تجاوز إلى المحتوى

أطاعن خيلا من فوارسها الدهر

المتنبيالطويلالعصر العباسي

اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه

عن القصيدة

«أطاعن خيلا من فوارسها الدهر» من شعر المتنبي، من العصر العباسي، وتقع في ٤١ بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الراء.

بحر الطويل: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن · قصائد أخرى رويّها الراء

من هذه القصيدة في كتب التراث

معنى قول المتنبي

أُطاعِنُ خَيلاً مِن فَوارِسِها الدَهرُ

وَحيداً وَما قَولي كَذا وَمَعي الصَبرُ

قال الواحدي في «شرح ديوان المتنبي»: يقول أقاتل عسكرا الدهر أحد فوارسه والمعنى أني أقاتل الدهر واحداثه وحيدا لا ناصر لي ثم رجع عن هذا وقال لم أقول أني وحيد والصبر معي يريد مقاساته شدائد الدهر ونوائبه وصبره على ذلك.

شرح القصيدة بيتًا بيتًا
  1. ١

    أُطاعِنُ خَيلاً مِن فَوارِسِها الدَهرُ

    وَحيداً وَما قَولي كَذا وَمَعي الصَبرُ

    الواحدي: أراد بالخيل الحوادث يقول أقاتل عسكرا الدهر أحد فوارسه والمعنى أني أقاتل الدهر واحداثه وحيدا لا ناصر لي ثم رجع عن هذا وقال لم أقول أني وحيد والصبر معي يريد مقاساته شدائد الدهر ونوائبه وصبره على ذلك.

  2. ٢

    وَأَشجَعُ مِنّي كُلَّ يَومٍ سَلامَتي

    وَما ثَبَتَت إِلّا وَفي نَفسِها أَمرُ

    الواحدي: يقول سلامتي في بقائها معي في هذه المطاعته أشجع مني وهذا مجاز والمعنى أني أسلم من هذه الحوادث فلا تصيب بدني ولا مهجتي بضرب ثم قال وما بقيت سلامتي معي إلا لأمم عظيم يظهر علي بدني.

  3. ٣

    تَمَرَّستُ بِالآفاتِ حَتّى تَرَكتُها

    تَقولُ أَماتَ المَوتُ أَم ذُعِرَ الذُعرُ

    الواحدي: يقول تحككت بالآفات من الأسفار والحروب حتى قالت الآفات أمات الموت حيث لا يصيب هذا المتمرس بي أم ذعر الذعر فلا يذعره وهذا مجاز والمعنى أن الآفات لو قدرت على النطق لقلت هذا القول لكثرة ما تراني أمارسها من غير خوفٍ يلحقني ولا هلاكٍ يصيبني.

  4. ٤

    وَأَقدَمتُ إِقدامَ الأَتِيِّ كَأَنَّ لي

    سِوى مُهجَتي أَو كانَ لي عِندَها وِترُ

    الواحدي: يقول أقدمت على الشدائد والأهوال إقدام السيل الذي لا يرده شيء كأن لي سوى مهجتي مهجة أخرى أن فاتتني مهجتي كانت لي بدلا أو كأن لي حقدا عند مهدتي فأنا أريد إهلاكها.

  5. ٥

    ذَرِ النَفسَ تَأخُذ وُسعَها قَبلَ بَينِها

    فَمُفتَرِقٌ جارانِ دارُهُما العُمرُ

    الواحدي: جعل الجسم والروح جارين والعمر دارهما وصحبتهما تكون مدة العمر فإذا فنى العمر افترقا يقول دع نفسك تأخذ ما تطيق مما تريد من لذةٍ أو مال أو حرب فإنها غير باقيةٍ مع الجسم. ولا تحسبن أن كمال الشرف أن تشتغل بشرب الخمر سماع القيان فليس المجد إلا ضرب السيف وقتل الأعداء اغتيالا والبكر من كل شيء الذي لم يكن له مثل سبقه ويعني بالفتكة البكر التي لم يفتك مثلها.

  6. ٦

    وَلا تَحسَبَنَّ المَجدَ زِقّاً وَقَينَةً

    فَما المَجدُ إِلّا السَيفُ وَالفَتكَةُ البِكرُ

    العكبري: الْغَرِيب الْقَيْنَة الْمُغنيَة والزق ظرف الْخمر والفتكة وَاحِدَة الفتكات وَأَرَادَ الَّتِى لم يفتك مثلهَا فَلهَذَا قَالَ الْبكر الَّتِى لم يسْبق إِلَى مثلهَا الْمَعْنى يَقُول لَا تحسبن الْمجد وَكَمَال الشّرف شرب الْخمر وَسَمَاع الْقَيْنَة وَإِنَّمَا الْمجد يكْسب بقتل الْأَعْدَاء والإقدام الذى لم يسْبق إِلَيْهِ وَهُوَ أَن يفتك اغتيالا بالأعداء

  7. ٧

    وَتَضريبُ أَعناقِ المُلوكِ وَهامِها

    لَكَ الهَبَواتُ السودُ وَالعَسكَرُ المَجرُ

    العكبري: الْإِعْرَاب تضريب عطف على قَوْله إِلَّا السَّيْف أى فَمَا الْمجد إِلَّا السَّيْف وتضريب وَقَوله وَأَن ترى فى مَوضِع رفع عطف على تضريب الْغَرِيب الهبوات جمع هبوة وهى الغبرة الْعَظِيمَة والمجر الْجَيْش الْعَظِيم الْمَعْنى يَقُول الْفَخر واكتساب الْمجد أَن تضرب أَعْنَاق الْأَعْدَاء وتثير الْغُبَار بحوافر الْخَيل عِنْد الطعان

  8. ٨

    وَتَركُكَ في الدُنيا دَوِيّاً كَأَنَّما

    تَداوَلُ سَمعَ المَرءِ أَنمُلُهُ العَشرُ

    الواحدي: الدوي الصوت العظيم يسمع من الريح وحفيف الشجر يقول وأن تترك في الدنيا جلبة وصياحا عظيما كأن المرء سدّ مسامعه بأنامله على وجه التداول إذا انأى واحدةً أدنى أخرى وذلك أن الإنسان إذا سد أذنه سمع ضجيجا وجلبة ونقل بعضهم هذا المعنى وجعل ذلك خرير دموعه فقال، فأحش صماخيك بسبابتي، كفيك تسمع لدموعي خرير، ويجوز أن يريد أنه لا يسمع إلا الضجة حتى كأنه سد مسامعه عن غيرها.

  9. ٩

    إِذا الفَضلُ لَم يَرفَعكَ عَن شُكرِ ناقِصٍ

    عَلى هِبَةٍ فَالفَضلُ فيمَن لَهُ الشُكرُ

    الواحدي: يقول إذا لم يرفعك فضلك عن الأنبساط إلى اللئيم فقد الزمك الأخذ منه شكره وإذا صار مشكوراً فإن الفضل له وقال ابن جنى أي إذا اضطرتك الحال إلى الشكر اصاغر النار على ما تتبلغ به فالفضل فيك ولك لا للممدوح المشكور وقال أبو الفضل العروضي يقول أبو الطيب بالفضل فيمن له الشكر ويقول أبو الفتح بالفضل فيك ولك فيغير اللفظ ويفسد المعنى والذي أراد أبو الطيب أن الفضل والأدب إذا لم يرفعاك عن شكر الناقص على هبته فتمدحه طمعا وتشكره على هبته فالناقص هو الفاضل لا أنت يشير إلى الترفع عن هبة الناقص والتنزه عن الأخذ منه حتى لا يحتاج هو الفاضل لا أنت يشير إلى الترفع عن هبة الناقص والتنزه عن الأخذ منه حتى لا يحتاج إلى شكره وقال ابن فورجة الذي أراد أبو الطيب أنه إذا كان فضلك لا يرفعك عن شكر ناقصٍ على إحسانٍ منه إليك فإن الفضل لمن شكرته لا لك لأنك محتاج إليه يعني أن الغنى خير من الأدب إذا كان الأدب محتاجا إلى الغنى هذا كلامه وليس في البيت ذكر الغنى ولا الحاجة وجملته أنه يحث على ترك الانبساط إلى اللئيم الناقص حتى لا تحتاج إلى أن تشكره فيكون له الفضل بشكر الفاضل إياه والأخذ منه كما قال العروضي والذي أدخل الشبهة على أبي الفتح حتى قال فالفضل فيك ولك أنه تاول في قوله فالفضل فيمن له الشكر أنه يريد الشاكر والشاكر له الشكر من حيث أنه يشكر إلى هذا ذهب فأفسد المعنى وإنما أراد أبو الطيب بقوله له الشكر المشكور الذي يشكر على إحسانه.

    العكبري: الْمَعْنى يَقُول إِذا لم يرفعك الْفضل عَن شكر اللَّئِيم والانبساط إِلَيْهِ فقد ألزمك الْأَخْذ مِنْهُ شكره وَإِذا صَار مشكورا فَإِن الْفضل لَهُ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح إِذا اضطرتك الْحَال إِلَى أَن تشكر اصاغر النَّاس على مَا تتبلغ بِهِ فالفضل فِيك وَلَك لَا للممدوح المشكور وَقَالَ أَبُو الْفضل العروضى يَقُول أَبُو الطّيب فالفضل فِيمَن لَهُ الشُّكْر وَيَقُول أَبُو الْفَتْح فالفضل فِيك وَلَك فَتغير اللَّفْظ وَفَسَد الْمَعْنى والذى أَرَادَ المتنبى أَن الْفضل وَالْأَدب إِذا لم يرفعاك عَن شكر النَّاقِص على هبة فتمدحه طَمَعا وتشكره على هِبته فالناقص هُوَ الْفَاضِل لَا أَنْت يُشِير إِلَى الترفع عَن هبة النَّاقِص والتنزه عَن الْأَخْذ مِنْهُ حَتَّى لَا تحْتَاج إِلَى أَن تشكره وَقَالَ أَبُو على بن فورجة الذى أَرَادَ أَبُو الطّيب أَنه إِذا كَانَ الْفضل لَا يرفعك عَن شكر نَاقص على إِحْسَان مِنْهُ إِلَيْك فَإِن الْفضل لمن شكرته لَا لَك لِأَنَّك مُحْتَاج إِلَيْهِ يعْنى أَن الْغنى خير من الْأَدَب يُرِيد إِذا كَانَ الأديب مُحْتَاجا إِلَى الْغنى فَالْمَعْنى أَنه يحرض على ترك الانبساط إِلَى اللَّئِيم النَّاقِص حَتَّى لَا يشْكر فَيكون لَهُ الْفضل وَقَالَ الواحدى الذى أَدخل الشُّبْهَة على أَبى الْفَتْح أَنه تَأَول فى قَوْله (فالفضل فِيمَن لَهُ الشُّكْر ... ) يُرِيد الشاكر فالشاكر لَهُ الشُّكْر من حَيْثُ أَنه يشكرك فَذهب إِلَى هَذَا فأفسد الْمَعْنى وَإِنَّمَا أَرَادَ أَبُو الطّيب بقوله (من لَهُ الشُّكْر ... ) المشكور على إحسانه وَقَالَ ابْن القطاع أفسد ابْن جنى هَذَا الْمَعْنى وَإِنَّمَا أَرَادَ أَبُو الطّيب إِذا لم يرفعك فضلك عَن شكر نَاقص فالفضل لَهُ لَا لَك ينهاه أَن يمدح نَاقِصا وَهَذَا من كَلَام الْحِكْمَة قَالَ الْحَكِيم من لم يرفع نَفسه عَن قدر الْجَاهِل يرفع قدر الْجَاهِل عَلَيْهِ وَفِيه نظر إِلَى قَول الطائى (عَيَّاشُ إنكَ لَلَّئيم وإننى ... إذْ صِرْتَ موضعَ مَطلبى للئيمُ)

  10. ١٠

    وَمَن يُنفِقِ الساعاتِ في جَمعِ مالِهِ

    مَخافَةَ فَقرٍ فَالَّذي فَعَلَ الفَقرُ

    الواحدي: يقول من جمع المال خوف الفقر كان ذلك هو الفقر لأنه إذا جمع منع والمنع فقر وهذا كما قيل قديما الناس في الفقر مخافة الفقر.

    العكبري: الْمَعْنى يَقُول من جمع المَال خوفًا من الْفقر كَانَ ذَلِك هُوَ الْفقر قَالَ أَبُو الْفَتْح الْفقر فى الْحَقِيقَة أَن تفنى دهرك فى جمع مَالك وَقَالَ الْخَطِيب إِذا أفنيت دهرك فى جمع المَال وَلم تنفقه فقد مضى عمرك فى الْفقر فَمَتَى يكون غناك فقد تعجلت الْفقر وَهَذَا الْبَيْت // من أحسن الْكَلَام // وبديعة وَهُوَ من كَلَام الْحِكْمَة قَالَ الْحَكِيم من أفنى مدَّته فى جمع المَال خوف الْفقر والعدم فقد أسلم نَفسه للعدم وَهُوَ من قَول الآخر (أمِنْ خَوْفِ فَقْرٍ تَعَجَّلْتَهُ ... وأخَّرْتَ إنفاقَ مَا تَجْمَعُ) (فصِرتَ الفَقيرَ وَأَنت الغَنِىُّ ... فَمَا كَانَ ينفَعُ مَا تصنعُ) وَمثله (يقولُ لَمن يَلْحاه فى بذل مالِه ... أَأُنفِق ساعاتى وأنفقُ مالِيا) وَمثله (يخوّفنى بالفَقرِ قوْمى وَما درُوا ... بأنّ الذى فِيهِ أفاضُوا هُوَ العُسْر) (فقُلت لَهُم لمَّا لَحَوْنى وَأَكْثرُوا ... أَلا إنّ خوف الْفقر عندى هُوَ الْفقر) وَقَالَ لُقْمَان ﵇ من دَافع بالذل قبل الْفقر فقد تعجل الْفقر

  11. ١١

    عَلَيَّ لِأَهلِ الجَورِ كُلُّ طِمِرَّةٍ

    عَلَيها غُلامٌ مِلءُ حَيزومِهِ غِمرُ

    الواحدي: الطمرة الفرس الوثابة نشاطا والحيزوم الصدر والغمر الحقد يقول أنا كفيل لهم بخيل فرسانها هؤلاء.

  12. ١٢

    يُديرُ بِأَطرافِ الرِماحِ عَلَيهِمِ

    كُؤوسَ المَنايا حَيثُ لا تُشتَهى الخَمرُ

    العكبري: الْمَعْنى يَقُول يُدِير عَلَيْهِم يعْنى الْغُلَام كئوس الْمَوْت فى وَقت لَا تطلب الْخمر وَلَا ترَاد لشدَّة مَا هم فِيهِ من الْقِتَال وَإِنَّمَا الْخمر تشْتَهى عِنْد وَقت الْفَرح واللذة والفراغ وَهُوَ من قَول الآخر (يُدِيرُ بسيفِهِ كأسَ المَنايا ... إِذا سَلَبَتْ حُمَيَّاها الْقُلُوبا)

  13. ١٣

    وَكَم مِن جِبالٍ جُبتُ تَشهَدُ أَنَّني ال

    جِبالُ وَبَحرٍ شاهِدٍ أَنَّني البَحرُ

    الواحدي: يريد أن الجبال تشهد لي بالوقار والحلم والبحار بالجود وسعة القلب.

    العكبري: الْمَعْنى يَقُول كم جبال قطعتها سيرا تشهدلى بالوقار والحلم وبحر يشْهد لى بالجود وَهُوَ من قَول الآخر (فَتى لَا يرَاهُ البحرُ إِلَّا أظَلَّهُ ... خَواطِرُ فِكْر إنَّه زاخرُ البحرِ)

  14. ١٤

    وَخَرقٍ مَكانُ العيسِ مِنهُ مَكانُنا

    مِنَ العيسِ فيهِ واسِطُ الكورِ وَالظَهرُ

    الواحدي: قال ابن جنى معنى البيت أن الإبل كأنها واقفةٌ في هذا الخرق وليست تذهب فيه ولا تجيء وذلك لسعته فكأنها ليست تبرح منه أي فكما أنا نحن في ظهور هذه الإبل لا نبرح منها في أواسط اكوارها فكذلك هنّ كأن لها من أرض هذا الخرق كوار وظهرا فقد أقامت به لا تبرحه هذا كلامه وقد خلط فيما ذكر إنما يصف مفازةً قد توسطها وهو على ظهر البعير في جوزه فمكانه من ظهر الناقة مكانها من الخرق والمعنى أنا في وسط ظهور الأبل والإبل في وسط ظهر الخرق ولم يتعرض في هذا البيت لوقوفها ولا لبراحها ثم ذكر سيرها في البيت الثاني فقال:

    العكبري: الْإِعْرَاب مَكَان العيس مُبْتَدأ ومكاننا ابْتِدَاء ثانى وواسط الكور وَالظّهْر خبر الِابْتِدَاء الثانى وَالْجُمْلَة خبر الأول وَهَذَا قَول ابْن القطاع وَقيل مَكَان العيس مُبْتَدأ ومكاننا خَبره وواسط الكور وَالظّهْر بدل من قَوْله مَكَاننَا الْغَرِيب الْخرق المتسع من الأَرْض والعيس الْإِبِل الْبيض والكور الرحل للناقة الْمَعْنى قَالَ الواحدى قَالَ ابْن جنى الْإِبِل كَأَنَّهَا واقفة لَا تذْهب وَلَا تجئ لسعة هَذَا الْخرق فَكَأَنَّهَا لَيست تَبْرَح مِنْهُ فَكَمَا نَحن فى ظُهُور العيس لَا نَبْرَح مِنْهَا فى أوساط أكوارها فَكَذَلِك هى كَأَن لَهَا من أَرض هَذَا الْخرق كورا وظهرا فقد أَقَامَت بِهِ لَا تبرحه قَالَ وَقد غلط فِيمَا ذكر إِنَّمَا يصف مفازة قد توسطها فَهُوَ على ظهر الْبَعِير فى جوزه فَكَأَنَّهُ من ظهر النَّاقة مَكَانهَا من الْخرق الْمَعْنى أَنى فى وسط ظُهُور الْإِبِل وَالْإِبِل فى وسط ظهر الْخرق وَلم يتَعَرَّض فى هَذَا الْبَيْت لوقوفها وَلَا لبراحها ثمَّ ذكر سَيرهَا فى الْبَيْت الثانى فَقَالَ (يخدن بِنَا فى جوزه ... ) الخ فَكيف يتَّجه قَول أَبى الْفَتْح مَعَ قَوْله (يخدن بِنَا ... ) وَهَذَا يحْتَمل مَعْنيين أَحدهمَا إِنَّا وَإِن كُنَّا نسير فكاننا لَا نسير لطول الْمَفَازَة وَأَنه لَيْسَ لَهَا طرف كالكرة لَا يكون لَهَا طرف ينتهى إِلَيْهِ والثانى أَنه يصف شدَّة سيرهم والكرة تُوصَف بِشدَّة الْحَرَكَة كَقَوْل بشار (كأنَّ فُؤاده كرة تَنَزَّى ... حِذَارَ البَيْنِ لَو نفَع الحِذارُ) وَالْبَيْت مَنْقُول من قَول ذى الرمة (وَمَهْمَهٍ دَلِيله مُطَوِّح ... يدأبُ فِيهِ القوْم حَتَّى يطْلَحُوا) (ثمَّ يظلُّلون كأنْ لم يبرَحوا ... كَأَنَّمَا أمْسَوْا بحيثُ أصْبحوا)

  15. ١٥

    يَخِدنَ بِنا في جَوزِهِ وَكَأَنَّنا

    عَلى كُرَةٍ أَو أَرضُهُ مَعَنا سَفرُ

    الواحدي: كيف يتجه قول أبي الفتح مع قوله يخدن بنا وهذا يحتمل معنيين أحدهما أنا وإن كنا نسير فكأننا لا نسير لطول المفازة وأنه ليس لها طرف والكرة لا يكون لها طرف والكرة لا يكون لها طرف ينتهي إليه السير لذلك قال كأننا على كرة أو كأن أرض الخرق تسير معنا حيث كانت لا تنقطع كما قال السريّ، وخرقٍ طال فيه السير حتى، حسبناه يسير مع الركابِ، والثاني أنه يصف شدة سيرهم والكرة توصف بكثرة الحركة والتنزي كما قال بشار، كان فؤاده كرة تنزى، حذار البين لو نفع الحذار، والإنسان إذا اسرع في السير أو في الركض رأى الأرض كأنها تسير معه من الجانبين لذلك قال أو أرضه معنا سفر.

    العكبري: الْغَرِيب يخدن يسرن وَهُوَ ضرب من السّير وَهُوَ الْإِسْرَاع وَجوزهُ وَسطه الْمَعْنى يَقُول كأننا على كرة وَلَا ينتهى لى سير أَو كَأَن أَرض الْخرق تسير مَعنا حَيْثُ كَانَت لَا تَنْقَطِع وَهَذَا مثل قَول السرى (وخَرْقٍ طالَ فِيهِ السَّيرُ حَتَّى ... حَسِبْناهُ يسيرُ مَعَ الرّكاب) وَإِذا أسْرع الْإِنْسَان فى السّير أى الأَرْض كَأَنَّهَا تسير مَعَه من الْجَانِبَيْنِ لهَذَا قَالَ أَو أرضه مَعنا سفر وَمعنى الْبَيْت نَحن نسير بِسُرْعَة وَلَا نبلغ مدى الْخرق فَكَأَنَّهُ يسير مَعنا وَهُوَ من قَول أَبى النَّجْم (فكأنّ أرْضَ اللهِ سائرَةٌ ... معَنا إِذا سَارَتْ كَتائِبُهْ)

  16. ١٦

    وَيَومٍ وَصَلناهُ بِلَيلٍ كَأَنَّما

    عَلى أُفقِهِ مِن بَرقِهِ حُلَلٌ حُمرُ

    الواحدي: يصف إدآبهم للسير ووصلهم فيه اليوم بالليل والضمير في أفقه يعود إلى الليل ولا يكون لليل أفق إنما أراد أفق السماء في ذلك الليل

    العكبري: الْإِعْرَاب وَيَوْم عطف على خرق فكلاهما مجرور بواو رب وَالضَّمِير فى أفقه لِليْل وَلَيْسَ لِليْل أفق وَإِنَّمَا أَرَادَ أفق السَّمَاء فى ذَلِك اللَّيْل الْغَرِيب الْأُفق النَّاحِيَة وَالْحلَل جمع حلَّة وَلَا يكون حلَّة حَتَّى يكون إزارا ورداء أَو ثَوْبَيْنِ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة الْحلَل برود الْيمن الْمَعْنى أَنه يصف السّير ووصلهم الْيَوْم بالليلة وَكَأن السَّمَاء من الْبَرْق عَلَيْهَا حلل حمر من قَول ابْن ميادة (وأُلْبِسَ عُرْضُ الأُفْقِ ثَوْبا كأنَّهُ ... عَلى الأُفُقِ الغَرْبىّ ثَوْبٌ مُعَصْفَرُ)

  17. ١٧

    وَلَيلٍ وَصَلناهُ بِيَومٍ كَأَنَّما

    عَلى مَتنِهِ مِن دَجنِهِ حُلَلٌ خُضرُ

    الواحدي: أي كأن على متن ذلك اليوم من ظلمة السحاب حللا سودا والسواد يسمى خضرة ومنه، في ظل أخضر يدعو هامه البوم، أو يريد أنه سافر في أيام الربيع

  18. ١٨

    وَغَيثٌ ظَنَنّا تَحتُهُ أَنَّ عامِراً

    عَلا لَم يَمُت أَو في السَحابِ لَهُ قَبرُ

    الواحدي: عامر جد الممدوح يقول كأنه في السحاب قد ارتفع إليه ولم يمت فهو يصب المطر علينا صبا أو قبره في السحاب فقد اعداه بجوده

    العكبري: الْإِعْرَاب قبر مَرْفُوع مَعْطُوف على خبر إِن تَقْدِيره علا لم يمت أَو أَنه لَهُ قبر فى السَّحَاب الْمَعْنى يُرِيد بعامر جد الممدوح يَقُول ظننا جده علا فى السَّحَاب وَهُوَ حى لم يمت وَأَنه إِذا مَاتَ علا قَبره فى السَّحَاب فَهُوَ يصب المَاء صبا كَمَا كَانَ يصب الْجواد صبا

  19. ١٩

    أَوِ اِبنَ اِبنِهِ الباقي عَلِيَّ بنَ أَحمَدٍ

    يَجودُ بِهِ لَو لَم أَجُز وَيَدي صِفرُ

    الواحدي: يقال صفرت اليد تصفر صفرا فهي صفر ولا يقال صفرة يقول لو لم اجز هذا الغيث ويدي خالية لقلت أن الممدوح كان في السحاب ولما جزت ويدي صفر علمت أنه جود لاجود

    العكبري: الْإِعْرَاب أَو ابْن ابْنه مَنْصُوب عطفا على عَامِرًا تَقْدِيره أَو أَن ابْن ابْنه على بن أَحْمد والباقى فى مَوضِع نصب وَإِنَّمَا سكن الْبَاء ضَرُورَة وحروف الْعلَّة أبدا تسكن فى حَال النصب ضَرُورَة قَالَ يصف إبِلا بالسرعة (كأنَّ أيديهِنَّ بالقاعِ القَرِقْ ١ ... ) وَمثله كثير الْمَعْنى يَقُول وظننا أَن ابْن ابْنه هَذَا الممدوح يجود بِهَذَا المَاء الذى لم ينزل من السَّحَاب فَلَو لم أجز أى أعبر ويدى خَالِيَة لَقلت إِنَّه كَانَ فى السَّحَاب يُقَال صفرت الْيَد تصفر فهى صفر وَلَا يُقَال صفرَة يَقُول وَلما جزت ويدى صفر فارغة علمت أَنه جود لَا جود وَمعنى الْبَيْتَيْنِ من قَول الطائى (وراحة مُزْنةٍ هَطْلاءَ تَهْمِى ... مواطرُها وَهُنَّ عَلىَّ سَكْبُ) (فَقلت يَد السَّمَاء أم ابْن وهب ... تجلَّى للندى أم عَاشَ وهب)

  20. ٢٠

    وَإِنَّ سَحاباً جَودُهُ مِثلُ جودِهِ

    سَحابٌ عَلى كُلِّ السَحابِ لَهُ فَخرُ

    الواحدي: يعني أن تشبيه جود ذلك السحاب بجود مدح للسحاب وفخر له

    العكبري: الْغَرِيب الْجُود مَاء الْمَطَر الْمَعْنى يَقُول إِذا كَانَ السَّحَاب جوده يشبه بجود هَذَا الممدوح فَهُوَ سَحَاب يفخر على كل السحب

  21. ٢١

    فَتىً لا يَضُمُّ القَلبُ هِمّاتِ قَلبِهِ

    وَلَو ضَمَّها قَلبٌ لَما ضَمَّهُ صَدرُ

    الواحدي: يقولما تجمع في قلبه من الهمم لا يجمعه قلب غيره ولو ضمها قلب لكان عظيما مثلها ولو كان كذلك لما وسعه الصدر لعظم القلب وهذا مما أجرى فيه المجاز مجرى الحقيقة لأن عظم الهمة ليس من كثرة الأجزاء حتى يكون محلها واسعا لسعتها ألا ترى أن قلب الممدوح قد وسعها وصدره قد وسع قلبه وليس بأعظم من صدر غيره وقد قال ابن الرومي، كضمير الفؤاد يلتهم الدنيا ويحويه دفتا حيزوم، فبين أن الفؤاد يستغرق الدنيا بالعلم والفهم ثم يحويه جانبا الصدر

    العكبري: الْمَعْنى قَالَ الواحدى مَا يجْتَمع فى قلبه من الْهم لَا يجمعه قلب غَيره وَلَو ضمهَا لَكَانَ عَظِيما مثلهَا وَلَو كَانَ كَذَلِك مَا وَسعه الصَّدْر لعظم الْقلب وَهَذَا مِمَّا أجْرى فِيهِ الْمجَاز مجْرى الْحَقِيقَة لِأَن عظم الهمة لَيْسَ من كَثْرَة الْأَجْزَاء حَتَّى يكون محلهَا وَاسِعًا يَسعهَا أَلا ترى أَن قلب الممدوح قد وسعهَا وصدره قد وسع قلبه وَلَيْسَ بأعظم من صدر غَيره وَقَالَ ابْن الرومى (كضمير الفُؤادِ يَلْتهِمُ الدُّنيا ... وتحوِيه دَفَّتا حَيْزُوم) يعْنى أَن الْفُؤَاد يسْتَغْرق الدُّنْيَا بِالْعلمِ والفهم ثمَّ يحويه جانبا الصَّدْر

  22. ٢٢

    وَلا يَنفَعُ الإِمكانُ لَولا سَخائُهُ

    وَهَل نافِعٌ لَولا الأَكُفُّ القَنا السُمرُ

    الواحدي: يقول لولا سخاؤه لما انتفع الناس بإمكانه وغناه لأنه قد يكون الإمكان مع الشح فلا ينفع والمعنى أن الوجود لا ينفع بلا جود كالرماح لا تعمل ولاتنفع بلا راح

    العكبري: الْمَعْنى يَقُول لَوْلَا سخاؤه لما انْتفع النَّاس بإمكانه وغناه لِأَن الْإِمْكَان قد يكون مَعَ الشُّح فَلَا ينفع وَالْمعْنَى أَن الْمَوْجُود لَا ينفع بِلَا جود كالرماح لَا تَنْفَع إِلَّا بالأكف فلولا الأكف الَّتِى تمسك الرماح لما عملت عملا وَفِيه نظر إِلَى قَول البحترى (إِذا لم يكُن أمْضَى مِنَ السَّيفِ حاملٌ ... فَلَا قَطْعَ إنَّ الكفَّ لَا السَّيفَ تقطَعُ) وللبحترى أَيْضا (فَلَا تُغْلِينَّ بالسَّيفِ كلّ غِلائه ... لِيَمْضىِ فَإِن الكَفَّ لَا السَّيفَ تقْطَعُ)

  23. ٢٣

    قِرانٌ تَلاقى الصَلتُ فيهِ وَعامِرٌ

    كَما يَتَلاقى الهِندُوانِيُّ وَالنَصرُ

    الواحدي: القران اسم لمقارنة الكوكبين جعل اجتماع جديه من الطرفين في المصاهرة ونسب الممدوح كقران الكواكب تعظميا له ثم شبه إجتماعهما باجتماع السيف الهندي مع النصر فإذا إجتمعا حسن أثرهما وعلا أمرهما ثم ذكر تمام المعنى فيما بعد فقال:

    العكبري: الْإِعْرَاب قرَان مَرْفُوع بِفعل مُضْمر تَقْدِيره أَنْجَب بِهِ قرَان هَذِه حَاله الْمَعْنى يُرِيد بالصلت جده لأمه وبعامر جده لِأَبِيهِ وَالْقرَان اسْم لمقارنة الكوكبين وَالْمعْنَى أَنه جعل اجْتِمَاع جديه من الطَّرفَيْنِ وَنسب الممدوح كقران الْكَوَاكِب تَعْظِيمًا لشأنه وَشبه اجْتِمَاعهمَا باجتماع السَّيْف الهندوانى مَعَ النَّصْر وَإِذا اجْتمعَا حسن أثرهما وَعلا أَمرهمَا وَهَذَا من أحسن الْمعَانى وأبدعها

  24. ٢٤

    فَجاءا بِهِ صَلتَ الجَبينِ مُعَظَّماً

    تَرى الناسَ قُلّاً حَولَهُ وَهُمُ كُثرُ

    الواحدي: صلت الجبين واضح الجبين وقد مر تفسيره يقول ترى الناس حوله وهم كثيرون بالعدد قليلون بالإضافة إليه والقياس به والقل والكثر الكثرة والتقدير ذو قل أي في المعنى وهم ذو كثر في العدد ثم حذف المضاف

    العكبري: الْإِعْرَاب الضَّمِير فى جَاءَا للجدين الْمَذْكُورين فى الْبَيْت الذى قبله وهما عَامر والصلت الْغَرِيب الصَّلْت الجبين الْوَاضِحَة والقل الْقلَّة والكثر الْكَثْرَة الْمَعْنى يَقُول ترى النَّاس حوله وهم كَثِيرُونَ بِالْعدَدِ قليلين بِالْفَضْلِ والحسب وَقيل قليلين بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ وَالْقِيَاس بِهِ وَالتَّقْدِير ذوى قل فى الْمَعْنى وهم ذَوُو كثر فى الْعدَد وَفِيه نظر إِلَى قَول أَبى تَمام (إِن الكِرامَ كَثير فِى البِلادِ وَإنْ ... قَلوا كَمَا غيرُهم قُلٌّ وَإِن كثرُوا)

  25. ٢٥

    مُفَدّى بآباء الرِجالِ سَمَيذَعاً

    هُوَ الكَرَمُ المَدُّ الَّذي مالَهُ جَزرُ

    الواحدي: أي يقول له الرجال فديناك بآبائنا والسميدع السيد الكريم وجمعه سمادع والمد زيادة الماء والجزر نقصانه وجعله كرما لكثرة وجوده منه يقول هو كرم زائد لا نقصان له.

    العكبري: الْإِعْرَاب مفدى فى حَال نَصبه بدل من قَوْله مُعظما أَو صفة لَهُ الْغَرِيب السميذع السَّيِّد الْكَرِيم وَالْجمع سماذع وَالْمدّ زِيَادَة المَاء والجزر نقصانه الْمَعْنى يُرِيد أَن الرِّجَال تفديه بِآبَائِهَا بقَوْلهمْ فداؤك أَبى وأمى وَهُوَ سيد كريم يزِيد وَلَا ينقص

  26. ٢٦

    وَما زِلتُ حَتّى قادَني الشَوقُ نَحوَهُ

    يُسايِرُني في كُلِّ رَكبٍ لَهُ ذِكرُ

    الواحدي: أي ما زلت يسايرني في كل ركب ذكره حتى قادني الشوق إليه أي قبل أن أتيته كنت أسمع ذكره وما صاحبت أحدا إلا وهو يذكره بمدح وثناء.

  27. ٢٧

    وَأَستَكبِرُ الأَخبارَ قَبلَ لِقائِهِ

    فَلَمّا اِلتَقَينا صَغَّرَ الخَبَرَ الخُبرُ

    الواحدي: يعني بالأخبار ما يسمعه من حديثه الشائع في الناس والخبر الخبرة والاختبار يقول كانت استعظم ما اسمعه من حديثه قبل أن لقيته فلما لقيته صغر خبره خبره أي وجدته خيرا مما كنت اسمع

    العكبري: الْغَرِيب الْخَبَر الْخِبْرَة والاختبار الْمَعْنى يَقُول كنت أساير فِي ذكره كل ركب وأستعظم مَا أسمعهُ مِنْهُم وٍ أستكبره حَتَّى زرته وخبرته فصغر اختبارى مَا كنت أسمع فى وَصفه من كرم وَحسب وحلم وَعظم قدر وَوَجَدته أعظم مِمَّا كنت أسمع وَهَذَا من قَوْله ﵊ لزيد لخيل الطائى وَقد وَفد عَلَيْهِ (مَا وصف لى أحد إِلَّا رَأَيْته دون الْوَصْف سواك ... فَإنَّك فَوق مَا وُصِفتَ لى) وَمثل هَذَا قَول الآخر (كَانَت محادثةُ الرُّكْبانِ تُخْبِرُنِى ... عَن أحمدَ بنِ علىّ طيِّبَ الخَبَرِ) (ثمَّ التَقَيْنا فَلَا وَالله مَا سَمِعَت ... أُذنى بأحْسن مِمَّا قد رأى بَصَرِى) ولأبى تَمام (لَا شىْءَ أحسن من ثنائى سائراً ... ونداكَ فى أُفق الْبِلَاد يُسايره)

  28. ٢٨

    إِلَيكَ طَعَنّا في مَدى كُلِّ صَفصَفٍ

    بِكُلِّ وَآةٍ كُلُّ ما لَقِيَت نَحرُ

    الواحدي: الوأاة الناقة القوية والصفصف الفلاة المستوية جعل سيرها في الفلاة طعنا وجعل ما يقطعه من الأرض نحرا أي كل ما مرت به كأنه صدر طعنا بها فيه يقول أينما قصدت من الأرض قطعته وجازته بمنزلة الطعنة إذا صادفت نحرا فإنها تؤثر الأثر الأكبر وشرح ابن فورجة هذا فقال جعل سيرها طعنا وما تسير فيه من الفلاة نحرا يقول مرت نافذةً كما ينفذ الطعن في النحر وكأنها رمح وطان الصفصف ومداه نحر ولو أمكنه لقال كل ما لقيت من المفاوز فيظهر المعنى مثل قوله، فزل يا بعد عن أيدي ركابٍ، لها وقع الأسنة في حشاكا، ويجوز أن يكون المعنى كل ما لقيته هذه الناقة من مشاق الطريق نحر لها أي يعمل بها عمل النحر فكأنها تنحر في كل ساعة.

    العكبري: الْغَرِيب الصفصف الفلاة المستوية والوآة النَّاقة الشَّدِيدَة وَالذكر وأى الْمَعْنى جعل سَيرهَا فى الأَرْض الواسعة طَعنا يَقُول طَعنا بِهَذِهِ النَّاقة أى قَطعنَا بهَا الأَرْض الواسعة فَأَيْنَ قصدت من الأَرْض قطعته وجازته فَكَانَ بِمَنْزِلَة الطعنة إِذا صادفت نحرا لِأَنَّهَا تُؤثر الْأَثر الْأَكْبَر وَقَالَ ابْن فورجة سَيرهَا طعن وَمَا تسير فِيهِ من الفلاة نحر يَقُول مرت نَافِذَة كَمَا ينفذ الطعْن فى النَّحْر فَكَأَنَّهَا رمح وَكَأن الصفصف ومداه نحر قَالَ وَلَو أمكنه أَن يَقُول (كلّ مَا لقِيت من المفاوز ... ) لظهر الْمَعْنى قَالَ الواحدى يجوز أَن يكون الْمَعْنى كل مَا لقِيت هَذِه النَّاقة من مشاق الطَّرِيق نحر لَهَا يعْمل بهَا عمل النَّحْر فَكَأَنَّهَا تنحر فى كل سَاعَة

  29. ٢٩

    إِذا وَرِمَت مِن لَسعَةٍ مَرِحَت لَها

    كَأَنَّ نَوالاً صَرَّ في جِلدِها النِبرُ

    الواحدي: النبر دويبة تلسع الإبل فيرم موضع لسعتها يقول إذا لسعها النبر مرحت لشدة اللسعة أي قلقت للوجع فكأنها فرحت فرحا لنه صر في جلدها نوالا وشبه موضع اللسعة بالصرة ويجوز أن يكون المرح ههنا حقيقةً ولم يرد القلق يقول لا يفل الشدائد حد مرحها.

    العكبري: الْغَرِيب النبر دويبة تسلع الْإِبِل فيرم مَوضِع لسعتها الْمَعْنى يَقُول إِذا لسعت ولهت لشدَّة اللسعة فَكَأَنَّهَا فرحت فَرحا وَكَأَنَّهُ صر فى جلدهَا نوالا أى عَطاء وَشبه ورم اللسعة بصرة دَرَاهِم فَكَأَنَّهَا مرحت لذَلِك والمرح فى الْحَقِيقَة هُوَ جعلهَا تقلق لَهُ فَكَأَنَّهَا تمرح وَقيل النبر إِذا لسع الْجمل ورم مَكَان اللسعة حَتَّى يصير مثل الرمانة الصَّغِيرَة فَلذَلِك حسن تَشْبِيه بالصرة فى جلدهَا

  30. ٣٠

    فَجِئناكَ دونَ الشَمسِ وَالبَدرِ في النَوى

    وَدونَكَ في أَحوالِكَ الشَمسُ وَالبَدرُ

    الواحدي: يقول أنت دونها في البعد أي أقرب إلينا منهما وهما دونك في جميع احوالك فأنت أعم نفعا منهما وأشهر ذكرا وأعلى منزلةً وقدرا.

    العكبري: الْمَعْنى كنت أقرب إِلَيْنَا مطلبا من الْبَدْر وَالشَّمْس وهما دُونك فى الْفضل قَالَ الْخَطِيب أَنْت أقرب وَأفضل من الشَّمْس والبدر على قربك منا وهما بعيدان قَالَ // وَلم يعبر عبارَة جَيِّدَة // وَقَالَ الواحدى أَنْت دونهمَا فى الْبعد وَأقرب إِلَيْنَا مِنْهُمَا وهما دُونك فى أحوالك وَأَنت أَعم نفعا مِنْهُمَا وَأشهر ذكرا وَأَعْلَى منزلَة وَقدرا

  31. ٣١

    كَأَنَّكَ بَردُ الماءِ لا عَيشَ دونَهُ

    وَلَو كُنتَ بَردَ الماءِ لَم يَكُنِ العِشرُ

    الواحدي: العشر أبعد أظماء الإبل يقول لو كنت الماء لوسعت بطبع الجود كل حيوان في كل مكان وفي ذلك ارتفاع الإظماء ويجوز أن يقال لو كنت برد الماء لما عاودت غلة اطفأتها وقال ابن جنى أي كانت تجاوز المدة في وردها العشر لغنائها بعذوبتك وبردك.

    العكبري: الْغَرِيب الْعشْر آخر أظماء الْإِبِل وَهُوَ أَن ترد يَوْمًا وتدعه ثَمَانِيَة أَيَّام وَترد يَوْم الْعَاشِر الْمَعْنى قَالَ الواحدى لَو كنت المَاء لوسعت بطبع الْجُود كل حَيَوَان وكل مَكَان وفى ذَلِك ارْتِفَاع الأظماء وَيجوز أَن يُقَال لَو كنت برد المَاء لما غادرت غلَّة إِلَّا أطفأتها وَقَالَ ابْن جنى كَانَت تتجاوز الْمدَّة فى وُرُودهَا الْعشْر لغناها بعذوبتك وبردك

  32. ٣٢

    دَعاني إِلَيكَ العِلمُ وَالحِلمُ وَالحِجى

    وَهَذا الكَلامُ النَظمُ وَالنائِلُ النَثرُ

    الواحدي: يقول دعاني إليك ما فيك من هذه الفضائل وما تنظمه من كلامك في شعرك وما تنثره من نائلك.

  33. ٣٣

    وَما قُلتُ مِن شِعرٍ تَكادُ بُيوتُهُ

    إِذا كُتِبَت يَبيَضُّ مِن نورِها الحِبرُ

    الواحدي: يريد بيوت الشعر ويقال إن هذا الممدوح كان حسن الشعر مليحه.

    العكبري: الْغَرِيب الحبر مَا يكْتب بِهِ وَهُوَ المداد وموضعه المحبرة والحبر الْأَثر وَالْجمع حبور والبيوت جمع بَيت من الشّعْر وَالْبناء وتكسر الْبَاء فى الْجمع وتضم وَقد قرئَ بهما فى الْقُرْآن هَذَا وَمَا كَانَ على وَزنه مثل الْعُيُون والغيوب والعيوب والجيوب والشيوخ فَكسر الْجَمِيع حَمْزَة وَوَافَقَهُ أَبُو بكر إِلَّا فى الْجُيُوب وَوَافَقَهُ ابْن كثير والكسائى وَابْن ذكْوَان فى الْجَمِيع سوى الْعُيُوب وَوَافَقَهُ هِشَام وقالون فى كسر الْبيُوت لَا غير الْمَعْنى يرْوى قلت على المخاطبة وعَلى الْإِخْبَار فَمن خَاطب أَرَادَ أَن الممدوح كَانَ // حسن الشّعْر // وَعَلِيهِ فسر أَبُو الْفَتْح والواحدى وَمن رَوَاهُ على الْإِخْبَار أَرَادَ أَن مَا قلت من شعر تكَاد بيوته تبيض من ذكرى مدحك لِكَثْرَة فضائلك الَّتِى على وَهُوَ من قَول ابْن الرومى (ولِمَدْحيكَ قلتُها كلماتٍ ... هُذّبَتْ فِيكَ أيَّمَا تَهْذِيبِ) (سوّدتْ فيكَ كلّ بَيْضَاء تسويدا ... تراهُ العُيونُ كالتَّذْهِيبِ)

  34. ٣٤

    كَأَنَّ المَعاني في فَصاحَةِ لَفظِها

    نُجومُ الثُرَيّا أَو خَلائِقُكَ الزُهرُ

    الواحدي: شبه شعره في صحة معناه وحسن لفظه بالثريا اشتهارا في الناس وأن كل أحد يعرفه وكذلك أخلاقه الزاهرة المضية مشهورة في الناس واشعاره كذلك.

  35. ٣٥

    وَجَنَّبَني قُربَ السَلاطينِ مَقتُها

    وَما يَقتَضيني مِن جَماجِمِها النَسرُ

    الواحدي: يقول بغضي السلاطين نهاني عن قربهم وأني قاتل لهم فإن النسر كأنه ينتظر أكل لحومهم فهو يطالبني بجماجمهم.

  36. ٣٦

    وَإِنّي رَأَيتُ الضُرَّ أَحسَنَ مَنظَراً

    وَأَهوَنَ مِن مَرأى صَغيرٍ بِهِ كِبرُ

    الواحدي: يقول مقاساة الضر والفقر احسن عندي من أن أرى صغيرا متكبرا ويروى من لقيا ويروي من مرء صغيرٍ.

    العكبري: الْمَعْنى يُرِيد أَن الضّر أَهْون على من رُؤْيَة صَغِير متكبر يعْنى ملازمتى الْفقر أحب إِلَى من قصد اللئام وَالْبَيْت من الْحِكْمَة قَالَ الْحَكِيم أعظم مَا فى النُّفُوس إعظام ذوى الدناءة فَأحْسن فى نَقله أَبُو الطّيب وَبعده

  37. ٣٧

    لِساني وَعَيني وَالفُؤادُ وَهِمَّتي

    أَوُدُّ اللَواتي ذا اِسمُها مِنكَ وَالشَطرُ

    الواحدي: يقال رجل ود وودٌ وودٌ وجمعه أود قال ابن جنى يقول لساني وعيني وفؤادي وهمتي تود لسانك وعينك وفؤادك وهمتك والشطر النصف أي هن شطرها كأنها شقت منها فصارتا شطرين ولشدة محبتي لك كأنك شقيقي سمعت العروضي يقول قد أكثر الناس في هذا البيت والذي حكاه أبو الفتح أجود ما قالوه على أني أقول قوله أنك مثلي وشقيق ليس في هذا كثير المدح ولعل الممدوح لا يرضى بهذا ولكن معناه عندي أن الشريف من الإنسان هذه الأعضاء التي عدها فقال هذه الأعضاء التي طار اسمها وذكرها في الناس بك تأدبت ومنك أخذت وقوله والشطر أي أن الله خالقها وأنت اعطيتني وادبتني فمنك رزقها وأدبها والخلق لله تعالى قال وروايتي على هذا التفسير أودى بالإضافة وبه أقرأنا أبو بكر الخوارزمي والمعنى أني وددت هذه الأشياء لأن اسمها منك أي بك علت ومنك استفادت الأسم وعلى هذا يصير ذا حشوا كما يقال انصرفت من ذي عنده ومن ذا الذي يفعل كذا وقال ابن فورجة ذا إشارة إلى اسمٍ وكان يجب لو يمكن أن يقول هذه اسماؤها لكن الوزن اضطره والشطر عطف على الأود والغرض في هذا البيت التعمية فقط وإلا فما الفائدة في هذا البيت مع ما فيه من الأضطراب.

    العكبري: الْغَرِيب يُقَال رجل ود وود وود مُثَلّثَة وَجمعه أود وَهُوَ من الْمَوَدَّة وَفُلَان ودى أى صديقى والشطر النّصْف والشطر النَّحْو والجهة الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يَقُول لسانى وعينى وفؤادى وهمتى تسود لسَانك وعينك وفؤادك وهمتك وتود النّظر مِنْهَا كَأَنَّهَا شقَّتْ مِنْهَا فصارتا شطرين ولشدة محبتى لَك كَأَنَّك شقيقى وَقَالَ العروضى الذى حَكَاهُ أَبُو الْفَتْح أَجود مَا قيل فى هَذَا الْبَيْت وَأَقُول قَول كَأَنَّك شقيقى لَا مدح فِيهِ وَلَعَلَّ الممدوح لَا يرضى بِهَذَا وَلَكِن مَعْنَاهُ عندى أَن الشريف من الْإِنْسَان هَذِه الْأَعْضَاء الَّتِى ذكرهَا فَقَالَ إِن الْأَعْضَاء الَّتِى طَار اسْمهَا فى النَّاس وَذكرهَا بك تأدبت ومنك أخذت وَقَوله والشطر أى إِن الله خلقهَا وَأَنت أدبتنى وأعطيتنى فمنك رزقها وأدبها والخالق الله تَعَالَى قَالَ وروايتى هَذِه على هَذَا التَّفْسِير أودى بِالْإِضَافَة وَبِه أقرأنا الخوارزمى الْمَعْنى إنى وددت هَذِه الْأَشْيَاء لِأَن اسْمهَا بك يُرِيد بك علت ومنك استفادت الِاسْم وعَلى هَذَا يصير قَوْله ذَا حَشْوًا كَمَا يُقَال انصرفت من ذى عِنْده وَمن ذَا الذى يفعل كَذَا وَقَالَ ابْن فورجة ذَا إِشَارَة إِلَى اسْم وَكَانَ يجب لَو أمكن أَن يَقُول هَذِه أسماؤنا وَلَكِن الْوَزْن اضطره والشطر عظف على أود وَالْغَرَض فى هَذَا الْبَيْت التعمية فَقَط وَإِلَّا فَمَا الْفَائِدَة فى هَذَا الْبَيْت مَعَ مَا فِيهِ من الِاضْطِرَاب

  38. ٣٨

    وَما أَنا وَحدي قُلتُ ذا الشِعرَ كُلَّهُ

    وَلَكِن لِشِعري فيكَ مِن نَفسِهِ شِعرُ

    الواحدي: يقول ما انفردت أنا بإنشاء هذا الشعر ولكن اعانني شعري على مدحك لأنه أراد مدحك كما أردته والمعنى من قول أبي تمام، تغاير الشعر فيه غذ سهرت له، حتى ظننت قوافيه ستقتتل،

    العكبري: الْمَعْنى يَقُول أَنا من انْفَرَدت بِعَمَل هَذَا الشّعْر وَلَكِن شعرى أعاننى على مدحك لِأَنَّهُ أَرَادَ مدحك كَمَا أردته وَهُوَ معنى قَول الطائى (تغايَرَ الشِّعرُ فِيهِ إذْ أرِقْتُ لَهُ ... حَتَّى ظَنَنْت قوافيه ستَقْتَتِلُ)

  39. ٣٩

    وَماذا الَّذي فيهِ مِنَ الحُسنِ رَونَقاً

    وَلَكِن بَدا في وَجهِهِ نَحوَكَ البِشرُ

    الواحدي: يقول ليس ما يرى في شعري من الحسن كله رونق الألفاظ والمعاني ولكن لفرح شعري بك كأنه ضحك لما رآك فصار له رونقٌ.

    العكبري: الْغَرِيب الرونق الملاحة والبشر الطلاقة والبشاشة وَالْحسن وَأَصله من طلاقة الْوَجْه والبشر أَيْضا اسْم جبل بالجزيرة وَاسم مَاء لبنى تغلب الْمَعْنى يَقُول شعرى لفرحه بك كَأَنَّهُ يضْحك لما رآك فَصَارَ فِيهِ رونق مِنْك لامنى وَلَيْسَ رونقه من أَلْفَاظه وَإِنَّمَا هُوَ مِنْك

  40. ٤٠

    وَإِنّي وَإِن نِلتُ السَماءَ لَعالِمٌ

    بِأَنَّكَ ما نِلتَ الَّذي يوجِبُ القَدرُ

    العكبري: الْمَعْنى يَقُول إِذا عَلَوْت على الْأَشْيَاء كلهَا حَتَّى تبلغ السَّمَاء علمت أَنَّك لم تبلغ مَا تستحقه فى الشّرف والمنزلة لِأَنَّك تسْتَحقّ أَكثر مِمَّا نلْت لشرف قدرك وعلو همتك وَرَوَاهُ قوم نلْت بِضَم التَّاء فَيكون وَإِن نلْت أَنا وَأَنا من بعض خدمك علمت أَنَّك مَا نلْت الذى يجب لَك // فَهَذَا مُبَالغَة فى الْمَدْح //

  41. ٤١

    أَزالَت بِكَ الأَيّامُ عَتبى كَأَنَّما

    بَنوها لَها ذَنبٌ وَأَنتَ لَها عُذرُ

    الواحدي: المصراع الأول من قول الطاءي، نوالك رد حسادي فلولا، وأصلح بين أيامي وبيني، والثاني من قوله، كثرت خطايا الدهر في وقد يرى، بنداك وهو إليَّ منها تائب، ومثله لأبي هفان، أصبح الدهر مسيئا كله، ما له إلا ابن يحيى حسنه

    العكبري: الْمَعْنى يَقُول الْأَيَّام لَهَا إساءات كَثِيرَة فَلَمَّا سمحت بمثلك زَالَ عتبى عَلَيْهَا فكانها أَتَت بك عذرا وَمعنى المصراع الأول من قَول حبيب (نوَالُكَ رَدَّ حُسَّادِى فُلُولاً ... وأصْلح بينَ أيَّامى وبَيْنِى) والثانى من قَوْله أَيْضا (كُثرَتْ خَطَايَا الدَّهرِ فِىَّ وَقد يُرَى ... بنداكَ وَهُوَ إلىَّ مِنْهَا تائِبُ) وَمثله لأبى هفان (أصبَحَ الدَّهْرُ مًسِيئا كلُّهُ ... مَاله إِلَّا ابنُ يَحيى حَسَنهْ) وَمثله لِابْنِ الرومى (أَنْتُم أناسٌ بأيادِيكُمُ ... يُسْتَعْتَبُ الدَّهْرُ إِذا أذْنَبا) (إِذا جَنَى الدَّهْرُ على أهْله ... وزادَ فى عذلكمُ أعْتَبا) ولأبى نواس (يَرْمِى إليْكَ بهَا بَنو أملٍ ... عَتَبُوا فأعتبهم بكَ الدَّهرُ)

هذه القصيدة بشرح الواحدي، والعكبري

أبيات مشهورة منها(٦)
التعليقات(٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.