من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
الكتب والأقلام والخط
وقال ابن المعتز: الكتاب والج الأبواب، جرىء على الحجّاب، مفهم لا يفهم، وناطق لا يتكلم، به يشخص المشتاق، إذا أقعده الفراق، والقلم مجهّز لجيوش الكلام، يخدم الإرادة، ولا يملّ الاستزادة، ويسكت واقفا، وينطق سائرا، على أرض بياضها مظلم، وسوادها مضىء، وكأنه يقبّل بساط سلطان أو يفتح نوّار بستان.
وهذا كقوله في القاسم بن عبيد الله، قال الصولى: لما عرض القاسم بن عبيد الله ليخلف أباه: قال ابن المعتز:
قلم ما أراه أم فلك يجرى بما شاء قاسم ويسير
خاشع في يديه يلثم قرطاساكما قبّل البساط شكور
ولطيف المعنى جليل نحيفوكبير الأفعال وهو صغير
كم منايا وكم عطايا وكمحتف وعيش تضمّ تلك السّطور
نقشت بالدّجا نهارا فما أدرى أخطّ فيهنّ أم تصوير
هكذا من أبوه مثل عبيد اللهينمى إلى العلا ويصير
عظمت منّة الإله عليهفهناك الوزير وهو الوزير
وقال بعض البلغاء: صورة الخطّ في الأبصار سواد، وفي البصائر بياض.
وقال أبو الطيب المتنبى:
دعانى إليك العلم والحلم والحجىوهذا الكلام النّظم والنّائل النّثر
وما قلت من شعر تكاد بيوتهإذا كتبت يبيضّ من نورها الحبر
وقال ابن المعتز في عبيد الله بن سليمان بن وهب:
عليم بأعقاب الأمور، كأنهبمختلسات الظنّ يسمع أو يرى
إذا أخذ القرطاس خلت يمينهيفتّح نورا أو ينظّم جوهرا
فاخر صاحب سيف صاحب قلم، فقال صاحب القلم: أنا أقتل بلا غرر، وأنت تقتل على خطر. فقال صاحب السيف: القلم خادم السيف، إن تمّ مراده وإلا فإلى السيف معاده؛ أما سمعت قول أبى تمام:
السيف أصدق إنباء من الكتبفى حدّه الحدّ بين الجدّ واللّعب
بيض الصفائح لا سود الصّحائف فىمتونهنّ جلاء الشّكّ والرّيب
وقال أبو الطيب:
ما زلت أضحك إبلى كلّما نظرتإلى من احتضنت أخفافها بدم
أسيرها بين أصنام أشاهدهاولا أشاهد فيها عفّة الصّنم
حتى رجعت وأقلامى قوائل لىالمجد للسّيف ليس المجد للقلم
اكتب بنا أبدا بعد الكتاب بهفإنّما نحن للأسياف كالخدم
هذا مقلوب من قول على بن العباس النوبختى، وقد رواه أبو القاسم الزجاجى لابن الرومى، وإنما وهم لاتّفاق الاسمين:
إن يخدم القلم السيف الذى خضعتله الرقاب ودانت خوفه الأمم
فالموت- والموت لا شىء يغالبه-ما زال يتبع ما يجرى به القلم
بذا قضى الله للأقلام مذبريتأنّ السيوف لها- مذ أرهفت- خدم
وقال ابن الرومى:
لعمرك ما السّيف سيف الكمىّبأخوف من قلم الكاتب
له شاهد إن تأمّلتهظهرت على سرّه الغائب
أداة المنيّة في جانبيهفمن مثله رهبة الرّاهب
سنان المنية في جانبوحدّ المنيّة في جانب
ألم تر في صدره كالسّنانوفي الرّدف كالمرهف القاضب
وقال أبو الفتح البستى:
إذا أقسم الأبطال يوما بسيفهموعدّوه مما يكسب المجد والكرم
كفى قلم الكتّاب مجدا ورفعةمدى الدّهر أنّ الله أقسم بالقلم
وقد قيل: صرير الأقلام، أشدّ من صليل الحسام.
قال الصولى: أنشدنى طلحة بن عبيد الله:
وإذا أمرّ على المهارق كفّهبأنامل يحملن شختا مرهفا
متقاصرا متطاولا ومفصّلاوموصلا ومشتّتا ومؤلّفا
ترك العداة رواجفا أحشاؤهاوقلاعها قلعا هنالك رجّفا
كالحية الرّقشاء إلا أنهيستنزل الأروى إليه تلطفا
يرمى به قلما يمجّ لعابهفيعود سيفا صارما ومثقّفا
وقال محمود بن أحمد الأصبهانى:
أخرس ينبيك بإطراقهعن كل ما شئت من الأمر
يذرى على قرطاسه دمعةيبدى بها السرّ وما يدرى
كعاشق أخفى هواه وقدنمّت عليه عبرة تجرى
تبصره في كلّ أحوالهعريان يكسو الناس أو يعرى
يرى أسيرا في دواة وقدأطلق أقواما من الأسر
أخرق لو لم تبره لم يكنيرشق أقواما وما يبرى
كالبحر إذا يجرى، وكالليل إذيغشى، وكالصارم إذ يفرى
وقال أحمد بن جرار:
أهيف ممشوق بتحريكهيحلّ عقد السّرّ إعلان
له لسان مرهف حدّهمن ريقة الكرسف ريّان
ترى بسيط الفكر في نظمهشخصا له حدّ وجثمان
كأنما يسحب في إثرهذيلا من الحكمة سحبان
لولاه ما قام منار الهدىولا سما للملك ديوان
ومن أجود ما قيل في صفة القلم قول أبى تمام لمحمد بن عبد الملك الزيات:
لك القلم الأعلى الّذى بشباتهتصاب من الأمر الكلى والمفاصل
له ريقة طلّ ولكنّ وقعهابآثاره في الشّرق والغرب وابل
لعاب الأفاعى القاتلات لعابهوأرى الجنى اشتارته أيد عواسل
له الخلوات اللاء لولا بحيّهالما اختلفت للملك تلك المحافل
وقال الأمير تميم بن المعز:
وذى عجب من طول صبرى على الذىألاقى من الأرزاء وهو جليل
يقولون: ما تشكو؟ فقلت: متى شكاشبا السيف عضب الشفرتين صقيل
وإنّ امرأ يشكو إلى غير نافعويسخو بما في نفسه لجهول
عذابى أن أشكو إلى الناس أننىعليل ومن أشكو إليه عليل
ويمنعنى الشكوى إلى الله علمهبجملة ما ألقاه قبل أقول
سأسكت صبرا واحتسابا فإننىأرى الصّبر سيفا ليس فيه فلول
وقال:
يا دهر ما أقساك من متلوّنفى حالتيك، وما أقلّك منصفا
أتروخ للنّكس الجهول ممهّداوعلى اللبيب الحرّ سيفا مرهفا؟
وإذا صفوت كدرت، شيمة باخل،وإذا وفيت نقضت أسباب الوفا
لا أرتضيك، وإن كرمت؛ لأننىأدرى بأنك لا تدوم على الصّفا
زمن إذا أعطى استردّ عطاءهوإذا استقام بدا له فتحرّفا
ما قام خيرك يا زمان بشرّهأولى بنا ما قلّ منك وما كفى
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع