تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

الأصمعى وبعض الأعراب

قال بعض الرواة: كنا مع أبى نصر راوية الأصمعى في رياض من المذاكرة نجتنى ثمارها، ونجتلى أنوارها، إلى أن أفضنا في ذكر أبى سعيد عبد الملك بن قريب الأصمعى؛ فقال: رحم الله الأصمعىّ! إنه لمعدن حكم، وبحر علم، غير أنه لم نرقطّ مثل أعرابى وقف بنا فسلّم، فقال: أيكم الأصمعى؟ فقال:

أنا ذاك، فقال: أتأذنون بالجلوس؟ فأذنّا له، وعجبنا من حسن أدبه مع جفاء أدب الأعراب.

قال: يا أصمعى، أنت الذى يزعم هؤلاء النّفر أنك أثقبهم معرفة بالشعر والعربية، وحكايات الأعراب؟ قال الأصمعى: فيهم من هو أعلم منى، ومن هو دونى، قال: تنشدوننى من بعض شعر أهل الحضر حتى أقيسه على شعر أصحابنا؟ فأنشده شعرا لرجل امتدح به مسلمة بن عبد الملك:

أمسلم أنت البحر إن جاء واردوليث إذا ما الحرب طار عقابها
وأنت كيف الهند وانىّ إن غدتحوادث من حرب يعبّ عبابها
وما خلقت أكرومة في امرىء لهولا غاية إلّا إليك مآبها
كأنك ديّان عليها موكّلبها، وعلى كفّيك يجرى حسابها
إليك رحلنا العيس إذا لم نجد لهاأخا ثقة يرجى لديه ثوابها

قال: فتبّسم الأعرابى، وهزّ رأسه، فظننّا أنّ ذلك لاستحسانه الشعر، ثم قال: يا أصمعىّ؛ هذا شعر مهلهل خلق النّسج، خطؤه أكثر من صوابه، يغطى عيوبه حسن الرّوىّ، ورواية المنشد؛ يشبّهون الملك إذا امتدح بالأسد، والأسد أبخر شتيم المنظر، وربما طرده شرذمة من إمائنا، وتلاعب به صبياننا، ويشبّهونه بالبحر، والبحر صعب على من ركبه، مرّ على من شربه، وبالسيف وربما خان فى الحقيقة، ونبا عند الضّريبة! ألا أنشدتنى كما قال صبىّ من حيّنا! قال الأصمعى: وماذا قال صاحبكم؟ فأنشده:

إذا سألت الورى عن كل مكرمةلم يعز إكرامها إلا إلى الهول
فتى جواد أذاب المال نائلهفالنّيل يشكر منه كثرة النّيل
الموت يكره أن يلقى منيّتهفى كرّه عند لفّ الخيل بالخيل
وزاحم الشمس أبقى الشمس كاسفةأو زاحم الصّمّ ألجاها إلى الميل
أمضى من النجم إن نابته نائبةوعند أعدائه أجرى من السّيل
لا يستريح إلى الدنيا وزينتهاولا تراه إليها ساحب الذّيل
يقصّر المجد عنه في مكارمهكما يقصّر عن أفعاله قولى!

قال أبو نصر: فأبهتنا والله ما سمعنا من قوله، قال: فتأنّى الأعرابى، ثم قال للأصمعى: ألا تنشدنى شعرا ترتاح إليه النفس، ويكن إليه القلب؟

فأنشده لابن الرّقاع العاملى:

وناعمة تجلو بعود أراكةمؤشّرة يسبى المعانق طيبها
للشاعر عدي بن الرقاع، من قصيدة «وناعمة تجلو بعود أراكة»
كأنّ بها خمرا بماء غمامةإذا ارتشفت بعد الرّقاد غروبها
للشاعر عدي بن الرقاع، من قصيدة «وناعمة تجلو بعود أراكة»
أراك إلى نجد تحنّ، وإنمامنى كلّ نفس حيث كان حبيبها
للشاعر عدي بن الرقاع، من قصيدة «وناعمة تجلو بعود أراكة»

فتبسّم الأعرابى وقال: يا أصمعى، ما هذا بدون الأول، ولا فوقه، ألا أنشدتنى كما قلت؟ قال الأصمعى: وما قلت؟ جعلت فداك! فأنشده:

تعلّقتها بكرا، وعلّقت حبّهافقلبى عن كلّ الورى فارغ بكر
إذا احتجبت لم يكفك البدر ضوءهاوتكفيك ضوء البدر إن حجب البدر
وما الصبر عنها، إن صبرت، وجدتهجميلا، وهل في مثلها يحسن الصّبر؟
[وحسبك من خمر يفوتك ريقهاووالله ما من ريقها حسبك الخمر]
ولو أنّ جلد الذّر لامس جلدهالكان لمسّ الذّر في جلدها أثر
ولو لم يكن للبدر ضدّا جمالهاوتفضله في حسنها لصفا البدر

قال أبو نصر: قال لنا الأصمعى: اكتبوا ما سمعتم ولو بأطراف المدى في رقاق الأكباد!.

قال: وأقام عندنا شهرا، فجمع له الأصمعىّ خمسمائة دينار، وكان يتعاهدنا فى الحين بعد الحين، حتى مات الأصمعى وتفرّق أصحابنا!

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.