من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
فقر من كلام الأعراب في ضروب مختلفة
قال الجاحظ: ليس في الأرض كلام هو أمتع، ولا أنفع، ولا آنق، ولا ألذ في الأسماع، ولا أشدّ اتّصالا بالعقول السليمة، ولا أفتق للّسان، ولا أجود تقويما البيان، من طول استماع حديث الأعراب العقلاء الفصحاء.
قال ابن المقفع، وقد جرى ذكر الشعر وفضيلته: أى حكمة تكون أبلغ، أو أحسن، أو أغرب، أو أعجب، من غلام بدوىّ لم ير ريفا، ولم يشبع من طعام؛ يستوحش من الكلام، ويفزع من البشر، ويأوى إلى القفر واليرابيع والظّباء، وقد خالط الغيلان، وأنس بالجان؛ فإذا قال الشعر وصف ما لم يره،
ولم يغذّ به ولم يعرفه، ثم يذكر محاسن الأخلاق ومساويها، ويمدح ويهجو، ويذمّ ويعاتب، ويشبّب ويقول ما يكتب عنه، ويروى له، ويبقى عليه.
وقال بعض الأعراب:
وإنى لأهدى بالأوانس كالدّمىوإنى بأطراف القنا للعوب
وإنى على ما كان من عنجهيّتىولوثة أعرابيتى لأديب
كأنّ الأدب غريب من الأعراب، فافتخر بما عنده منه.
وقال الطائى في فطنتهم، يستعطف مالك بن طوق على قومه بنى تغلب:
لارقة الحضر اللّطيف غذتهموتباعدوا عن فطنة الأعراب
فإذا كشفتهم وجدت لديهمكرم النفوس وقلة الآداب
ووصف أعرابى رجلا فقال: هو أطهر من الماء، وأرقّ طباعا من الهواء، وأمضى من السيل، واهدى من النّجم.
ووصف أعرابىّ رجلا فقال: ذاك والله من ينفع سلمه، ويتواصف حلمه، ولا يستمر أظلمه.
وقال أعرابى: جلست إلى قوم من أهل بغداد فما رأيت أرجح من أحلامهم، ولا أطيش من أقلامهم.
وذكر أعرابى من بنى كلاب رجلا فقال: كان والله الفهم منه ذا أذنين، والجواب ذا لسانين؛ ولم أر أحدا أرتق لخلل رأى، ولا ابعد مسافة روّبة، ومراد طرف منه؛ إنما كان يرمى بهمّته حيث أشار إليه الكرم، وما زال يتحسّى مرارة أخلاق الإخوان، ويسقيهم عذوبة أخلاقه.
وذكر أعرابىّ رجلا فقال: والله لكأنّ القلوب والألسن ريضت له، فما تعقد إلا على ودّه، ولا تنطق إلّا بحمده.
وقال أعرابى: أقبح أعمال المقتدرين الانتقام، وما استنبط الصواب بمثل المشاورة، ولا اكتسبت البغضاء بمثل الكبر.
قال الأصمعى: وخطبنا أعرابى بالبادية، فقال: أيّها الناس؛ إن الدنيا دار مفرّ، والآخرة دار مقرّ؛ فخذوا من مفرّكم لمقرّكم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم.
قال المعافر بن نعيم: وقفت أنا ومعبد بن طوق العنبرى على مجلس لبنى العنبرى، وأنا على ناقة وهو على حمار، فقاموا فبدءونى فسلّموا علىّ؛ ثم انكفئوا على معبد، فقبض يده عنهم؛ وقال: لا، ولا كرامة! بدأتم بالصغير قبل الكبير، وبالمولى قبل العربىّ، وبالمفحم قبل الشاعر، فأسكت القوم، فانبرى إليه غلام، فقال: بدأنا بالكاتب قبل الأمىّ، وبالمهاجر قبل الأعرابى، وبراكب الراحلة قبل راكب الحمار.
ووصف أعرابى قومه فقال: ليوث حرب، وغيوث جدب، إن قاتلوا أبلوا، وإنّ بذلوا أغنوا.
ووصف أعرابى قوما فقال: إذا اصطفّوا سفرت ببنهم السهام، وإذا تصافحوا بالسيوف فغر فمه الحمام.
وسئل أعرابىّ عن صديق له، فقال: صفرت عياب الودّ بينى وبينه بعد امتلائها، واكفهرّت وجوه كانت بمائها.
وقال الأصمعى: وسمعت أعرابيا يقول: إنّ الآمال قطعت أعناق الرجال، كالسراب غرّ من رآه، وأخلف من رجاه، ومن كان الليل والنهار مطيّته أسرعا السير والبلوغ به.
والمرء يفرح بالأيام يقطعهاوكلّ يوم مضى يدنى من الاجل
وذكر أعرابىّ مصيبة نالته، فقال: إنها والله مصيبة جعلت سود الرءوس بيضا، وبيض الوجوه سودا، وهوّنت المصائب، وشيّبت الذوائب.
وهذا كقول عبد الله بن الزّبير الأسدى:
رمى الحدثان نسوة آل حرببمقدار سمدن له سمودا
فردّ شعورهنّ السّود بيضاوردّ وجوههنّ البيض سودا
وإنك لو رأيت بكاء هندورملة إذ تصكاّن الخدودا
بكيت بكاء معولة حزينأصاب الدهر واحدها الفقيدا
ونظير هذا التطابق بين السواد والبياض، وإن لم يكن من هذا المعنى، قول ابن الرومى:
يا بياض المشيب سوّدت وجهىعند بيض الوجوه سود القرون
فلعمرى لأخفينّك جهدىعن عيانى وعن عيان العيون
ولعمرى لأمنعنّك أن تضحك في رأس آسف محزون
بسواد فيه ابيضاض لوجهىوسواد لوجهك الملعون
سأل أعرابيان رجلا، فحرمهما، فقال أحدهما لصاحبه: نزلت والله بواد غير ممطور، وأتيت رجلا بك غير مسرور، فلم تدرك ما سألت، ولا نلت ما أمّلت؛ فارتحل بندم، أو أقم على عدم.
قال الأصمعى: وسمعت أعرابيا يقول: غفلنا ولم يغفل الدهر عنا، فلم نتّعظ بغيرنا حتى وعظ غيرنا بنا، فقد أدركت السعادة من تنبّه، وأدركت الشقاوة من غفل، وكفى بالتجربة واعظا وقال أعرابى لرجل: اشكر للمنعم عليك، وأنعم على الشاكر لك، تستوجب من ربك زيادته، ومن أخيك مناصحته.
ومدح أعرابى رجلا فقال: ذلك والله فسيح الأدب، مستحكم السبب، من أىّ أقطاره أتيته تثنى عليه بكرم فعال، وحسن مقال.
وذمّ أعرابى رجلا فقال: أفسد آخرته بصلاح دنياه، ففارق ما أصلح غير راجع إليه، وقدم على ما أفسد غير منتقل عنه، ولو صدق رجل نفسه ما كذبته، ولو ألقى زمامه أوطأه راحلته وقال أعرابى: خرجت حين انحدرت أيدى النجوم، وشالت أرجلها، فما زلت أصدع الليل حتى انصدع الفجر.
وقال أعرابى:
وقد تعاللت ذميل العنسبالسّوط في ديمومة كالتّرس
إذ عرّج الليل بروج الشّمس
ومن مليح الاستعارة في نحو هذا قول الحسن بن وهب: شربت البارحة على وجه الجوزاء؛ فلما انتبه الفجر نمت، فما عقلت حتى لحفنى قميص الشّمس.
وقال أعرابى لصاحبه في شىء ذكره: قل إن شاء الله، فإنها ترضي الربّ، وتسخط الشيطان، وتذهب الحنث، وتقضى الحاجة.
وروى العتبىّ عن أبيه قال: سمعت أعرابيا يقول لأخيه في معاتبة جرت بينهما:
أما والله لربّ يوم كتنّور الطاهى، رقّاص بالحمامة، قد رميت نفسى في أجيج سمومه، أحتمل منه ما أكره لما أحبّ.
قال أبو العباس محمد بن يزيد: وأحسب العتبى صنع هذا الكلام، وأخذه من قول بشّار:
ويوم كتنّور الإماء سجرنهوأوقدن فيه الجزل حتى تضرّما
رميت بنفسى في أجيج سمومهوبالعيس حتى بضّ منخرها دما
أخذ هذا المعنى بعض أصحاب أبى العباس ثعلب فقال يهجو المبرد:
ويوم كتنّور الطّهاة سجرتهعلى أنه منه أحرّ وأوقد
ظللت به عند المبرّد جالسافمّا زلت في ألفاظه أتبرّد
قال الأصمعى: حجّت أعرابية ومعها ابن لها، فأصيبت به، فلما دفن قامت على قبره، وهي موجعة فقالت: والله يا بنىّ لقد غذوتك رضيعا، وفقدتك سريعا، وكأنه لم يكن بين الحالين مدة ألتذّ بعيشك فيها، فأصبحت بعد النّضارة والغضارة ورونق الحياة والتنسّم في طيب روائحها، تحت أطباق الثّرى جسدا هامدا، ورفاتا سحيقا، وصعيدا جرزا؛ أى بنى! لقد سحبت الدنيا عليك أذيال الفناء، وأسكنتك دار البلى، ورمتنى بعدك نكبة الرّدى، أى بنى! لقد أسفر لى وجه الدنيا عن صباح داج ظلامه.
ثم قالت: أى ربّ ومنك العدل، ومن خلقك الجور، وهبته لى قرّة عين، فلم تمتّعنى به كثيرا، بل سلبتنيه وشيكا؛ ثم أمرتنى بالصبر، ووعدتنى عليه الأجر، فصدقت وعدك، ورضيت قضاءك، فرحم الله من ترحّم على من استودعته الرّدم، ووسّدته الثّرى؛ اللهم ارحم غربته، وآنس وحشته، واستر عورته، يوم تكشف الهنات والسّوءات.
فلما أرادت الرجوع إلى أهلها وقفت على قبره، فقالت! أى بنىّ! إنى قد تزوّدت لسفرى، فليت شعرى ما زادك لبعد طريقك، ويوم معادك؟ اللهم إنى أسألك له الرضا برضائى عنه. ثم قالت: استودعتك من استود عنيك في أحشائى جنينا؛ واثكل الوالدات! ما أمضّ حرارة قلوبهن، وأقلق مصاجعهنّ، وأطول ليلهنّ، وأقصر نهارهن، وأقلّ أنسهن، وأشدّ وحشتهنّ، وأبعدهنّ من السرور، وأقربهن من الأحزان.
لم تزل تقول هذا ونحوه حتى أبكت كلّ من سمعها. وحمدت الله ﷿ واسترجعت وصلت ركعات عند قبره وانطلقت.
وأنشد المفضّل الضبىّ لامرأة من العرب ترثى ابنا لها:
يا عمرو مالى عنك من صبريا عمرو يا أسفى على عمرو
لله يا عمرو، وأىّ فتىكفّنت يوم وضعت في القبر؟
أحثو التراب على مفارقهوعلىّ غضارة وجهه النّضر
حين استوى وعلا الشباب بهوبدا منير الوجه كالبدر
ورجا أقاربه منافعهورأوا شمائل سيّد غمر
وأهمّه همّى فساورهوغدا مع الغادين في السّفر
تغدو به شقراء ساميةمرطى الجراء شديدة الأسر
ثبت الجنان به، ويقدمهافلج يقلّب مقلتى صقر
رّبيته دهرا أفتّقهفى اليسر أغذوه وفي العسر
حتى إذا التأميل أمكننىفيه قبيل تلاحق الثغر
وجعلت من شغفى أنقّلهفى الأرض بين تنائف غبر
أدع المزارع والحصون بهوأحلّه في المهمه القفر
ما زلت أصعده وأحدرهمن قتر موماة إلى قتر
هربا به والموت يطلبهحيث انتويت به ولا أدرى
حتى دفعت به لمصرعهسوق المعيز تساق للعتر
ما كان إلا أن هجعت لهورمى فأغفى مطلع الفجر
ورمى الكرى رأسى ومال بهرمس يساور منه كالسّكر
إذ راعنى صوت هببت بهوذعرت منه أيّما ذعر
وإذا منيته تساورهقد كدّحت في الوجه والنّحر
وإذا له علق وحشرجةمما يجيش به من الصّدر
والموت يقبضه ويبسطهكالثوب عند الطىّ والنّشر
فدعا لأنصره وكنت لهمن قبل ذلك حاضر النّصر
فعجزت عنه وهي زاهقةبين الوريد ومدفع السّحر
فمضى وأىّ فتى فجعت بهجلّت مصيبته عن القدر
لو قيل تفديه بذلت لهمالى وما جمّعت من وفر
أو كنت مقتدرا على عمرىآثرته بالشّطر من عمرى
قد كنت ذا فقر له، فعداورمى علىّ وقد رأى فقرى
لو شاء ربّى كان متّعنىبابنى وشدّ بأزره أزرى
بنيت عليك بنىّ، أحوج ماكنّا إليك، صفاثح الصّخر
لا يبعدنك الله يا عمرىإمّا مضيت فنحن بالإثر
هذى سبيل الناس كلّهملا بدّ سالكها على سفر
أولا تراهم في ديارهميتوقّعون وهم على ذعر
والموت يوردهم مواردهمقسرا؛ فقد ذلّوا على القسر
وقال أعرابى يمدح رجلا:
يمدّ نجاد السّيف حتّى كأنهبأعلى سنامى فالج يتطوّح
ويدلج في حاجات من هو نائمويورى كريمات الندى حين يقدح
إذا اعتمّ بالبرد اليمانى حسبتههلالا بدا في جانب الأفق يلمح
يزيد على فضل الرجال فضيلةويقصر عنه مدح من يتمدّح
وأنشد ابن أبى طاهر لأعرابى:
وقبلى أبكى كلّ من كان ذاهوىهتوف البواكى والديار البلاقع
وهنّ على الأطلال من كل جانبنوائح ما تخضلّ منها المدامع
مزبرجة الأعناق نمر ظهورهامخطّمة بالدّرّ خضر روائع
ترى طرزا بين الخوافى كأنهاحواشىّ برد زينتها الوشائع
ومن قطع الياقوت صيغت عيونهاخواضب بالحناء منها الأصابع
ومن جيد ما قيل في الحمام قول ابن الرومى:
وقفت بمطراب العشيّات والضّحىفظلت أسحّ الدمع منى وأسجم
حليفة شجو هاج مابى وما بهاتباريح شوق يشتكيها المتيّم
فباح به فوها وأخفته عينهاوباحت به عينى وكتّمه الفم
ودخل أعرابى على الرشيد، فأنشده أرجوزة مدحه بها، وإسماعيل بن صبيح يكتب كتابا بين يديه- وكان من أحسن الناس خطّا، وأسرعهم يدا- فقال الرشيد للأعرابى: صف الكاتب فقال:
رقيق حواشى العلم حين تبورهيريك الهوينا والأمور تطير
له قلما بؤسى ونعمى كلاهماسحابته في الحالتين درور
يناجيك عما في ضميرك خطّهويفتح باب النّجح وهو عسير
فقال الرشيد: قد وجب لك يا أعرابى عليه حق، كما وجب لك علينا يا غلام؛ ادفع له دية الحرّ، فقال إسماعيل: وعلى عبدك دية العبد.
وقال أعرابى من بنى عقيل:
أحنّ إلى أرض الحجاز، وحاجتىخيام بنجد دونها الطّرف يقصر
وما نظرى نحو الحجاز بنافعىفتيلا، ولكنى على ذاك أنظر
أفى كلّ يوم نظرة ثم عبرةلعينيك يجرى ماؤها يتحدّر
متى يستريح القلب إمّا مجاورحزين وإمّا نازح يتذكّر
وقال أعرابى:
وإنى لأغضى مقلتىّ على القذىوألبس ثوب الصبر أبيض أبلجا
وإنّى لأدعو الله والأمر ضيّقعلىّ، فما ينفكّ أن يتفرّجا
وكم من فتى ضاقت عليه وجوههأصاب لها من دعوة الله مخرجا
وقال آخر:
ذكرتك ذكرى هائم بك تنتهىإليك أمانيه وإن لم يكن وصل
وليست بذكرى ساعة بعد ساعةولكنها موصولة مالها فصل
وقال آخر:
أريتك إن شطّت بك العام نيّةوعالك مضطاف الحمى ومرابعه
أترعين ما استودعت أم أنت كالذىإذا ما نأى هانت عليك ودائعه
ألا إن حسيا دونه قلّة الحمىمنى النفس لو كانت تنال شرائعه
أخذت أزد العتيك شاعرا من قيس بن ثعلبة اسمه المعذّل في دم، فأتاه البيهس بن ربيعة فحمله، وأمره أن ينجو بنفسه، وأسلم نفسه مكانه، فقال له المعذل: أخيّرك بين أن أمدحك أو أمدح قومك؛ فاختار مدح قومه فقال:
جزى الله فتيان العتيك، وإن نأتبى الدّار عنهم، خير ما كان جازيا
هم خلطونى بالنفوس وأحسنوا الصّحابة لما حمّ ما كان آتيا
متاعهم فوضى فضا في رحالهمولا يحسنون الشّر إلّا تباديا
كأن دنانيرا على قسماتهمإذا الموت في الأبطال كان تحاميا
وذكرت الرواة أنّ المهلب بن أبى صفرة عرض جنده بخراسان، فعرض جيش
بكر بن وائل، فمر به المعذّل فقال: هذا المعذل القيسى الذى يقول، وأنشد الأبيات، فقالوا: أيها الأمير؛ احسبه علينا، فانطلق مائة منهم، فجاءوا بمائة وصيف ووصيفة، فقالوا: أعطه هذا وليعذرنا.
قوله «كأنّ دنانيرا على قسماتهم» نظير قول أبى العباس الأعمى:
ليت شعرى من أين رائحة المسك وما إن إخال بالخيف إنسى؟
حين غابت بنو أمية عنهوالبهاليل من بنى عبد شمس
خطباء على المنابر، فرسان عليها، وقالة غير خرس
فى حلوم إذا الحلوم استفزّتووجوه مثل الدنانير ملس
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع