجاز نهارى
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع