من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
السكاكين
وكان أحمد بن يوسف جالسا بين يدى المأمون، فسأل المأمون عن السكّين فناوله أحمد السكين، وقد أمسك بنصابها، وأشار إليه بالحدّ، فنظر إليه المأمون نظر منكر؛ فقال: لعل أمير المؤمنين أنكر علىّ أخذى النّصاب؛ وإشارتى إليه بالحدّ؛ وإنما تفاءلت بذلك أن يكون له الحدّ على أعدائه، فعجب المأمون من سرعة فطنته، ولطيف جوابه.
وقال بعض الكتاب: السكين مسّ الأقلام يشحذها إذا كلت، ويصقلها إذا نبت، ويطلقها إذا وقفت، ويلمّها إذا شعثت، وأحسنها ما عرض صدره، وأرهف حدّه، ولم يفصل على القبضة نصابه.
وقال أبو الفتح كشاجم يرثى سكينا سرقت له:
يا قاتل الله كتّاب الدواوينما يستحلّون من أخذ السكاكين
لقد دهانى لطيف منهم ختلفى ذات حدّ كحدّ السيف مسنون
فأقفرت بعد عمران بموقعهامنها دواة فتى بالكتب مفتون
تبكى على مدية أودى الزمان بهاكانت على جائر الأقلام تعدينى
كانت تقدّم أقلامى وتنحتهانحتا وتسخطها بريا فترضينى
وأضحك الطرس والقرطاس عن حللينوب للعين من نور البساتين
فإن قشرت بها سوداء من صحفىعادت كبعض خدود الخرّد العين
جزع النصاب لطيفات شعائرهامحسّنات بأصناف التّحاسين
هيفاء مرهفة بيضاء مذهبةقال الإله لها سبحانه: كونى
لكن مقطّى أمسى شامتا جذلاوكان في ذلّة منها وفي هون
فصين حتى يضاهى في صيانتهجاهى لصونيه عمّن لا يدانينى
ولست عنها بسال ما حييت، ولابواجد عوضا منها يسلينى
ولو يردّ فداء ما فجعت بهمنها فديناه بالدنيا وبالدين
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع