من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
الصدق في النصيحة
وكان أحمد بن يوسف منصرفا عن غسّان بن عباد، وجرت بينهما هنات بحضرة المأمون، فقال يوما بحضرة خاصّة أصحابه: أخبرونى عن غسّان بن عباد؛ فإنى أريده لأمر جسيم؛ وكان قد عزم على تقليده السّند مكان بشر بن داود؛ فتكلّم كلّ فريق بما عنده في مدحه؛ فقال أحمد بن يوسف: هو يا أمير المؤمنين رجل محاسنه أكثر من مساويه، لا يتطرّف به أمر إلّا تقدّم فيه، ومهما تخوّف عليه فإنه لن يأتى أمرا يعتذر منه؛ لأنه قسم أيامه بين أفعال الفضل؛ فجعل لكلّ خلق نوبة، إذا نظرت في أمره لم تدر أى حالاته أعجب؛ أما هداه إليه عقله أم ما اكتسبه بأدبه؟
فقال له المأمون: لقد مدحته على سوء رأيك فيه! قال: لأنى في أمير المؤمنين كما قال الشاعر:
كفى ثمنا لما أسديت أنىنصحتك في الصديق وفي عدائى
وأنى حين تندبنى لأمريكون هواك أغلب من هوائى
قال الصولى: وقد روى هذا لغير أحمد، ولعلّ أحمد استعاره؛ فأعجب المأمون ذلك منه، وشكره غسان بن عبّاد له، وتأكّدت الحال بينهما.
وكان أحمد بن يوسف بن القاسم بن صبيح مولى عجل بن لجيم عالى الطبقة فى البلاغة، ولم يكن في زمانه أكتب منه، وله شعر جيد مرتفع عن أشعار الكتاب، ووزر للمأمون بعد أحمد بن أبى خالد، وكان أول ما ارتفع به أحمد أن
المخلوع محمد بن الرشد لما قتل أمر طاهر بن الحسين الكتّاب أن يكتبوا إلى المأمون؛ فأطالوا، فقال طاهر: أريد أخصر من هذا فوصف له أحمد بن يوسف وموضعه من البلاغة، فأحضره لذلك، فكتب: أمّا بعد فان كان المخلوع قسم أمير المؤمنين في النّسب واللّحمة، فقد فرّق بينهما حكم الكتاب في الولاية والخدمة، بمفارقته عصمة الدين، وخروجه عن الأمر الجامع للمسلمين؛ لقول الله ﷿ فيما اقتص [علينا] من نبأ نوح وابنه: (إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح)، ولا طاعة لأحد في معصية الله، ولا قطيعة ما كانت القطيعة في ذات الله؛ وكتابى إلى أمير المؤمنين وقد أنجز الله له ما كان ينتظر من سابق وعده، والحمد لله الراجع إلى أمير المؤمنين معلوم حقّه، الكائد له فيمن ختر عهده، ونقض عقده، حتى ردّ به الألفة بعد فرقتها، وجمع به الأمة بعد شتاتها، وأضاء به أعلام الدين بعد دروسا؛ وقد بعثت إليك بالدنيا وهي رأس المخلوع، وبالآخرة وهي البردة والقضيب؛ والحمد لله الآخذ لأمير المؤمنين حقّه، الراجع إليه تراث آبائه الراشدين.
وكان أحمد بن أبى خالد كثيرا ما يصف أحمد للمأمون ويحثّه عليه، فأمره المأمون بإحضاره، فلما وقف بين يديه قال: الحمد لله يا أمير المؤمنين الذى استخصّك فيما استحفظك من دينه، وقلّدك من خلافته، بسوابغ نعمه، وفضائل قسمه، وعرّفك من تيسير كلّ عسير حاولك عليه متمرّد، حتى ذلّ لك ما جعله تكملة لما حباك به من موارد أموره بنجح مصادرها، حمدا ناميا زائدا لا ينقطع أولاه، ولا ينقضى أخراه، وأنا أسأل الله يا أمير المؤمنين من إتمام بلائه لديك، ومننه عليك، وكفايته ما ولّاك واسترعاك، وتحصين ما حاز لك، والتمكين من بلاد عدوّك، ما يمنع به بيضة الإسلام، ويعزّ بك أهله، ويبيح بك حمى الشّرك، ويجمع لك متباين الألفة، وينجز بك في أهل العناد والضلالة وعده؛ إنه سميع الدعاء، فعّال لما يشاء.
فقال المأمون: أحسنت، بووك عليك ناطقا وساكتا! ثم قال بعد أن بلاه واختبره: يا عجبا لأحمد بن يوسف! كيف استطاع أن يكتم نفسه! وكتب إلى المأمون يستجدى لزوّار على بابه: إن داعى نداك، ومنادى جدواك، جمعا ببابك الوفود، يرجون نائلك العتيد، فمنهم من يمتّ بحرمة، ومنهم من يدلى بسالف خدمة، وقد أجحف بهم المقام؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن ينعشهم بسيبه، ويحقّق ظنّهم بطوله، فعل.
فوقّع المأمون في عرض كتابه:
الخير متّبع، وأموال الملوك مظانّ لطلّاب؟؟؟؛ فاكتب أسماءهم، وبيّن مرتبة كلّ واحد منهم، ليصير إليه على قدر استحقاقه؛ ولا تكدّرن، معروفنا بالمطل والحجاب؛ فقد قال الشاعر:
فإنّك لن ترى طردا لحرّكإلصاق به طرف الهوان
ولم تجلب مودّة ذى وفاءبمثل الودّ أو بذل اللّسان
قال أحمد بن يوسف: أمرنى المأمون أن أكتب في زيادة قناديل شهر رمضان؛ فأعيا علىّ، ولم أجد مثالا أحتذى عليه؛ فبتّ مغموما، فأتانى آت فى النوم فقال: اكتب: فإنّ فيها إضاءة للمتهجّدين، ونفيا لمكان الرّيب، وأنسا للسابلة، وتنزيها لبيوت الله من وحشة الظّلم، فأخبرت بذلك المأمون، فاستظرفه، وأمر أن تمضى الكتب عليه.
وأهدى إلى المأمون في يوم نوروز طبق جزع عليه ميل من ذهب، فيه اسمه منقوش، وكتب إليه:
هذا يوم جرت فيه العادة، بإلطاف العبيد السادة، وقد بعثت إلى أمير المؤمنين طبق جزع فيه ميل.
فلما قرأ المأمون الرقصة قال: أجاءت هدية أحمد بن يوسف؟ قالوا: نعم.
قال: هى في دارى أم دارى فيها؟ فلما رفع المنديل استظرف الهدّية واسترجح مهديها.
وأهدى إلى إبراهيم بن المهدى هدية وكتب إليه: الثقة بك قد سهّلت السبيل إليك، فأهديت هدية من لا يحتشم إلى من لا يغتنم.
وكتب إلى بنى سعيد بن سلم: لولا أنّ الله ﷿ ختم نبوّته بمحمد ﷺ، وكتبه بالقرآن، لنزّل فيكم نبىّ نقمة، وأنزل فيكم قرآن غدر؛ وما عسيت أن أقول في قوم محاسنهم مساوى السّفل، ومساويهم فضائح الأمم، وألسنتهم معقولة بالعىّ، وأيديهم معقودة بالبخل، وهم كما قال الشاعر:
لا يكبرون وإن طالت حياتهمولا تبيد مخازيهم وإن بادوا
وغنّى مغنّ بحضرة أحمد بن يوسف ولم يكن محسنا، فلم ينصتوا له، وتحدّثوا مع غنائه، فغضب المغنّى؛ فقال أحمد بن يوسف: أنت عافاك الله تحمّل الأسماع ثقلا، والقلوب مللا، والأعين قباحة، والأنف نتانة، ثم تقول: اسمعوا منى، وأنصتوا إلىّ! هذا إذا كانت أفهامنا مقفلة، وآذاننا صدئة، فإما رضيت بالعفو منا، وإلا قمت مذموما عنا.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع