تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

فقر في الكذب لغير واحد

بعض الفلاسفة: الكذّاب والميّت سواء؛ لأن فضيلة الحىّ النّطق، فإذا لم يوثق بكلامه فقد بطلت حياته.

الحسن بن سهل: الكذّاب لصّ؛ لأن اللصّ يسرق مالك، والكذّاب يسرق عقلك، ولا تأمن من كذب لك أن يكذب عليك، ومن اغتاب غيرك عندك

فلا تأمن أن يغتابك عند غيرك.

قال إبراهيم بن العباس في هذا النحو.

إنى متى أحقد بحقدكلا أضرّ به سواكا
ومتى أطعتك في أخيكأطعت فيك غدا أخاكا
حتّى أرى متقسّمايومى لذا، وغدا لذاكا
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة

حسب الكاذب بعقله سقما وبقلبه خصما

ابن المعتز: علامة الكذاب جوده باليمين لغير مستحلف، وقال:

وفي اليمين على ما أنت فاعلهما دلّ أنك في الميعاد متّهم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

وقال: اجتنب مصاحبة الكذّاب، فإن اضطررت إليه فلا تصدّقه، ولا تعلمه أنك تكذّبه، فينتقل عن ودّه، ولا ينتقل عن طبعه. يعترى حديث الكذّاب من الاختلاف مالا يعترى الجبان من الارتعاد عند الحرب. لا تصحّ للكذّاب رؤيا؛ لأنه يخبر عن نفسه في اليقظة بما لم ير، فتريه في النوم ما لا يكون، وأنشد:

لا يكذب المرء إلا من مهانتهأو عادة السوء، أو من قلّة الأدب

ولأهل العصر: فلان منغمس في عيبه، يكذب لذيله على جيبه، يقول بهتا، وزورا بحتا، قد ملأ قلبه رينا، وقوله مينا؛ يدين بالكذب مذهبا، ويستثير الزّور مركبا، أقاويل يتمشّى الزّور في مناكبها، ويبرز البهتان في مذاهبها.

وقال أعرابى لابنه وسمعه يكذب: يا بنى، عجبت من الكذّاب المشيد بكذبه، وإنما يدلّ على عيبه، ويتعرّض للعقاب من ربّه؛ فالآثام له عادة، والأخبار عنه متضادّة، إن قال حقا لم يصدّق، وإن أراد خيرا لم يوفّق؛ فهو الجانى على نفسه بفعاله، والدّالّ على فضيحته بمقاله. فما صحّ من صدقه نسب إلى غيره، وما صحّ من كذب غيره نسب إليه، فهو كما قال الشاعر:

حسب الكذوب من المهانة بعض ما يحكى عليه
ما إن سمعت بكذبةمن غيره نسبت إليه

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.