من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من طرف الأدب
وعلى ذكر قوله: «إنّ وما عليها قال أبو عبيدة: وفد عبد الله بن الزّبير الأسدى على عبد الله بن الزّبير بن العوام فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ بينى وبينك رحما من قبل فلانة الكاهلية؛ هى أختنا، وقد ولدتكم، وأنا ابن فلان؛ فلانة عمّتى. فقال ابن الزبير: هذا كما ذكرت، وإن فكّرت فى هذا أصبت، الناس كلهم يرجعون إلى أب واحد، وأم واحدة.
فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ نفقتى قد ذهبت. قال: ما كنت ضمنت لأهلك أنها تكفيك إلى أن ترجع إليهم. قال: يا أمير المؤمنين؛ إن ناقتى قد نقبت ودبرت. فقال له: أنجد بها يبرد خفّها، وارقعها بسبت، واخصفها بهلب، وسر عليها البريدين. قال: يا أمير المؤمنين، إنما جئتك مستحملا، ولم آتك مستوصفا لعن الله ناقة حملتنى إليك. قال ابن الزبير: إنّ وراكبها! فخرج وهو يقول:
أرى الحاجات عند أبى خبيبنكدن، ولا أميّة فى البلاد
من الاعياص أو من آل حربأغرّ كغرّة الفرس الجواد
ومالى حين أقطع ذات عرقإلى ابن الكاهلية من معاد
وقلت لصحبتى أدنوا ركابىأفارق بطن مكّة فى سواد
فبلغ شعره هذا عبد الله بن الزبير، فقال: لو علم أنّ لى أمّا أخسّ من عمته الكاهلية لنسبنى إليها، وكان ابن الزبير يكنى أبا بكر وأبا خبيب.
قال الصولى: أخذ المعتصم من محمد بن عبد الملك الزيات فرسا أشهب أحمّ، كان عنده مكينا، وكان به ضنينا، فقال يرثيه:
قالوا: جزعت، فقلت: إنّ، مصيبةجلّت رزّيتها، وضاق المذهب
قال أبو بكر: هكذا أنشدنيه ابن المعتز على أن (إنّ) بمعنى نعم، وأنشد النحويون:
قالوا: كبرت، فقلت: إن، وربماذكر الكبير شبابه فتطرّبا
كيف العزاء وقد مضى لسبيلهعنّا فودّعنا الأحمّ الأشهب
دبّ الوشاة فباعدوه، وربمابعد الفتى وهو الحبيب الأقرب
لله يوم غدوت فيه ظاعناوسلبت قربك، أىّ علق أسلب؟
نفسى مقسّمة أقام فريقهاومضى لطيّته فريق يجنب
الآن إذ كملت أداتك كلهاودعا العيون إليك حسن معجب
وغدوت طنّان اللّجام كأنمافى كل عضو منك صنج يضرب
وكأنّ سرجك، إذ علاك، غمامةوكأنما تحت الغمامة كوكب
أنساك؟ لا زالت إذا منسيةنفسى، ولا برحت بمثلك تنكب
أضمرت منك اليأس حين رأيتنىوقوى حبالى من حبالك تقضب
يا صاحبىّ لمثل ذا من أمرهصحب الفتى في دهره من يصحب
إن تسعدا فصنيعة مشكورةأو تخذلا فصنيعة لا تذهب
عوجا فقولا: مرحبا، وتزوّدانظرا، وقلّ لمن تحبّ المرحب
منع الرقاد جوى تضمّنه الحئىمما أكابده وهمّ منصب
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع