من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
الطيرة والزّجر
قال أبو حية النميرى:
جرى يوم رحنا عامدين لأرضناسنيح، فقال القوم: مرّ سنيح
فهاب رجال منهم فتعيفوافقلت لهم: جارى إلىّ ربيح
عقاب بأعقاب من الدار بعد مانأت نأية بالظاعنين طريح
وقالوا: حمامات، فحمّ لقاؤهاوطلح فنيلت والمطىّ طليح
وقال صحابى: هدهد فوق بانة،هدى وبيان بالنجاح يلوح
وقالوا: دم، دامت مواثيق بينناودام لنا حلوا الصفاء صريح
لعيناك يوم البين أسرع واكفامن الفنن الممطور وهو مروح
ونسوة شحشاح غيور يخفنهأخى ثقة يلهون وهو مشيح
يقلن، وما يدرين أنّى سمعتهوهنّ بأبواب الخيام جنوح:
أهذا الذى غنّى بسمراء موهناأتاح له حسن الغناء متيح
إذا ما تغنّى أنّ من بعد زفرةكما أنّ من حرّ السلاح جريح
وقائلة: يا دهم ويحك! إنهعلى ما به من عنّة لمليح
فلو أنّ قولا يجرح الجلد قد بدابجلدى من قول الوشاة قروح
وهذا من غريب الزّجر مليح التفاؤل.
قال أبو العباس محمد بن يزيد: أنشدنى أعرابىّ في قصيدة ذى الرمة التي وّلها:
ألا يا اسلمى يا دارمىّ على البلىولا زال منهلّا بجرعائك القطر
يبتين لم يروهما الرواة في ديوانه، وهما:
رأيت غرابا ساقطا فوق قضبةمن القضب لم ينبت لها ورق خضر
فقلت: غراب لاغتراب، وقضبةلقضب النوى هذى العيافة والزّجر
وقال آخر:
دعا صرد يوما على غصن بانةوصاح بذات البين منها غرابها
فقلت: أتصريد وشحط وغربة؟فهذا لعمرى نأيها واغترابها
وقد أكثرت العرب من ذكر الطّيرة، والزّجر، وكانت تقتدى بذلك وتجرى على حكمه، حتى ورد النّهى في سنة رسول الله ﷺ فقال:
لا عدوى ولا طيرة، وقد قال الأول:
لعمرك ما تدرى الضّوارب بالحصىولا زاجرات الطّير ما الله صانع
وقال ضابئ بن الحارث البرجمى:
وما عاجلات الطير، تدنى من الفتىنجاحا ولا عن ريثهنّ يخيب
ولا خير فيمن لا يوطّن نفسهعلى نائبات الدّهر حين تنوب
وربّ أمور لا تضيرك ضيرةوللقلب من مخشاتهنّ وجيب
وقال الكميت بن زيد الأسدى:
ولا أنا ممن يزجر الطير همّهأصاح غراب أم تعرّض ثعلب
ولا السانحات البارحات عشيةأمرّ سليم القرن أم مرّ أعضب
وقال شاعر قديم:
لا يمنعنّك من بغاء الخير تعقاد التّمائم
ولا التشاؤم بالعطاس ولا التّيامن بالمقاسم
فلقد غدوت وكنت لاأغدو على واق وحاتم
فإذا الأشائم كالأيامن والأيامن كالأشائم
وكذاك لا خير ولاشرّ على أحد بدائم
قد خطّ ذلك في الزّبور الأوّليّات القدائم
ولقد أحسن ابن كناسة في رثاء ولده يحيى، أنشده أبو العباس ثعلب:
تيمّمت فيه الفأل حتى رزئتهولم أدر أن الفال فيه يفيل
فسمّيته يحيى ليحيا؛ فلم يكنإلى ردّ أمر الله فيه سبيل
وروى المدائنى قال: خرج كثيّر من الحجاز يريد مصر، فلما قرب منها نزل بمنزل، فإذا هو بغراب على شجرة بان ينتف ريشه وينعب؛ فأسرع الرحيل، ومضى لوجهه؛ فلقيه رجل من بنى نهد، فقال: يا أخا الحجاز؛ مالى أراك كاسف اللون؟ قال: ما علمت إلا خيرا، قال: فهل رأيت في طريقك شيئا أنكرته؟ قال: لا والله إلا في منزلى هذا، فإنى رأيت غرابا ينتف ريشه على بانة وينعب. قال: أما إنك تطلب حاجة لا تدركها.
فقدم مصر والناس منصرفون من جنازة عزة، فقال:
رأيت غرابا ساقطا فوق بانةينتّف أعلى ريشه ويطايره
فقلت- ولو أنى أشاء زجرتهبنفسى- للنهدىّ: هل أنت زاجره؟
فقال: غراب لاغتراب من النوىوفي البان بين من حبيب تجاوره
فما أعيف النهدىّ، لا درّ درّه!وأزجره للطير، لا عزّ ناصره
ثم أتى قبر عزة فأناخ به ساعة ثم رحل، وهو يقول:
أقول ونضوى واقف عند رأسهاعليك سلام الله والعين تسفح
فهذا فراق الحق لا أن تزيرنىبلادك فتلاء الذراعين صيدح
وقد كنت أبكى من فراقك حيّةوأنت لعمرى اليوم أنأى وأنزح
وقال جرير:
بان الخليط برامتين فودّعواأو كلّما نعبوا لبين تجزع
إن السّوانح بالضّحى هيّجننىفى دار زينب والحمام الوقع
وقال عوف الراهب خلاف هذا:
غلط الذين رأيتهم بجهالةيلحون كلّهم غرابا ينعق
ما الذنب إلّا للأباعر؛ إنهامما يشتّ جميعهم ويفرّق
إنّ الغراب بيمنه تدنو النّوىوتشتّت الشمل الجميع الأينق
وقد تبعه في هذا المذهب أبو الشيص فقال:
ما فرّق الأحباب بعدالله إلّا الإبل
والناس يلحون غراب البين لمّا جهلوا
وما على ظهر غراب البين تطوى الرّحل
ولا إذا صاح غراب في الديار احتملوا
وما غراب البين إللا ناقة أو جمل
وما أملح ما قال القائل:
زعموا بأنّ مطيهم عون النوىوالمؤذنات بفرقة الأحباب
ولو أنها حتفى لما أبغضتهاولها بهم سبب من الأسباب
وكان على بن العباس الرومى مفرط الطّيرة، شديد الغلوّ فيها. قال علىّ بن عبد الله بن المسيب: وكان يحتجّ لها، ويقول: إن النبى ﷺ كان يحبّ الفأل، ويكره الطّيرة؛ أفتراه كان يتفاءل بالشىء، ولا يتطيّر من ضدّه؟
ويقول: إن النبى ﷺ مرّ برجل وهو يرحل ناقة ويقول:
يا ملعونة، فقال لا يصحبنا ملعون، وإن عليا ﵁ كان لا يغزو غزاة والقمر في العقرب، ويزعم أنّ الطيرة موجودة في الطباع قائمة فيها، وأنّ بعض الناس هي في طباعهم أظهر منها في بعض، وأن الأكثر في الناس إذا لقى ما يكرهه قال: على وجه من أصبحت اليوم؟.
فدخل علينا يوم مهرجان سنة ثمان وسبعين وقد أهدى إلىّ عدة من جوارى القيان، وكانت فيهنّ صبيّة حولاء، وعجوز في إحدى عينيها نكتة، فتطيّر من ذلك، ولم يظهر لى أمره، وأقام باقى يومه؛ فلما كان بعد مدة يسيرة سقطت ابنة لى
من بعض السطوح، وجفاه القاسم بن عبيد الله؛ فجعل سبب ذلك المعنيين المغنيتين، وكتب إلىّ:
أيها المتحفى بحول وعورأين كانت عنك الوجوه الحسان
قد لعمرى ركبت أمرا مهيناساءنى فيك أيها الخلصان
فتحك المهرجان بالحول والعور أرانا ما أعقب المهرجان
كان من ذاك فقدك ابنتك الحرّةمصبوغة بها الاكفان
وتجافى مؤمّل لى جليللجّ فيه الجفاء والهجران
وعزيز علىّ تقريع خلّلا يدانيه عندى الخلّان
غير أنى رأيت إذكاره الحزم وإشعاره شعارا يصان
لا تهاون بطيرة أيّهاالنظار واعلم بأنها عنوان
قف إذا طيرة تلقّتك وانظرواستمع ثمّ ما يقول الزّمان
قلما غاب من أمورك عنوان مبين وللزّمان لسان
لا تكن بالهوى تكذّب بالأخبارحتى تهين مالا يهان
لا يقدك الهوى إلى نصرة الاخبارحتى يقدّم البرهان
إن عقبى الهوى هوىّ، وعقبىطول تلك المهوّنات هوان
لا تصدق عن النبيين إلّابحديث يلوح فيه البيان
خبّر الله أنّ مشأمة كانت لقوم وخبّر القرآن
أفزور الحديث تقبل أم ماقاله ذو الجلال والفرقان؟
أترى من يرى البشير بشيرايمترى في النذير يا وسنان
فدع الهزل والتضاحك بالطيرةوالنصح مثمن مجّان
وقد فرّق حذّاق أهل النظر في المقال، بين الطيرة والفال، فقالوا: الطيرة كانت العرب ترجع إلى ما تمضيها، وتجرى على تقضيها، وكان الذى يهمّ بهم إذا ما رأى ما يتطير منه رجع عنه؛ وفي ذلك ما يصرف عن الإحالة على المقادير
الجارية بيد ممضيها، النازلة على حكم قاضيها، والفأل لا يردّ المريد عما يريد إنما يقوّى منّته، ويسرّ مهجته؛ وليس هذا موضع تطويل، فى إيراد الدليل.
وفي جفاء القاسم بن عبيد الله إياه يقول معاتبا:
ألم ترنى أقرضتك الودّ طائعاولم تر قبلى معسرا قطّ أقرضا
لعمرى لقد صوّرت أبيض مشرقافلم لا ترينى وجه نعماك أبيضا
فيا ويح مولاك استغاث بمشربفأشرق فاستشفى شفاء فأفرضا
ولولا اعتقادى أنك الخير كلهلأزمعت توديعا، قضى الله ما قضى
وإنى وإن دارت علىّ دوائرلأعرض عمّن صدّ عنى وأعرضا
وما زلت عرّافا إذا الزاد رابنىبخبث وعيّافا إذا الماء عرمضا
وهذا البيت كقول الآخر:
وإنى للماء المخالط للقذىإذا كثرت ورّاده لعيوف
وفي ابنة المسيبى يقول ابن الزومى يعزّيه:
أخا ثقتى أعزز علىّ بنكبةمناك بها صرف القضاء المقدّر
صبت، وما للمرء من حكم ربّهمحيد، وأمر الله أعلى وأقهر
وقد مات من لا يخلف الدهر مثلهعليك من الأسلاف والحقّ يبهر
تعزيت عمن أثمرتك حياتهووشك التعزى عن ثمارك أجدر
لأن اختيال الدهر في ابن وفي ابنةيسير وكرّ الدهر شيخيك أعسر
تعذّر أن نعتاض من أمهاتناوآبائنا، والنسل لا يتعذّر
فلا تهلكن حزنا على ابنة جنةمضت وهي عند الله تحيا وتحبر
لعلّ الذى أعطاك ستر حياتهاكساها من اللّحد الذى هو أستر
فكم من أخى حرية قد رأيتهبنار ذوى الأصهار يكوى ويصهر
فلا تتهم لله فيها ولايةولا نظرا فالله للعبد أنظر
وأنت وإن أبصرت رشدك مرةفذو النظر الأعلى برشدك أبصر
ومن مليح تعازيه عن ابنة قوله لعلىّ بن يحيى المنجم:
لا تبعدنّ كريمة أودعتهاصهرا من الأصهار لا يخزيكا
إنى لأرجو أن يكون صداقهامن جنة الفردوس ما يرضيكا
لا تيأسنّ لها فقد زوّجتهاكفؤا وضمّنت الصّداق مليكا
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع