من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
فقر للنبيذيين
ما جمشت الدنيا بأظرف من النبيذ، ما للعقار والوقار. إنما العيش مع الطّيش، الراح ترياق سمّ الهمّ. النبيذ ستر فانظر مع من تهتكه. اشرب النبيذ ما استبشعته، فإذا استطبته فدعه. لولا أنّ المخمور يعلم قصّته لقدّم وصيّته.
الصاحى بين السكارى كالحىّ بين الموتى: يضحك من عقلهم، ويأكل من نقلهم. أحمق ما يكون السّكران إذا تعاقل. التبذل على النبيذ ظرف، والوقار عليه سخف، حدّ السّكران أن تغرب الهموم، ويظهر السرّ المكتوم.
وقال الحسن بن وهب لرجل رآه يعبس عند الشراب: ما أنصفتها، تضحك فى وجهك، وتعبس في وجهها.
وقال الطائى:
إذا ذاقها، وهي الحياة، رأيتهيعبّس تعبيس المقدّم للقتل
وقد أحسن الشيخ صدر الدين حيث قال:
وأن أقطّب وجهى حين تبسم لىفعند بسط الموالى يحفظ الأدب
وترك رجل النبيذ، فقيل له: لم تركته، وهو رسول السرور إلى القلب؟
قال: ولكنه رسول بأس يبعث إلى الجوف فيذهب إلى الرأس.
وقيل لبعضهم: ما أصبّك بالخمر! فقال: إنها تسرج في يدى بنورها، وفي قلبى بسرورها كأنّ الناشىء نظر إلى هذا الكلام فقال:
راح إذا علت الأكفّ كئوسهافكأنها من دونها في الرّاح
وكأنما الكاسات مما حولهامن نورها يسبحن في ضحضاح
لو بثّ في غسق الظلام ضياؤهاطلع المساء بغرّة الإصباح
نفضت على الأجسام ناصع لونهاوسرت بلذّتها إلى الأرواح
البيت الأول كقول البحترى:
يخفى الزجاجة ضوءها، فكأنهافى الكفّ قائمة بغير إناء
وللناشىء في هذا المعنى:
ومدامة يخفى النهار لنورهاونذلّ أكناف الدّجا لضيائها
صبّت فأحدق نورها بزجاجهافكأنها جعلت إناء إنائها
وترى إذا صبّت بدت في كأسهامتقاصر الأرجاء عن أرجائها
وتكاد إن مزجت لرقّة لونهاتمتاز عند مزاجها من مائها
صفراء تضحى الشمس، إن قيست بهافى ضوئها، كاللّيل، فى أضوائها
وإذا تصفّحت الهواء رأيتهكدر الأديمة عند حسن صفائها
تزداد من كرم الطباع بقدر مانودى به الأيام من أجزائها
لا شىء أعجب من تولّد برئهامن سقمها، ودوائها من دائها
وقال:
إن رمت وصف الراح فأت بمافيها من الأوصاف من قرب
هى ماء ياقوت، وإن مزجتفى كأسها بالبارد العذب
فكأنها وحبابها ذهبكلّلته بالّلؤلؤ الرّطب
ولأهل العصر: الدنيا معشوقة ريقها الراح. أخذ هذا المعنى من قول ابن الرومى في صاعد بن مخلد:
فتى هاجر الدنيا وحرّم ريقهاوهل ريقها إلّا الرحيق المورّد
ولو طمعت في عطفه ووصالهأباحته منها مرشفا لا يصرّد
الخمر أشبه شىء بالدنيا؛ لاجتماع اللذات والمرارة فيها. الخمر مصباح السرور، ولكنها مفتاح الشرور. لكل شىء سرّ، وسرّ الراح السرور. لا يطيب المدام الصافى، إلّا مع النديم المصافى.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع