من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من خطب النكاح
قال يحيى بن أكثم: أراد المأمون أن يزوّج ابنته من الرضا فقال: يا يحيى؛ تكلم، فأجللته أن أقول: أنكحت، فقلت: يا أمير المؤمنين، أنت الحاكم الأكبر، والإمام الأعظم، وأنت أولى بالكلام، فقال:
الحمد لله الذى تصاغرت الأمور بمشيئته، ولا إله إلا هو إقرارا بربوبيته، وصلى الله على محمد عند ذكره.
أما بعد، فإنّ الله قد جعل النكاح دينا، ورضيه حكما، وأنزله وحيا؛ ليكون سبب المناسبة؛ ألا وإنى قد زوّجت ابنة المأمون من علىّ بن موسى، وأمهرتها أربعمائة درهم، اقتداء بسنة رسول الله ﷺ، وانتهاء إلى ما درج إليه السّلف، والحمد لله رب العالمين.
قال الأصمعى: كانوا يستحبّون من الخاطب إلى الرجل حرمته الإطالة؛ لتدلّ على الرغبة، ومن المخطوب إليه الإيجاز، ليدلّ على الإجابة.
وخطب رجل من بنى أمية إلى عمر بن عبد العزيز أخته، فأطال؛ فقال عمر:
الحمد لله ذى الكبرياء، وصلّى الله على محمد خاتم الأنبياء؛ أما بعد فإن الرغبة منك دعتك إلينا، والرغبة منا فيك أجابت، وقد زوّجناك على كتاب الله: إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان.
وخطب رجل إلى فوم فأتى بمن نحطب له، فاستفتح بحمد الله وأطال، وصلّى على النبىّ ﵇ وأطال، ثم ذكر البدء وخلق السموات والأرض، واقتصّ ذكر القرون حتى ضجر من حضر، والتفت إلى الخاطب، فقال: ما اسمك أعزّك الله؟ فقال: والله قد أنسيت اسمى من طول خطبتك، وهي طالق إن تزوجتها بهذه الخطبة؛ فضحك القوم، وعقدوا في مجلس آخر.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع