تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

بين الجاحظ وابن الزيات

قال الجاحظ: تشاغلت مع الحسن بن وهب أخى سليمان بن وهب بشرب النبيذ أياما، فطلبنى محمد بن عبد الملك لمؤانسته، فأخبر باتصال شغلى مع الحسن ابن وهب، فتنكّر لى، وتلوّن علىّ؛ فكتبت إليه رقعة نسختها: أعاذك الله من سوء الغضب، وعصمك من سرف الهوى، وصرف ما أعارك من القوّة إلى حبّ الإنصاف، ورجّح في قلبك إيثار الاناة، فقد خفت- أيّدك الله! -

أن أكون عندك من المنسوبين إلى نزق السفهاء، ومجانبة سبل الحكماء، وبعد، فقد قال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت:

وإن امرأ أمسى وأصبح سالمامن الناس إلا ما جنى لسعيد

وقال الآخر:

ومن دعا الناس إلى ذمّهذمّوه بالحقّ وبالباطل
للشاعر ابن قنبر المازني، اقرأ القصيدة

فإن كنت اجترأت عليك- أصلحك الله! - فلم اجترئ إلا لأنّ دوام تغافلك عنى شبيه بالإهمال، الذى يورث الإغفال، والعفو المتتابع يؤمن من المكافأة، ولذلك قال عيينة بن حصن بن حذيفة لعثمان ﵀: عمر كان خيرا لى منك، أرهبنى فأتقانى، وأعطانى فأغنانى، فإن كنت لا تهب عقابى- أيدك الله! - لخدمة فهبه لأياديك عندى؛ فإنّ النعمة تشفع في النّقمة، وإلا تفعل ذلك لذلك فعد إلى حسن العادة، وإلّا فافعل ذلك لحسن الأحدوثة؛ وإلافات ما أنت أهله من العفو دون ما أنا أهله من استحقاق العقوبة، فسبحان من جعلك تعفو عن المتعمّد، و؟؟؟ من؟؟؟ المصر، حتى إذا صرت إلى من هفوته ذكر، وذنبه نسيان، ومن لا يعرف الشكر إلّا لك، والإنعام إلا منك هجمت عليه بالعقوبة. واعلم- أيّدك الله! - أنّ شين غضبك علىّ كزين صفحك عنى، وأنّ موت ذكرى مع انقطاع سببى منك كحياة ذكرك مع اتصال سببى بك، واعلم أنّ لك فطنة عليم، وغفلة كريم، والسلام.

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.